23 تموز 1952 .. انقلاب ام ثورة ؟ .. ياسين الحافظ

23 تموز 1952 .. انقلاب أم ثورة ؟ !
ياسين الحافظ
صفحات من كتاب ” حول بعض قضايا الثورة العربية ”
ينشأ الموقف الثوري بتوفر شرطين : الأول أن يكون الشعب ناقماً على الحكم ، والثاني أن يكون الحكم عاجزاً عن الاستمرار. وقد توفرت مثل هذه الحالة في القطر المصري عام 1952.
… ولكن هل كانت أحداث تموز/ يوليو 1952 مجرد تفكير كاذب للنقمة الشعبية؟ هل كان ذلك الحدث مجرد انقلاب عسكري على غرار انقلابات أمريكا اللاتينية أو انقلابات القطر السوري؟.
الانقلاب العسكري هو التحرك الخادع على سطح المجتمع… هو النبش الخفيف على قشرة الحياة الاقتصادية والسياسية، مع بقاء أسس المجتمع القديم . أما الثورة فهي التحرك الجذري في جوف المجتمع… هي الحرث العميق في أسس الحياة الاقتصادية والاجتماعية.. هي نقل المجتمع من مرحلة إلى مرحلة… هي دفن طبقة من المجتمع تجاوزها التطور وتخطاها التاريخ.
من جديد، لنتساءل: هل كانت أحداث 23 تموز/ يوليو مجرد انقلاب أم ثورة؟! ولكي تكون الإجابة محددة ودقيقة، لا بد من استعادة الأحداث المهمة والكبرى التي صنعتها حركة 23 تموز/ يوليو في القطر المصري .
عام 1952
– ليل 22- 23 تموز/ يوليو 1952 تحرك الجيش بقيادة تشكيل الضباط الأحرار، وحاصر القصر الملكي وتمت إقالة الحكومة.
– خلع الملك فاروق، باعتباره الركيزة الأولى للاستعمار والرجعية.
– صدور قانون الإصلاح الزراعي (الحد الأعلى للملكية مئتا فدان).
– مصر تطلب أسلحة من أمريكا. أمريكا تشترط على مصر توقيع أتفاقية للأمن المتبادل. مصر ترفض الاتفاقية، وتمتنع أمريكا عن تسليح الجيش المصري.
– إنشاء المجلس الدائم لتنمية الإنتاج القومي.
– إصدار قانون يسهل دخول رؤوس الأموال الأجنبية بغرض التنمية. مصر ترفض الشروط الأمريكية لاستثمار رؤوس الأموال الأمريكية فيها.
– إقرار مشروع السنوات الخمس الأولى .
عام 1953
– وضع حجر الأساس لبناء مصنعين للذخيرة.
– إلغاء النظام الملكي.
– مصادرة أموال وممتلكات العائلة المالكة.
– اشتداد الكفاح ضد الاستعمار الإنكليزي، وإصدار الأوامر بحظر التعامل وتداول المواد الغذائية مع قوات الاحتلال.
عام 1954
– عبد الناصر يعلن: الاستعمار لن يخرج بالكلام بل بالقوة.
– المفاوضات تنتهي إلى إبرام اتفاقية جلاء قوى الاحتلال الإنكليزي عن مصر.
عام 1955
– عبد الناصر يرفض سياسة ربط مصر والدول العربية الأخرى بدول أجنبية، ويهاجم أحلاف الدفاع عن الشرق الأوسط الأمريكية.
– عبد الناصر يهاجم حلف بغداد، ويقود معركة حصره وتصفيته.
– انعقاد مؤتمر باندونغ. تلعب مصر دوراً نشيطاً فيه. عبد الناصر يعلن في باندونغ تصميم مصر على اتباع سياسة الحياد وعدم الانحياز.
– صدور قانون بإلغاء القضاء الشرعي والملل.
– إعلان صفقة الأسلحة مع تشيكوسلوفاكيا. مصر تمارس عملياً سياسة الحياد والكفاح ضد الاستعمار.
– عقد ميثاق عسكري بين سوريا ومصر.
عام 1956
– أول دستور للثورة يكرّس عروبة مصر.
– اعتراف مصر بالصين الشعبية.
– جلاء آخر جندي بريطاني عن مصر.
– دالاس يعلن سحب عروض الغرب بتمويل السد العالي، بسبب موقف مصر في مؤتمر باندونغ، وبسبب اعترافها بالصين الشعبية.
