دولة النهضة .. مروان حبش

دولة النهضة

مروان حبش

النهضة تبدأ فكرة تعي ذاتها وتصبح دستورا عاما وحركة شاملة تحفز إلى العمل المنتج وتدفع إلى طريق الحياة الصحيحة لنأخذ مكانا بين الشعوب الحية الآخذة بقسط في حلبة الأمم.

وبالقدر الذي تعي فيه النهضة ذاتها، تتبلور حاجتها للعثور في ذاتها على ضمانات خاصة لها، تعينها على إنجاز أطروحتها، ولعل (الدولة) هي أبرز تلك الضمانات، وان ما يعطي للدولة النهضوية قيمتها، يتأسس على إقرارها بالحرية لمواطنيها، وللحرية مؤشرات، من أبرزها: حق المواطن المطالبة لما يصبو إليه، وحقه بأن لا يقبل إلا بما يبدو له مبررا، وهذه الحرية تتحقق في المجتمع، عبر مشاركة قائمة على المساواة في إعداد الإرادة السياسية في الشأن العام. في دولة ديمقراطية حديثة قائمة على مبدأ المواطنة وعلاقة التعاقد، المقرة للحقوق المدنية والسياسية بما فيها حق التداول السلمي للسلطة.

إن قضايا عصر النهضة العربية التي يمكن القول أنها بدأت في أوائل القرن الماضي يبدو أنها ما تزال قضايانا، وخاصة فيما يتعلق بتنظيم مؤسسات المجتمع ومفهوم الدولة ودور الحكومة (السلطة التنفيذية).

 ونتيجة لما يلمسه المواطن من عجز النظام الرسمي العربي وتخلفه التام وعدم قدرته، ليس، فقط،على تحقيق أي من أطروحات النهضويين، بل قاد المجتمع العربي إلى الخراب الشامل ووضعه في مستنقع آسن يهدد بقتلنا جميعا، ويعمل جاهدا لكي يعتري الفتور حركة الشعب ويضعف نبضه ويوهنه المرض ويدخله في طور النزاع والاحتضار.

تجلى عجز النظام العربي الرسمي في أنه صير الوطن العربي إلى ملعب مفتوح للآخرين بدل أن يكون العرب لاعبين في الحقل الدولي.

و تجلى عجز النظام العربي،أكثر ما تجلى، في تخلفه عن دعم مقاومة الشعب العربي الفلسطيني و دعم قدراته المادية والقتالية والسياسية، والعمل على تطويرها بهدف الاستمرار، كما تجلى ذلك العجز في عدم قدرته على منع الغزو الأمريكي للقطر العراقي واحتلاله لتحقيق أهداف لم تعد خافية، وأكثرها لصالح الكيان الصهيوني، وكشف، أيضا، عن وهن الشعب على امتداد ساحة الوطن العربي، على رفد اختيار الكفاح والمقاومة – رغم الإرادة القوية التي عبرت عنها مظاهرات الاحتجاج والتنديد بالمواقف المخزية للأنظمة العربية الرسمية، والدعم والتأييد لنضال عرب فلسطين، والاستنكار للعدوان الأمريكي الذي انتهى بالاحتلال، ولكن هذه الإرادة بقيت مجرد رغبة سمحت السلطات الحاكمة – وبحدود ضيقة – في بعض الأقطار، بالتعبير عنها لتنفيس الاحتقان،دون أن تتحول إلى فعل وممارسة، ودون اعتبارها رافدا لاتخاذ مواقف حاسمة تدعم ثورة الشعب ضد الاحتلال الصهيوني، وتهدد الغازي الأمريكي ودول العدوان الأخرى في مصالحهم، وتصبح، بالتالي، جدارا واقيا للمقاومة التي ستطول في الزمن، في ظل موازين القوى السائدة، حيث أصبح “العدل العالمي” ألعوبة مضحكة في أيدي من لديهم القوة، وأصبحت “القيم الأخلاقية” فضلات رثة في سلال مهملات الأقوياء.

