الفكر القومي العربي والدولة

الفكر القومي العربي والدولة
د. عبد الاله بلقزيز
ليس من المبالغة أن يقال إن الفكر القومي العربي قدم – بين ثلاثينيات القرن العشرين وسبعينياته – أعمق مساهمة في الفكر السياسي العربي وأبعدها أثرا في بناء النظرية السياسية الحديثة، والمثالان الكبيران لذلك ساطع الحصري وقسطنطين زريق، فإلى غزارة ما أنتجاه في باب الاجتماع السياسي (الأمة، الوحدة القومية، الدولة والمجتمع، الثقافة القومية، التربية، الوعي التاريخي، التاريخ السياسي للجماعة القومية…) استقامت كتابتهما على مقتضى التماسك والشمول على نحو عزّت له النظائر في التأليف الفكري السياسي العربي المعاصر. وفي وسعنا القول إن الأغلب الأعم مما جرى التعبير عنه من موضوعات وأفكار، في التأليف السياسي القومي اللاحق، إنما يجد مقدماته الفكرية التأصيلية في نصوص الحصري وزريق بحسبانها وحدها من شق الطريق نحو النظرية.
وليس ينتقص ذلك من قيمة نصوص فكرية قومية أخرى انشغلت بقضيتي الأمة والوحدة القومية، ونحت منحى فكريا ظاهرا غير ضمير، بل وسعت كتابة في تأسيس رؤية أو نظرية للاجتماع القومي: والأخص بالذكر منها نصوص نديم البيطار وعبدالعزيز الدوري. لكن هذه النصوص على أهميتها ما كانت لتبلغ نصاب المعمارية النظرية التي طرقت أعمال الحصري وزريق أبوابها، فضلا عن أنها لم تبرأ من منزع تبريري فيها نلحظه في إلحاح عبدالعزيز الدوري على التاريخ لبيان سياقات وسيطة لتكوين الأمة – في رد على المقالة الستالينية العربية حول نشوء الأمم – وفي إمعان نديم البيطار في ممارسة تمرين نظري للحالة العربية على “قوانين التوحيد القومي” “المستخلصة” قسرا من قراءة تماثلية لتجارب الوحدة القومية في أوروبا وأمريكا.على أن القيمة الفكرية لأعمال ساطع الحصري وقسطنطين زريق ليست بعيدة إلى الحد الذي يسمح بتسميتها نظرية في القومية: وهي التي كانت هدف الفكر القومي منذ حقبة ما بعد الحرب العالمية الأولى، فالنظرية القومية أو النظرية في المسألة القومية ليست – حصرا – نظرية في الأمة، بل أيضا – وأساسا – نظرية في الدولة.
والقارئ في أعمال هذين المفكرين الكبيرين إذ يعثر على الكثير الكثير مما يتعلق بمسألة الأمة، لا يجد مثيل ذلك أو دونه في مسألة الدولة. وهي ثغرة فكرية كبيرة لم ينهض بأمر سدها أحد من المثقفين القوميين من الجيلين الثاني والثالث المعاصرين.
أسهبت نصوصهما في تحليل عوامل نشوء الأمم، وفي بيان توافرها عربيا بما يكفي لتأسيس فكرة الأمة العربية في الثقافة وفي الوعي الجمعي العربيين، وأسهبت – استطرادا – في التنظير لآليات تنمية النسيج المجتمعي الموحد: الثقافية والتربوية والاقتصادية والسياسية، وساجلت الأفكار الإقليمية (القطرية) والنزعات الانكفائية إلى الهويات قبل العربية وحللت المخاطر الإقليمية والعالمية على كيان العروبة ومستقبل وحدته، ودافعت عن خيار الوحدة القومية العربية وتعبيره السياسي الكياني: الدولة القومية، وفي هذا الفيض الهائل من الموضوعات، لم يجر العروج على مسألة الدولة إلا لماما. وحتى حينما كانت تلامسها الكتابات القومية فإنما من باب الصلة الفرعية لموضوع الدولة بمسألة الأمة لا من حيث هي موضوع للتفكير مستقل.