– تأميم قناة السويس. الذعر يجتاح الأوساط الاستعمارية.
– العدوان الثلاثي ضد مصر. إنذار بولغانين. وقف العدوان. انسحاب قوى الاحتلال والعدوان.
عام 1957
– عبد الناصر يعلن إلغاء اتفاقية الجلاء مع بريطانيا.
– عبد الناصر يعلن مصادرة رؤوس الأموال الإنكليزية والفرنسية في مصر.
– آيزنهاور يعلن مبدأه… “الفراغ ” في الشرق الأوسط بغية احتلال المواقع التي كان يحتلها الاستعمار الإنكليزي والفرنسي .
– عبد الناصر يهاجم مبدأ آيزنهاور، ويعلن أن الشعوب العربية هي التي تملأ الفراغ.
– الولايات المتحدة تجمد الأموال المصرية تضامناً مع بريطانيا وفرنسا.
– الولايات المتحدة تمتنع عن تموين مصر بالقمح، في حين أن احتياطي القمح في مصر لا يكفي لمدة أسبوعين . الاتحاد السوفياتي ينقذ مصر من مجاعة محتملة.
– فشل المحاولة الأمريكية لإسقاط عبد الناصر عن طريق أزمة القمح.
– إنشاء المؤسسة الاقتصادية بغرض التنمية، وإنشاء مجلس أعلى للتخطيط.
– نزول قوات عسكرية مصرية في سوريا للدفاع عنها ضد العدوان الاستعماري الذي كان يعده حلف بغداد.
عام 1958
– إعلان الجمهورية العربية المتحدة .
– دستور الجمهورية يكرّس الخطوة الأولى نحو علمانية الدولة.
– إحباط مؤامرة الملك سعود (ومن ورائه الاستعمار الأمريكي) لمنع الوحدة بين مصر وسوريا.
– اندلاع الثورة في لبنان. أمريكا تهدد. عبد الناصر يعلن: لن نسكت على التهديد الأمريكي.
– انفجار ثورة 14 تموز/ يوليو في العراق، واعلان الجمهورية، ووضوح الاتجاه الوحدوي في الثورة. نزول القوات الأمريكية في لبنان، ونزول القوات الإنكليزية في الأردن. الهدف من نزول هذه القوات العسكرية منع وحدة العراق مع الجمهورية العربية المتحدة. عبد الناصر يعلن: الاعتداء على الجمهورية العراقية هو اعتداء على الجمهورية العربية المتحدة، ويسافر إلى موسكو.
– تطبيق الإصلاح الزراعي في القطر السوري.
– البدء بوضع مشروع للسنوات الخمس في سوريا.
– إنشاء وزارتين للصناعة والتخطيط في سوريا.
عام 1959
– تعريب المصارف الأجنبية في سوريا.
– وضع حجر الأساس لمشروع السد العالي في مصر.
عام 1961
– تأميم جميع وسائل التمويل في سوريا ومصر والقسم الأعظم من وسائل الإنتاج !.
– إنشاء المؤسسة الاقتصادية في سوريا.
– إصلاح زراعي أكثر تقدمية في مصر (الحد الأعلى للملكية مئة فدان).
***
هذا سجل موجز للأحداث التي صنعتها حركة 23 تموز/ يوليو، وللتطورات التي ولدتها. هذا السجل يقطع بأنها ثورة، بكل ما في كلمة ثورة من أبعاد ومعاني .
لقد ولدت بعد مخاض ثوري، وكانت انفجاراً حتمياً لوضع متفجر. لذا لم تكن تحركاً خادعاً على قشرة الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في مصر، بل كانت تحركاً عميقاً واسعاً زعزع أسس الحياة المصرية القديمة، وهدم قسماً مهماً من بنيانها النخر المتداعي . لقد أبادت الثورة طبقة برمتها.. طبقة الإقطاع، وحطمت سلطتها السياسية، وبهذا انتزعت من الاستعمار دعامته الرئيسية. وصفت البرجوازية الكبيرة والوسطى، حين نقلت ملكية حوالى ثمانين بالمئة من وسائل الإنتاج، وجميع وسائل التمويل إلى الملكية العامة.