في ظروف العجز والوهن السائدين في الواقع العربي، نلمس وكأن الوطن والفكر العربيين يعيشان نوعا من حنين العودة إلى الماضي، قيما وأفكارا وموضوعات، والناس يعيشون ذلك الحنين والفخر به أكثر مما تعيش فيهم مشاعر الأمل بالمستقبل، بينما كانت المشاعر والظواهر، في الأمس القريب، مختلفة تماما، حين كان يجري الحديث عن مشاريع نهضوية مأمولة، وكانت تلك المشاريع تضيء الآمال بالتغيير وبالمستقبل، وكانت حركة تنوير شاملة تنهض وترافق التغيير الذي كان يحصل في أساسيات وأسس المجتمع العربي، وتخلخل الأسس التقليدية للمجتمع والفكر القديمين، وتتقدم الأفكار الجديدة بديلا عنها، وخلال ذلك جرى تحديد مفاهيم جديدة محددة زمنيا ومدنيا : مفهوم الأمة العربية، مفاهيم جديدة في ترتيب العلاقات الاجتماعية وتجديد مؤسسات المجتمع، وجاءت الأحزاب السياسية مكان الملل، والديمقراطية بديل الاستبداد، وتأسس نمط للدولة الوطنية قام على استبعاد العوامل العرقية والدينية، معتمدا على عوامل : الأرض والسكان والنظام السياسي، واعتبر هذا النمط تطورا يحقق تجاوزا نهائيا للانتماءات قبل الوطنية لصالح الانتماء لوحدة وطنية، وهوية تتمحور حول الرباط السياسي، وقابل هذه المفاهيم والتجديدات، تجديدات مماثلة في الثقافة أيضا، وكان كل شيء يتغير، ونحو الأمام، بل نحو الأفضل، وكانت المهمة لدى مسؤولي تلك المرحلة واضحة، ألا وهي: التقدم.

وفي ظروف العجز، يعود الحنين، أيضا، إلى العهود البرلمانية وأحزابها، وهو تكرار لنفس تصور مفكري النهضة منذ أكثر من قرن، حين أرجعوا الانحطاط والعجز إلى طبيعة النظام السياسي ودعوا إلى تقييد السلطة.

إن سبب عجز الأنظمة الرسمية العربية، يكمن في الطبيعة التي آلت إليها سلطة تلك الأنظمة،وفي أساليب الممارسة التي تتبعها،بينما يكمن عجز الشعب العربي في تهميش السلطة له، وفي تغييبه عن ممارسة دوره الحقيقي الفاعل.

لقد أصبحت السلطة في الأنظمة الرسمية العربية القائمة، سلطة استبدادية وشمولية، وان كان هناك بعض الاختلاف، فهو اختلاف في الكم والدرجة، لا في الكيف والنوعية، و”الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان فعلا أو حكما التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب حقيقيين” كما يقول الكواكبي.

