أين العلوم الاجتماعية والإنسانية العربية ؟ … د . علي محمد فخرو

أين العلوم الاجتماعية والإنسانية العربية ؟
د . علي محمد فخرو
يكثر الحديث عن تجديد الفكر القومي العربي . ولمًا كان الفكر القومي في محصَّلته النهائية لا ينفصل عن المشروع النُّهضوي العربي ، فإننا في الواقع نتحدث عن تجديد وتحديث مكوٍّنات المشروع النهضوي . وبالطبع لا يقٌصد بالتجديد حذف أحد مكونات المشروع السِّّّّّّّّتة ، أي الوحدة العربية والاستقلال القومي والوطني والديمقراطية والتنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية والتجديد الحضاري ، وإنما يٌقصد إعادة الرَبط المحكم بين تلك المكونات السٍّتة وبين متغيٍّرات الواقع في الأرض العربية وفيما حولها. فما دام الواقع هو في سيرورة تحوًّل وتغيًّر دائم فان مسيرة تحقق أهداف النهوض العربي يجب أن تتجدًّد بإبداع لتتلاءم وتتناغم مع تلك المتغيًّرات في الواقع العربي .
من هنا الأهمية الكبرى لما نوٌّد طرحه باختصار شديد فالواقع العربي يفرض نفسه سلباً وإيجاباً على مكونات المشروع النهضوي، أي مكونات الفكر القومي العربي ويحتاج دورياً أن يدرس ويفحص ويحلًّل باستمرار وموضوعية علمية صارمة حتى يستطيع الفكر القومي التفاعل والانسجام مع الواقع والاستجابة لمتطلبات التغييرات في ذلك الواقع الجديد وهذا لا يمكن أي يتحقُق إلاً بوجود مدرسة عربية لعلوم اجتماعيُة وإنسانية لماذا ؟
لأن وجود تلك المدرسة يتطلب وجود علم اجتماع عربي مرافق لعلوم إنسانيات عربية وداعم لها ومتناغم معها . ولا يمكن الحديث عن بناء تلك العلوم إلاٌ بوجود حركة بحوث عربية نشطة ذاتية مبدعة في حقلي الاجتماع والإنسانيات، تسبقها حركة نقدية صارمة للحقلين .
لنتذكر أن الفكر القومي العربي في بدايات تكوٌنه ، نظرياً وسياسياً واقتصادياً على الأخص، قد تأثُّر كثيراً بالأفكار والإيديولوجيات القومية الأوروبية . ولما كانت الأخيرة قد راجعت نفسها عدة مرات بسبب التغيرات الكبرى التي حدثت في مجتمعاتها الأوروبية وبسبب التحولات في منطلقات ومكوًّّّنات علومها الاجتماعية والإنسانية الغربية فان الاعتماد على مراجعاتها لإحداث ودعم مراجعاتنا العربية سيعيدنا إلى مواضيع التقليد والاغتراب التي أضرًّت بنا كثيراً. من هنا الأهمية الكبرى لأن تكون مراجعتنا للفكر القومي مراجعة ذاتية مهمازها بناء لعلوم اجتماعية وإنسانية عربية تعتمد على بحوث ذاتية عربية يقوم بها العلماء الاختصاصيون العرب في مؤسسات بحوث ودراسات وتعليم جامعي غربيــة .
إن طبيعة العلوم الاجتماعية والإنسانية مرتبطة أشد الارتباط بالمنطلقات الفلسفية للمجتمعات وبتاريخها وبجغرافيتها البشرية وبقيمها الدينية وبتطلعاتها المستقبلية وبتركيبتها النفسية فإذا كان الأمر كذلك والى متى ستظل جامعاتنا العربية ومراكز بحوثنا تدور في فلك العلوم الاجتماعية والإنسانية الغربية ؟ متى ستكون لغة تعليم تلك العلوم وتأليفها وساحات نشرها ومواضيعها التي تعالجها والبحوث التي ترتكز عليها هي في الأساس عربية حتى تستطيع بحق المساهمة في تجديد الفكر العربي بعامة والفكر القومي بخاصة ؟
دعنا نأخذ مثالاً واحداً لشرح ما نعني بذلك في السَبعينات من القرن الماضي قام مركز دراسات الوحدة العربية بدراسة استطلاعية إحصائية لمعرفة مدى تمسُك الشباب العربي بهدف الوحدة العربية ، وهو الهدف القلب في المشروع النهضوي القومي العربي . وتبيُن أن أكثر من سبعين في المائة من أولئك الشباب في عدد من المجتمعات العربية متمسكون بهدف الوحدة . اليوم ، وبعد مرور ثلث قرن هناك حاجة لمعرفة ما بقي في أذهان الشباب العربي من تلك المشاعر القومية وهدف الوحدة ، معرفة وفهماً والتزاماً ، وما هي التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي حدثت في المجتمع العربي إبان تلك الفترة والتي أدت أية تبديلات إيديولوجية وفكرية عن ذلك الشباب .
فمن سيجيب على تلك الأسئلة إن لم تكن العلوم الاجتماعية والإنسانية العربية ؟ بل أن لم يكن من خلال مشروع بحثي عربي مشترك تقوم به مجموعة من الجامعات ومراكز البحوث العربية عبر عقود من الزمن وذلك لرصد التغيرات المجتمعية العربية التي قد يستدعي تجديدات أساسية في فكرنا القومي، والمساهمة في نوع وطبيعة تلك التجديدات المطلوبة .
يا علماء الاجتماع والإنسانيات العرب متى ستتحركون في جامعاتكم ومراكز بحوثكم نحو بناء علوم اجتماعية وإنسانية عربية تسهم في تجديد الفكر العربي وتنشًّطه على الدوام ؟

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s