ولا ينقص من قيمة هذه الثورة، ولا يضعها موضع شبهة أو تساؤل كونها جاءت من فوق، دون أن تكون متطابقة مع النمط الكلاسيكي للثورات التاريخية. ليس للثورات قياسات محددة ونماذج معينة- كما يزعم المذهبيون الجامدون- الثورة “ظاهرة حية”، وإن هؤلاء الذين لا يتصورون الثورة إلا إذا اصطف- كما يقول لينين- جيش من العمال والفلاحين وقال نحن مع التقدم والديمقراطية والاشتراكية، بينما في مكان آخر يصطف جيش ثاني يقول نحن مع الاستعمار والإقطاع والرأسمال، إن من لا يتصورون الثورة إلا وفق هذا المخطط ، هم أصحاب خربشات بدائية يسمونها “نظريات علمية”.
الثورة انفجار في إطار طبقي معين في المجتمع . وهي انفجار شتى العناصر المظلومة والساخطة، الذي يؤدي- موضوعياً – إلى زلزلة ما هو قديم ومتخلف في الحياة، ونمو ما هو جديد فيها.
حقاً لم يكن لثورة 23 تموز/ يوليو خطة واضحة شاملة. حقاً إنها لم تتقيد بقواعد محددة… حقاً إن كلاً من فئاتها قد ساهم في صنع الثورة، وفق أوهامه وتخيلاته ومصالحه. حقاً لقد كان طابع النضال الذي مارسته غير متجانس ومتنوعاً وغير متلاحم الأجزاء، ومتنافراً ظاهرا، إلا أن حصيلة النضال- موضوعياً- كانت إيجابية وجوهرها كان ثورياً .
لقد كانت ثورة 23 تموز/ يوليو حاجة مباشرة ملحة، ولم تكن تجريداً نظرياً موصولاً بتلك الحاجة. هذه حقيقة عيانية. ومن هنا ينبع الجانب السلبي في الثورة، وهنا موطن ضعفها. ولكنها تبقى ثورة على كل حال .
إن أحداث 23 تموز/ يوليو، قد فتحت الطريق، على مصراعيه إلى الثورة. وقد استطاع الجناح الثوري الاشتراكي (الذي أصبح قيادة الثورة) أن يحول ذلك الحدث من مجرد انقلاب إلى ثورة، وانتصر دعاة الثورة الشاملة على دعاة الإصلاح، لأن “احتياجات الوطن لم تكن تقضي بترميم البناء القديم المتداعي، وإنما كانت احتياجات الوطن تتطلب بناء جديداً ثابت الأساس صلباً شامخاً “.
السمات الإيجابية للثورة
• السمة الأولى للثورة هي أنها ثورة وطنية
لقد كان طابعها المعادي للاستعمار واضحاً وبارزاً منذ يومها الأول. إن شعار القضاء على الاستعمار وأعوانه من الخونة كان أول المبادىء الستة التى التزمتها الثورة.
لقد أنزلت ثورة 23 تموز/ يوليو ضربات ساحقة بالقوى العميلة للاستعمار في مصر، عندما قضت على الملكية والإقطاع باعتبارهما الركيزة الأساسية للاستعمار في الداخل.
وخاضت ثورة 23 تموز/ يوليو معارك يومية دائمة ضد الاستعمار، واقتلعت مواقعه واحداً إثر الآخر، ولاحقت النفوذ الاستعماري، وحاربته في الوطن العربي كله وفي أفريقيا، وسددت له ضربات عنيفة زعزعت أركانه وهزّت أسسه.
لقد كان الاستعمار التقليدي هو العدو المباشر للشعب بسبب تمركزه في الخنادق الأمامية من الجبهة الاستعمارية. ولقد دخلت معه الثورة حرب إبادة وأقتلاع. وهي- في الوقت نفسه أيضاً- قد سددت للاستعمار الأمريكي. الذي حاول أن يرث الاستعمار القديم، ضربات دفاعية سدّت الطريق في وجهه، لقد حاربت ثورة 23 تموز/ يوليو مشاريع الدفاع عن الشرق الأوسط ومواثيق الأمن المتبادل، وحلف بغداد، ومبدأ آيزنهاور. وعلى أشلاء مبدأ آيزنهاور، قامت الجمهورية العربية المتحدة عام 1958.