تماهت السلطة الاستبدادية في الدولة وابتلعتها، وفي هذا الابتلاع تكون قد اغتصبت حق الدولة في السيادة، وحق الشعب في أن تكون السيادة للدولة دون غيرها،وهذا قاد، حتما، إلى اختفاء أية قوة تمنع التجاوز والطغيان، ولم يعد المواطن – الذي تحول إلى فرد في الرعية –يحد أمامه آلا السلطة التي تطلب منه الولاء لها، بدل أن يكون ولاؤه للدولة، ويرغم الشعب، بعد أن تدمر السلطة الاستبدادية منظومة قيمه، على تقبل الممارسة التي تقررها بهدف بسط نفوذها، وتعم المصانعة، وتنتشر ثقافة الخوف، وتعيش السلطة هاجس الأمن الذي يصبح أساس العلاقة بينها وبين المواطنين الذين لا يرون أن الخضوع للسلطة واجب عليهم. لافتقادهم أية قناعة عقلية، أو قبول نفسي بشرعيتها. وتستغرق السلطة في ممارسة مهامها بمعزل عن أي التزام بالعدالة، والحق، والواجب، ويتوجه كل همها إلى وضع مصالح أفرادها فوق أي اعتبار آخر، وينصب عملها على دوام استمرارها، وبكل الوسائل، وتنتهج القاعدة الميكيافيلية “الغاية تبرر الواسطة” وتنتهج كل ما في وسعها من قوة وحيلة ومكر ودهاء من أجل إحكام قبضتها وبسط نفوذها وعتو جبروتها، وترسخ ثلاثية “الفساد – الإرهاب – رهن الإرادة الوطنية”، ليسهل لها اغتصاب حق الدولة، الذي هو، بذات الوقت، اغتصاب لحق الشعب، وتغدو سلطة بدون دولة، وبدون شعب يراقبها، ويصحح مسارها ويدعمها. وبذلك تكون مؤسسة خارجة عن نسيج الدولة والمجتمع، ويكون قانونها التضييق على الحريات، ومطبوعا بعقلية الزجر والترهيب، وموضوعا ممن ليس لهم حق في وضعه.

إن السلطة الاستبدادية يقلقها أمنها أكثر من أي أمر آخر، ويطغى هذا القلق على كل تصرفاتها وسلوكياتها وتخاف كل الخوف من الشعب في تجمهره وتجمعه، وان هذا الخوف والحذر يقودها آلي العجز عن بناء علاقة متكافئة مع المجتمع من ناحية ومع الخارج من ناحية أخرى، ولذلك تعمد إلى توقيف التاريخ لتجعل من ذاتها بداية مطلقة له بدل أن تدرك أنها كسلطة ما هي إلا مفهوم جزئي يقتصر على أشخاص السلطة، وعلى مؤسساتها وتنظيماتها فقط، وأن استمرارها لا يكون بالاعتماد على التعسف والقهر لانتزاع الاعتراف بها، ولا يكون بإدخال الواقع المتطور، دوما، في قوالب صلبة لقسره كي لا يتزحزح عنها، لأن في ذلك قسر للحركة على غير طبيعتها، وقتل لكل تطور إلى الأرقى، ولكل إبداع إلى الأفضل، وتكون النتيجة، استبدادا وتسلطا في الداخل ، وهزائم مستمرة في الخارج – وحتى لو حصلت أحيانا بعض الانتصارات فإنها لن تمنع الهزائم بعد حين – ولن تستطيع تجنب التفتت والانهيار، إن آجلا أو عاجلا، ومهما كانت مقدرتها القمعية ، وذلك بسبب الضعف البنيوي الذي تعانيه ، وهو ضعف لا شفاء منه ، إلا بعودتها إلى دورها الطبيعي كسلطة ، وأعادت للدولة دورها الرئيس، وللمجتمع حقه في اختيارها .

إن السلطة الحقة ، هي التي تعتبر نفسها إدارة للسلطة في الدولة ولصالح المجتمع،وليست سلطة القهر والغلبة، فلا تصادر سلطة الدولة والشعب بل يتركز همها على بناء الدولة وتقوية المجتمع، حتى تكون الدولة حاضرة حضورا دستوريا ومؤسساتيا وثقافيا واجتماعيا بخصائصها وسماتها وتنظيماتها، ويشكل هذا الحضور، القواعد والأسس والمبادئ والقيم والمعايير السياسية التي تتفاعل من خلالها الدولة مع السلطة، والسلطة مع الشعب، وتحدد، أيضا، حدود وصلاحيات السلطة، وشرعية ممارساتها، ومجالات الحرية والعدالة وقيم المواطنة والإحساس بالمسؤولية والشعور بالواجب.

