الثورات العربية .. ” قول في المعنى ” .. د . أحمد برقاوي

الثورات العربية.. «قول في المعنى»
د . احمد برقاوي

بين الانشغال بتفاصيل الأحداث الجارية في حقل الثورات ، وبين الوصول إلى المعنى فرق بين الموقت وبين الدائم . بين المكتوب الذي يفيد المؤرخ القادم الساعي لرصد الوقائع والمكتوب الذي يرفع الوقائع إلى حقل المعرفة النظرية التي لا تبلى كما يعتقد الفيلسوف.
والبحث عن المعنى في الثورات العربية الجارية والثورات الممكنة والتي ستجري في بلدان عربية قد لا يتوقعها العقل البليد أو العقل المدافع عن الواقع كما هو والرافض للحياة ، هو رفع هذه الثورات إلى مستوى فلسفة التاريخ من جهة والكشف في الوجود الإنساني كما يتحقق في الواقع المعيش عن حضور الوعي بالوجود كما يجب أن يكون .
حين جعلت الماركسية من مقولتي الكم والكيف مقولتين ديالكتيكيتين وحين رفعت الماركسية فكرة الانتقال من التراكمات الكمية إلى الكيف الجديد إلى درجة القانون إنما من أجل أن نفهم أحداث التاريخ الأصيلة التاريخ الذي يجري على نحو تراجيدي لا على نحو كوميدي .
وفي ضوء هذا الوعي للسيرورة التاريخية يمكن لنا أن نكشف عن المعنى الأعمق للثورات العربية الجارية والممكنة بوصفها ثورة «مجتمع الشرارات» .
كان ماوتسي تونغ قد قال يوماً «رب شرارة واحدة أشعلت النار في السهل كله».
لكن متى بمقدور شرارة أن تشعل النار في السهل كله ؟
مجتمع الشرارات هو السهل كله . ما هو مجتمع الشرارات لقد تراكمت ـ عبر عقود من الزمان ـ أشكال متعددة من الهشيم والعمار السلطوي ـ الجاهل بالتاريخ ـ كان ينظر إلى تراكم الهشيم على أنه نوع من الاستقرار والاستسلام المطلق من قبل البشر لواقعهم . لم يسمح العماء السلطوي للسلطة الحاكمة أن ترى الاستنقاع الحاصل ، لأنها ما كان لها أن تميز بسبب عمائها التاريخي ـ بين الاستنقاع والاستقرار . ففي الوقت الذي كان فيه الجيل الذي هزمته السلطة ينعي آماله خائباً متشائماً فاقداً أمل التغير، كانت أجيال جديد تنمو في قلب الهشيم الذي راكمته السلطة.
لقد تكون الهشيم من كرامة مجروحة ، وذل مؤلم ، وعبودية مشعور بها ، وبطن مسروق ورفض صــامت. وثلة من المتمجدين الذي تحدث عنهم الكواكبي في طبائع الاستبداد وعرفهم بأنهم « من يستعيرون قبساً من نار ليكوا بها البلاد والعباد» .
في الوقت الذي راح الهشيم يتراكم ليحول المجتمع إلى مجتمع الشرارة كانت السلطة تتمادى أكثر فأكثر في مدَّ المجتمع بأنماط جديدة من الهشيم . فالشباب الذي راح يسوح في العالم بكبسة على أزرار آلة على قد كف اليد عاطل عن العمل ، شاعر بالهوة التي تفصله عن سلطته القديمة بوعيها وأساليبها ولغتها ، محتقر لها ساخراً من مؤتمرات قممها إلى حد القرف الوجودي وهذا الشباب نما لديه الخيال ، خيال الخلاص .