لقد اقتلعت ثورة 23 تموز/ يوليو، من الجذور، السيطرة الاقتصادية الاستعمارية على مصر. وحررت التجارة الخارجية من النفوذ الاستعماري، ومارست ما يمكن تسميته بـ “الحياد الاقتصادي “، لكي تحقق الاستقلال الاقتصادي بصورة فعلية، فوزعت صادراتها ووارداتها بصورة متقاربة ومتوازنة (تبعاً لإمكانيات السوق في كل معسكر)، بين المعسكر الرأسمالي والاشتراكي ودول العالم الثالث.
وفي الوقت الذي كانت فيه دول الشرق الأوسط خاضعة- بدرجات متفاوتة- لنفوذ استعماري غير مباشر، للاستعمار الجديد، في مثل هذه الظروف، انتقلت مصر بسياستها الخارجية تجاه الاستعمار من مجرد رفض التبعية والأحلاف، إلى ممارسة سياسة خارجية جريئة ومستقلة في الميدان الدولي. ودافعت بحزم عن سياسة الحياد الإيجابي، ونفذت هذه السياسة بحزم في إيجابية كاملة.
لقد كان إصرار ثورة 23 تموز/ يوليو ودأبها على ممارسة هذه السياسة الحازمة، هو الذي فتح الباب للدول الأخرى في الشرق الأوسط وأفريقيا لممارسة سياسة مماثلة لسياسة مصر. لقد كانت مصر- في هذا الخصوص- نموذجاً وحافزأ وقوة دعم للشعوب الأخرى في أفريقيا وفي الشرق الأوسط .
وإذا كان هذا شأن ثورة 23 تموز/ يوليو مع الاستعمار التقليدي، فإنها كانت أكثر وعياً وأشد حزماً تجاه سائر أشكال النفوذ الاستعماري الجديد. إن المعركة المجيدة الكبرى… معركة السويس كانت- إلى حد ما- وليدة مقاومة الثورة لهذا النوع الجديد من الاستعمار. كانت معركة السويس وليدة “معارك باردة” ضد محاولات الاستعمار الأنكلو- أمريكي لجر مصر إلى مناطق النفوذ عبر المحالفات والقروض الملغومة. كانت وليدة معارك أجنبية أخذت برقاب بعضها إلى أن وصلت المعركة إلى ذروتها الساخنة الحاسمة في معركة قناة السويس.
لقد رفضت الثورة الأحلاف، ثم حطمت الطوق الاستعماري حول مصر، ومارست بصورة علمية وجريئة سياسة استقلالية محايدة، واشترت السلاح من الدول الاشتراكية. إن الاستعمار الأمريكي، الذي فشل في محاولاته السابقة مع الثورة، حاول أن يستغل إصرار مصر على بناء السد العالي، ليجعل من عملية تمويل السد فخاً جديداً للسيطرة على مصر وعندما يئس الاستعمار الأمريكي أعلن “جون فوستر دالس ” سحب عروض التمويل بصورة مهينة، غرضها إسقاط عبد الناصر بالذات. وكجواب على هذه المحاولات، وتداركاً للموارد اللازمة لتمويل السد العالي، أممت القناة.
لقد انعكست تجارب الثورة مع الاستعمار الجديد في الميثاق الوطني للثورة الذي أعلنه الرئيس عبد الناصر في 21/ 5/ 1962. لقد حلل الميثاق الظروف الدولية الجديدة التي طرأت على العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وانتهى إلى أن الاستعمار نظراً لانطلاق الحركة التحررية في العالم، وتزايد قوى المعسكر الاشتراكي، وتزايد تأثير القوى المعنوية في العالم (كالأمم المتحدة والدول غير المنحازة والرأي العام الدولي). إن الاستعمار في هذه الظروف- كما ورد في الميثاق:
“اضطر إلى الاتجاه نحو وسائل العمل غير المباشر، عن طريق غزو الشعوب والسيطرة عليها من الداخل، وعن طريق التكتلات الاقتصادية الاحتكارية وعن طريق الحرب الباردة…”.
• والسمة الثانية للثورة هي أنها ثورة معادية للإقطاع
وهي لهذا ثورة حققت مضمون المرحلة الديمقراطية البرجوازية. ولا نعني بهذا المضمون شكلاً سياسياً معيناً لتنظيم السلطة (ولا نعني خاصة الشكل البرجوازي الديمقراطي، لتنظيم السلطة)، وانما نعني بهذا المضمون مرحلة من مراحل تطور الإنسانية تجابه خلالها قوى التقدم الإقطاعي كنظام سياسي واقتصادي واجتماعي.