إن الدولة هي نتاج أو كيان تاريخي للوعي المعرفي الحضاري، تتشكل من خلال وجود شعب فوق أرض، وترتسم في الواقع من خلال إطار دستوري – عقد اجتماعي – يهدف إلى وضع سياسة الدولة موضع التنفيذ في علاقات المواطنين مع الدولة، وفي علاقات السلطة معها أيضا، وفي علاقات الدولة مع غيرها من الدول.

إن الدولة وان كانت مفهوما مجردا لا وجود مادي لها، ولكن وجودها منطقي وشرعي، تتعالى به على السلطة وتتميز عنها بمهمتها المتمثلة بالحفاظ على الشرعية الاجتماعية للنظام، لأنها تحمل صفة الديمومة والاستمرار، بعكس السلطة (الحكومة) المتغيرة والمتبدلة ، وفقا لإرادة أكثرية الشعب، ومن خصائص الدولة بحضورها هذا، أنها تجسد وتلخص وعي الشعب وتاريخه الثقافي والاجتماعي والسياسي، وتحفظ الحقوق الجامعة للمبادئ والقيم، وترعى مفهوم المواطنة السليم، وتعطي الشرعية للسلطة المتغيرة والعابرة، بحكم كيانها التاريخي بمؤسساتها وتنظيماتها، وبهذا تصبح السلطة محترمة لأنها لا تقبل أن تتصرف دون مراقبة ، أ و تحكم دون حواجز، أو تترك الحبل لها على الغارب ، وتمتنع عن التلاعب بمؤسسات الدولة وفق أهوائها ومصالحها، أي أنها في ممارستها تبتعد عن كل ما يمكن أن يبذر بذور الاستبداد، وحينها يعيش المواطن في دولة لا يخشى استبداد السلطة وطغيانها عليه في حريته وكرامته وماله ، وحينها ، أيضا، يكون ولاء المواطن للدولة ، ويكون حريصا على طاعة قوانينها.

في هذا الإطار، تكون السلطة ، وطنية وفاعلة ، لأن برامجها مؤسسة على الالتزام بأهداف الشعب وتطلعاته ، وعلى الالتزام ببناء الدولة القطرية . بناء سليما ، وبما يخدم هدف تحقيق الدولة القومية ، لاحقا .

وكما التهمت السلطة الاستبدادية والشمولية في الأنظمة العربية، الدولة في جوفها، فإنها افترست المجتمع بين أنيابها ، حتى أصبح لا حراك له إلا بالقدر الذي تسمح به – وهو نذر وزهيد – وهكذا غيب الشعب ، أيضا ، وبفعل عمد من السلطة ،عن ممارسة دوره الحيوي والفعال في ترسيخ الدولة ، وتقويم السلطة ، وفي العمل بالشأن العام ، غيبت السلطة المجتمع، ومارست عليه كل آليات التدمير النفسي ليقر بعجزه ، وبضرورة استسلامه لما يراد منه ، فصودرت سيادته ، وزيفت إرادته ،وأصبح ذكاؤه موضع سخرية . واستشرت أجهزة القمع في لسع أجساد المواطنين بسياطها دون مجير، وفي ملاحقتهم بقوتهم ، وحرياتهم ، وفي زجهم بالمعتقلات لعقود من الزمن ، بأوامر عرفية أو بأحكام صورية ، لكي يكونوا عبرة وعظة ، وبرعت ، كذلك ، في بث الرعب ، وكانت أكثر مهارة في تنظيم المواسم التهريجية تحت اسم استفتاءات وانتخابات ، وعملت على تعميق العجز في الوعي الجماعي ، حتى أصبح قدر المجتمع – الشعب – رؤية المنكر وعدم استطاعته نقده أو تغييره ، كما أصبح قدره ، أيضا، معايشة التزييف ، وعدم استطاعته إبداء الرأي بمحاكمة أصحابه ، حتى وصل الحال بالعباد آلي عجزهم بالدفاع عن وطنهم ، وعن شرفهم ، وعليهم الصمت ، ومن المضحكات أنهم سموا ذلك استقرارا، وإذا تم استبدال كلمة السلام بكلمة استقرار، صح حينها قول أحد الكتاب الذي رافق يوليوس قيصر في غزو لندن