الدولة القومية – في خطاب الحصري وزريق وسائر القوميين العرب استطرادا – هي دولة الوحدة في مقابل دولة التجزئة: الدولة الإقليمية أو القطرية. الحديث ينصرف أساسا إلى جغرافيتها: الجغرافيا التاريخية في مواجهة الجغرافيا الاستعمارية، حتى بصرف النظر عما إذا كانت الجغرافيا الأولى تسعف بتأسيس فكرة الدولة القومية الموحدة، وهو ما كان يعيه أكثر هؤلاء، وهو إن ذهب إلى أبعد من جغرافيتها ينصرف إلى شكل البناء الوحدوي: دولة مركزية، اتحادية (كونفدرالية، أو فيدرالية)… إلخ.
في المقابل تغيب أو تكاد أسئلة أخرى من قبيل: المضمون السياسي والاجتماعي للدولة القومية، القوى الاجتماعية الحاملة للمشروع القومي، علاقة الدولة والجماعات الغالبة فيها بالقِلات (الأقليات)…إلخ. وهي فراغات تنبه لها ياسين الحافظ وإلياس مرقص، وإلى حد ما عصمت سيف الدولة، فيما بعد دون أن يكون في مُكنِهِم تأسيس معرفة نظرية متماسكة أو منظومية بها، كما دون أن يكون في مكنهم الخروج من دائرة مقاربة “ميثاق” الثورة – لعام 1962 – لبعض هذه الأسئلة: إما سجالا مع موضوعاته أو تطويرا لها.
من المسلم به لدينا أن انصراف الفكر السياسي القومي – خاصة فكر الحصري وزريق – عن تناول مسألة الدولة (القومية) واجتماعياتها لا يرد إلى عجز معرفي لدى رجلين من أكثر مثقفي العرب موسوعية، إنما تفسيره في ضغط حاجة تاريخية ملحة إلى إثبات فكرة الأمة في وجه جاحديها من الخصوم: الخارجيين والداخليين، وإثبات شرعية مطلبها القومي الوحدوي، وتجهيز وعي العرب برؤية للمسألة القومية تكرس فكرة حق الأمة في بناء وحدتها الكيانية. لكن غياب موضوعة الدولة في كتاباتهم ستكون له عقابيل فيما بعد، خاصة على صعيد الترجمة السياسية للفكر القومي: الحركة القومية العربية، بل حتى على صعيد الفكر القومي نفسه، ومتأخرته من مثقفين دون الرواد معرفة واقتدارا وسعة رؤية.
من تلك العقابيل أن مثقفين قوميين كثراً – وحركات سياسية قومية عدة – ما وجدوا حرجا في أن يمحضوا “السلطة القومية” العسكرية ولاء، وفي أن يروا في قيامها أنوية للدولة القومية الواحدة. وزادتهم تجربة “الجمهورية العربية المتحدة” اقتناعا بأن موعد هذه الدولة أزف بعد طول انتظار.
وكانت كل معركتهم الفكرية أن تستمر هذه النواة وتشتد عودا فلا تنتكس أو تأفل. لم يسائلوا هذه السلطة وهذه الدولة من الداخل، لم يفحصوا أعطابها ومواطن الخلل فيها، ولا الآليات المضادة التي تدفع نحو تآكلها. لم يضعوا الدولة في الميزان لأنهم لا يملكون رؤية حول الدولة سوى أن الدولة معطى جاهز وواقعة لا ريب فيها! قضيتهم الوحدة، وهذه ينبغي أن تقوم بأي شكل وبدون شروط: بالانقلاب العسكري، بالتوحيد القسري، باللاتكافؤ بين أطرافها، بأي شيء! ولقد أتت انتكاسة الفكرة الوحدوية بانفراط عقد الوحدة المصرية – السورية تنبه إلى النتائج الخطيرة لغياب رؤية لمسألة الدولة في الفكر القومي، ومع ذلك لم تكف عقود أربعة من الإخفاق لاستيلاد مثل تلك الرؤية!.

د. عبد الاله بلقزيز

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s