لقد أنجزت ثورة 23 تموز/ يوليو، بنجاح، المهمتين الرئيسيتين لكل ثورة ديمقراطية برجوازية: إقامة النظام الجمهوري وتحقيق الإصلاح الزراعي.
ونحن إذ نصف الإصلاح الزراعي بأنه تدبير ديمقراطي (وليس اشتراكياً) ، نكون قد فضحنا التضليل البرجوازي الصغير من جهة، وراعينا التاريخ والأمانة العلمية- كما يقول لينين- من جهة أخرى. يقول التاريخ: إن البرجوازية في كثير من البلدان هي التي قضت على الإقطاع. إن توزيع الأرض وتفتيتها ليس تحويلاً اشتراكياً للمجتمع، بل هو بالضبط تحويل ديمقراطي برجوازي. إن توزيع الأرض ليس من شأنه إلغاء الاقتصاد البضاعي، وبتعبير أوضح لا يؤدي إلى القضاء على الاقتصاد الرأسمالي: إن الإصلاح الزراعي تدبير ديمقراطي برجوازي. لأن القضاء على الملاكين العقاريين الكبار، يفتح الطريق لبناء نظام ديمقراطي برجوازي للمجتمع بعد تحرير الفلاحين من نير هؤلاء: إلا أن المجتمع الجديد، عندما يجمد عند هذه المرحلة، يبقى- من حيث أساسه وإطاره العام- مجتمعاً برجوازياً .
إن قوانين الإصلاح الزراعي التي صدرت في عام 1952 و1961 قد أتاحت الفرصة لإلغاء النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية لعهد الإقطاع (إن البقايا المعنوية والفكرية للإقطاع لا تزال موجودة)، وهي بالتالي قد نقلت المجتمع المصري من مرحلة الإقطاع- كمرحلة من مراحل التطور الإنساني قد فات أوانها- ووضعت أسس مجتمع جديد.
وإذا كانت ثورة 23 تموز/ يوليو، قد عجزت عن خلق الإطار السياسي البرجوازي، فإن ذلك يعود إلى أسباب جمّة، ولكن الأساس من هذه الأسباب هو انفجار الثورة على شكل انقلاب عسكري، ثم استمرارية الثورة ونموها، حيث ولجت بعد قرارات التأميم في تموز/ يوليو 1961 المرحلة الأولى من الاشتراكية. ومهما يكن فإن فقدان البنيات الفوقية للمرحلة البرجوازية، لا يمكن أن ينفي المضمون الموضوعي لتطورات ثورية ذات طابع برجوازي.
وإذا كنا قد أفردنا لهذه السمة فقرة خاصة، وتحدثنا عن مرحلة ثورية قطعتها الثورة، وأنجزت معظم مفاتيحها، فلم يكن هدفنا سوى التوضيح لا الترتيب الزمني ولا التفريق المرحلي للأهداف الثورية. فالثورة العربية المعاصرة ثورة دائمة (شأن جميع الثورات في البلدان المتخلفة) تتواكب فيها جميع المطامع الثورية (التحررية+ القومية ، الاشتراكية)، والامتزاج بين هذه الأهداف أصبح عضوياً ، سواء لأسباب تتعلق بطبيعة النضال العربي وقواه الطبقية، أو لأسباب تتعلق بالمناخ الدولي التقدمي… حيث تعيش الإنسانية عصر صعود القوى الاشتراكية وانتصارها.
إن دخول الثورة في مرحلة البناء الاشتراكي، قد قضى نهائياً على كل إمكانية لإقامة بنيات فوقية ذات طابع برجوازي، وخاصة بناء إطار برجوازي لتنظيم السلطة (كالديمقراطية البرلمانية). إن التعارض بين البنى التحتية الجديدة (التي أخذت تتحول إلى بنى اشتراكية)، وبين البنى الفوقيه البرجوازية، سيفرض تخطي هذه البنى نحو تركيز إطارات سياسية جديدة ذات طابع اشتراكي.