ILS SONT FAIT LE SILENCE

ILS ONT APPELE, CECI LA PAIX

(هم فرضوا الصمت، ويسمون ذلك سلاما)

إن من أولى واجبات السلطة الوطنية ، حتى تكون فاعلة ، أن تعيد للمجتمع حياته ، كي يقلع في الزمن، ويعود إلى حالة الفعل، وتكون بداية ذلك بعودة الشعب إلى الحياة السياسية، وزجه في مواجهة مشاكله المصيرية، وهذا هو المدخل لحل كل ما تراكم من مشكلات و بأقل الخسائر والتضحيات، تلك المشكلات التي ما زالت حاجزا أمام مقدرة الشعب على المساهمة الإيجابية والمشاركة البناءة في تقرير مصير وطنه واختيار استراتيجياته ، وأستعيد هنا قول (بركليس) من القرن الخامس ق. م ، عسى أن تتعظ بها السلطات العربية الحاكمة : ” نحن الأثينيين، الشعب الوحيد في العالم ، الذي يعتبر أن من لا يهتم بالشأن السياسي ، ليس مواطنا صالحا ، وإنما مواطنا عديم الجدوى” ، ولذلك ، فان المواطنة فعل وممارسة ، وليست صفة تسجل على البطاقات ، والوطنية ليست فكرة أسطورية ، وإنما هي تواصل حضاري وأخلاقي وإنساني .

إن المساهمة الشعبية الحرة والمبدعة للقوى الحية في المجتمع، هي القاعدة الأساسية لأي انتصار وطني، والواجب يقتضي البحث عن أفضل الصيغ السياسية والدستورية وأكثرها تلبية لحاجات الواقع ، وتأتي في المقدمة ، الصيغ التي يمارس من خلالها المواطن الحرية التي يجب أن تعلو على أي اعتبار آخر، حرية التعبير عن الرأي ، وحق الاعتقاد، والمشاركة في صنع القرار السياسي، وبذلك ، يتحول الوطن من وطن بالقوة إلى وطن بالفعل ، يتمتع فيه كل مواطن بكامل حقوق المواطنة ، وتتحاور فيه السلطات مع الشعب وقواه الفاعلة ، وتقيل النقد البناء لما جرى ويجري ، وهذا يوفر المعيار التاريخي لبناء الدولة والمجتمع، ويضعهما في مستوى التنافس الخلاق.

إن ترسيخ الدولة القوية بمؤسساتها، والمجتمع الفاعل بتنظيماته، يتطلب من الأنظمة الرسمية العربية، الشجاعة، والرؤية الواضحة، والإرادة المصممة، والأساليب المتوافقة مع تلك الرؤية، كما يتطلب الاستفادة من تجارب الآخرين، والتفكير الجدي في مستقبل الأجيال العربية القادمة، ويتطلب القراءة الواقعية الجيدة، والإيمان بضرورة تحديث بنى الدولة والمجتمع ، قبل أن يفلت المستقبل من أيدينا و- نخرج من التاريخ – .