ففي الوقت الذي كانت فيه السلــطة بلا أحـلام بل وبلا خطاب وعد واعتقدت أن المجتمع قد فقد أحــلامه هو الآخر بفعل همجيتها وشرهها وهبشها وصمت الشعب الطويل وسكينته . لم تكن السلطة تدري بأن الشعب يراكم رفضه ، لم تكن تدري أن صمته غليان في العمق مناقض لما هو على السطح ، لم تكن تدري أن الشباب وصلوا حد الانفجار فكانت الشرارات .
لم يكن الاعتقال والتعذيب والقتل والنيل من الكرامة أنماط سلوك تحسب السلطة لها أي حساب أو نتائج تذكر ظناً منها أنها مارست كل هذا دون أي رد فعل يذكر . ولأنها لا تعرف أي حال من أحوال منطق التاريخ ولم تسمــع بالمثل العربي الأشهر « وصل السيل الزبى » ولأنها لم تواجه إلا خصماً أصولياً مسلحاً ضيق الأفق لم يدخل في حسبانها مفهوم مجتمع الشرارات.
لقد انفجر المجتمع . مجتمع بلا نقابات حقيقية ، بلا أحزاب شعبية ، بلا مجتمع مدني، بل وبلا ذلك الشرط الذي جعله لينين ضرورياً للثورة ، ألا وهو النظرية الثورية .
لقد انطلقت الحناجر في مواجهة السيف وظن السيف أن لا قبل للحناجر في منازلته . وفي كل مرة كانت تسيل دماء الحناجر كانت تزداد الحناجر تصميماً لقد واجهت الحناجر وتواجه بكل صلابة وقوة وكبرياء سيوفاً مترددة جبانة لا حيلة لها .
وحين أيقن السيف أنه أضعف من الجسد وصوت الجسد وروح الجسد دعا للحوار شاهراً سيفه ناسياً أن منطق الأشياء يقول : لا حوار أبداً بين السيف والحنجرة.
الحوار معركة سلمية أداتها اللغة ومكانها الطاولة والشاشة والمذياع والصحيفة والمؤتمر ومنصة الخطابة.
السيف المسلول لحوار الحناجر يتكئ على خطاب أيديولوجي كاذب ينال من الحناجر نفسها ، وشيئاً فشيئاً يعترف صاغراً بجزء من الحقيقة. يعتقد السيف أنه قادر على إرضاء الحنجرة واسترضائها ببعض الإجراءات المرتبطة بالخبز لكن الدم ليس فماً ليأكل والحزن ليس بطناً ليملأ والكرامة تأنف الرضا عبر الرشوة .
حين يعمل السيف شفرته في الرقاب ويستمر في إعلانها تحسم الحناجر أمرها وتعلن ” الشعب يريد إسقاط النظام “.
في التأمل بهذا الشعار ـ المطلب ـ الغاية ـ الحسم ـ ” الشعب يريد ” نكشف جملة من المعاني العميقة .
كل حنجرة راحت تعلن أنها الشعب الحناجر وحدها الشعب والحناجر ومن معها وحدها الشعب وكل من هو ضد « الشعب يريد » ليس من الشعب . إذاً الشعب هو الذي يريد من يقف ضد الشعب يقف ضد إرادة الشعب . السيف ليس من الشعب . إذاً لا حوار بين الحناجر التي «تريد» وبين السيف.
عبقرية الشعب تتبدى هنا في استخدام فعل « يريد» لا فرق إن جاء استخدام فعل يريد بشكل عفوي أم أن عقلاً تونسياً قاصداً قد قده بعد تأمل .
عبقرية الشعب التونسي نقلتـه إلى الإرادة الحرة عبر الشعب يريد الحناجر ـ إرادة ـ إرادة إذاً حرة الحنجرة الآن حرة.
الشعب يريد: لا تترك مجالاً للشك في إصرار الإرادة الشعبية ، النظام صار موضوعاً للرفض بوصفه بنية كاملة .
حين يتأكد السيف من أنه أمام خيار الحوار، ويعود إلى غمده والدم يقطر منه مخلفاً عذابات وجراحاً تكون حناجر الشباب والأطفال والكهول وأيديها التي حملت النعوش قد حسمت أمرها في «الشعب يريد».

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s