إن التحديث ، كما هو معروف ، يتمثل في رؤية الحياة كبدائل، وخيارات، وأفضليات، وأهداف، انه عملية تاريخية، هدفها الرقي بحياة الشعب ، ولا يمكن أن تنجح إلا بالسعي الجاد ومن خلال الاهتمام بالجوهر، لا من خلال تغيير المظاهر، هذا الجوهر الذي يجعل المواطن العربي عنصرا تطويريا مؤثرا على المجتمع ، بكل جوانبه ، بما فيها نظام القيم السائد فيه، فيتحقق التغيير المتكامل الذي يهئ المجتمع لاستيعاب قيم التحديث والتفاعل معها والعمل على تطويرها باستمرار – إن هذا التحديث يجب أن لا يفهم على أنه تقليد للآخرين – إنما هو عملية إبداع داخلي ، لا يمكن أن تنجح إلا إذا توافرت لها البنى والمؤسسات التي تتلاءم مع غاياتها، ولن يتم ذلك إلا بالتعاون الدائم بين السلطة والشعب ، وبين السلطة والدولة ، وبين المواطنين بعضهم مع بعض .

إن المجتمع الذي نريد له العودة إلى الحياة ، ويبقى قادرا على الاستمرار، هو المجتمع المدني، الذي بوجوده يتم تثبيت وتدعيم الدولة ، وتتأكد مشروعية السلطة ، وهو الذي يكون وعيا مؤهلا للمشاركة في الحياة السياسية .

إن المجتمع المدني هو مجتمع المؤسسات والتجمعات والتنظيمات الأهلية ، ذات البرامج المتنوعة في أهدافها ،من برامج عامة تشمل جميع القطاعات ومحور عملها السياسة (الأحزاب السياسية)، إلى برامج قطاعية ومختصة (النقابات والجمعيات المهنية.. الخ)، إلى برامج عامة وحصرية في نطاق عملها ونشاطها (النوادي الرياضية والثقافية.. الخ)، وان مؤسسات المجتمع المدني تتمتع بميزات وسمات مشتركة ، مثل الانتماء الطوعي وحرية الانتظام في تيارات، كما أن لها القدرة على العطاء والتأثير على الآخرين .

إن مجتمعا تتوافر مثل هذه المؤسسات، سيكون مجتمعا متجانسا ومعاصرا، وسيكون لهذه المؤسسات دورا مزدوجا وحيويا في العلاقة بين الدولة والسلطة والمجتمع ، فهي توفر الاستقرار من جهة ، وتؤمن التغيير والتجديد من جهة أخرى ، وان مجتمعا كهذا لا يمكن ضبطه بالقوة المادية وبالعسف والقهر من قبل السلطة التي انبثقت عنه ، لأن الضبط يبقى شكليا من ناحية، ويلغي مقولة التحديث والتقدم ، من ناحية ثانية ، انه مجتمع يضبط نفسه من خلال انخراط أفراده في تجمعاتهم التي تجسد قوة المجتمع ويعمق عندهم الشعور بالانتماء إليه ، وتتجمع فيه التيارات من مختلف الاتجاهات والآراء المتصارعة والمتحاورة في نفس الوقت والمنبثقة من الشعب، وتعمل لصالح وطنها وأمتها، وبذلك يبقى المجتمع موحدا ومستقرا ومعافى، لأنه المجتمع الفعال والمتحرك من خلال تنوعه وتعدده (وزهرة واحدة لا تصنع ربيعا)، كما أنه يبقى الترياق ضد سم السلطة الشمولية الاستبدادية ، والدواء الشافي من سرطانها، وهو الضمانة الأكبر لكبح فوضى إكراه السلطة ولجم نزعتها نحو الهيمنة الشاملة ، ويخلق إمكانية تجاوز الدولة لذاتها على نحو دائم، فيحررها من صنميتها.

أن المجتمع المدني الذي هو من إنجازات التاريخ الحديث والمعاصر، يحول الاختلاف والتناقض الحقيقيين إلى عنصر فاعل في إنتاج ما هو أرقى : في علاقة المجتمع بالدولة، وتغدو الدولة ثمرة فعل هذه التناقضات وخلق حقل للاختلاف يقوم على فكرة الحرية ، وهذا ينتج نمط الدولة المطابقة للعقل .

إن الحاجة إلى التحديث والتغيير، قد تعدت كل حدود المرغوب والمطلوب ، وغدت حاجة حيوية مساوية للحياة نفسها ، وللوجود العربي ذاته ، بعد أن صادرت السلطات الاستبدادية الشمولية الحريات العامة ، وفعلت بالشعب ما فعلته واعتبرت الحرية خطرا على مصالحها، كما أن التحديث أصبح القاعدة الأساسية لأي انتصار وطني وقومي ، هذا الانتصار المشروط تحققه بمدى المساهمة الشعبية الحرة والمبدعة للقوى الحية في كل مجالات الحياة ، وعلى السلطة، أية سلطة تريد التصالح مع التاريخ والمستقبل ، أن تكرس جهدها لهذا الأمر الذي لم يعد يقبل التأجيل بعد الهزائم والنكبات المريرة التي تلم بالأنظمة العربية الحاكمة .

إن السلطة الوطنية تؤمن بأهمية بناء دولة قوية راسخة المؤسسات تحقق العدالة والحرية والمواطنة الحقة لمواطنيها وللأجيال القادمة ، وتؤمن ببناء مؤسسات منطلقة من ثقافة الدولة والوعي الاجتماعي للعصر لا من خلال ثقافة السلطة ومفهوم السلطة الاستبدادية ، وتؤمن بضرورة تجذير مفهوم الدولة في الأذهان ، وفي الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي، لتكون اللبنة الأولى نحو تحقيق الدولة القومية ، ويسهل ذلك عندما تتطابق الدولة مع مستوى تطور المجتمع بكل أبعاده وفي حاضره فتقوم بدور الدافع لحركة الحاضر نحو الأعلى ، وهذه الدولة المتطابقة مع درجة الفاعلية الواعية لفئات المجتمع تستمد شرعيتها منها ، من القوى العقلانية التي تنتجها ، والعكس ، فإن الدولة التي تؤسس أنفا عن المجتمع ، هي دولة غير متصالحة مع التاريخ ولا تتجدد نفسها بما يتوافق مع نزوعات البشر وتؤمن السلطة الوطنية ، أيضا، بأهمية بناء مجتمع مدني ، يمارس كل مواطن فيه العمل السياسي ، أي عمل كل ما يهم المصير الجماعي ويتماشى مع مبادئ هي فوق الاعتبارات الرخيصة ، وتكون السياسة هي المحور الرئيس في البنية الاجتماعية ، وتشمل كل مكونات الدولة والمجتمع ، لكي تتعاظم العزيمة والقوة في الدولة والسلطة.

وأخيرا إن الدولة بمؤسساتها الراسخة ، والمجتمع المدني بتنظيماته المتنوعة ، والسلطة الملتزمة بالدولة والمجتمع وتستمد منهما قوتها وشرعيتها ، تكون سلطة وطنية وقومية فاعلة وقادرة على اتخاذ القرارات المصيرية المعبرة عن إرادة المجتمع ، والداعمة لكل نضال قومي هدفه استعادة الحق العربي في فلسطين المغتصبة من الصهاينة الغزاة ، وإنهاء الاحتلال الأمريكي في العراق ، والمحافظة على المصالح العليا للأمة ، والسعي نحو تحقيق الدولة القومية.

إن النظام العربي الراهن أصبح واحدا من القوى ذات النبذ الشديد لحركة الحاضر، ومصادرة المستقبل ، ومخرجه من ذلك ،هو، وجود الدولة والمجتمع المدني، فهما الضمانة الأكيدة لمنع عودة سلطات استبدادية وشمولية لا هم لها إلا مصالح أفرادها ، وقد قال الكواكبي بأمثالهم ( إن رجال عهد الاستبداد لا أخلاق لهم ولا حمية ولا يرجى منهم خير مطلقا ، وأن كل ما يتظاهرون به أحيانا من التذمر والتألم يقصدون به تغرير الأمة وخداعها . 

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s