• والسمة الثالثة للثورة هي أنها ثورة ذات أفق اشتراكي
لقد تجاوزت ثورة 23 تموز/ يوليو مرحلة الثورة الديمقراطية البرجوازية، إلى مرحلة التحويل الاشتراكي للمجتمع. إن البذور الاشتراكية للثورة كانت واضحة للعيان بعد مرور سنتين من قيامها، حيث بدأت سياسة تصنيع واسعة (التصنيع باعتباره قاعدة الاشتراكية ، سواء من حيث إنماؤه الطبقة العاملة عددياً، أو باعتباره بناء للقاعدة المادية الاشتراكية)، وأحكمت الإشراف على مجمل قطاعات الاقتصاد القومي في سبيل التضييق على الاحتكار من جهة، وفي سبيل إنماء مبرمج للاقتصاد القومي من جهة أخرى. لقد وضعت مجمل هذه التدابير القطر المصري على عتبة المرحلة الاشتراكية، ثم جاءت قوانين تموز/ يوليو 1961 لتدفع القطر المصري إلى المرحلة الأولى من الاشتراكية، أي إلى مرحلة رأسمالية الدولة.
حقاً لم يكن لدى الثورة وضوح نظري حول التطور الاشتراكي، إلا أن الثورة إذ جابهت بروح جدية مسألة التنمية الاقتصادية للقضاء على التخلف، ولأنها طرحت شعار القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال ونادت بالعدالة الاجتماعية منذ يومها الأول، رأت نفسها مدفوعة إلى السير في الطريق الاشتراكي.
لقد أدركت الثورة بتجربتها المباشرة اليومية، أن الطريق الرأسمالية للقضاء على التخلف طريق مسدودة، وأن التنمية الاقتصادية في ظل الاقتصاد الحر الكلاسيكي مستحيلة أيضاً. وقد عبر “الميثاق ” عن هذه الحقيقة:
“إن الحل الاشتراكي لمشكلة التخلف الاقتصادي والاجتماعي في مصر، وصولاً ثورياً إلى التقدم، لم يكن افتراضاً قائماً على الانتقاء الاختياري، وإنما كان الحل الاشتراكي حتمية تاريخية، فرضها الواقع، وفرضتها الآمال العريضة للجماهير، كما فرضتها الطبيعة المتغيرة للعالم في النصف الثاني من القرن العشرين “.
حقاً إن القضاء على التخلف ليس- وحده- المنطلق السليم للاشتراكية ( لأن القضاء على الاستقلال هو المنطلق الأساسي والحقيقي للاشتراكية)، إلا أنه- من الناحية الموضوعية- قد دفع بالتطور إلى المرحلة الأولى للاشتراكية.
ولأن القضاء على التخلف كان المنطلق، لذا كانت وتيرة التحويل الاشتراكي بطيئة، ولذا فإن النضال ضد البنيات الفوقية للأنظمة السابقة ضعيف وغير جدي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الثورة كانت- عند حديثها عن الاشتراكية- تلوي لسانها، مما يجعل اشتراكيتها مشوشة وغامضة وديماغوجية أحياناً… كانت “عدالة اجتماعية!! “… كانت “تقريباً” للفوارق بين الطبقات!
لكن الثورة، بالتجربة والممارسة، تلمست المنطق الاشتراكي الصحيح، وأصبحت تتحدث عن “تذويب ” الفوارق بين الطبقات… وما برح أفقها النظري في اتساع ووضوح… إلى أن أعلن “الميثاق”:
“إن الاشتراكية العلمية هي الصيغة الملائمة لإيجاد المنهج الصحيح للتقدم وإن أي منهاج آخر لا يستطيع، بالقطع، أن يحقق التقدم المنشود… “.
إن بعضاً من الذين ينسبون أنفسهم إلى الاشتراكية، ينكرون على الثورة طابعها الاشتراكي، لأن “الاشتراكية لا تمنح “، لأن النفحة الشعبية في الإطارات التي تنفذ التحويل الاشتراكي مفقودة، لأن الجانب الإنساني في اشتراكية الثورة شاحب وهزيل، لأن مخاطر البيروقراطية في استفحال… كل هذا قد يكون صحيحاً، ولكن هؤلاء لا يميزون- في مرحلة ما من مراحل التطور- بين التناقضات الأساسية والتناقضات الثانوية. لقد حقت الثورة التناقض الأساسي في المجتمع، في المرحلة البرجوازية. (تناقض رأس المال مع العمل). أما التناقضات الثانوية “وأهمها التناقض بين العمال والجماهير الكادحة عموماً، وبين بقايا البرجوازية والبرجوازية الصغيرة وعلى رأسها البيروقراطية” فإن أسباب حلها ستبرز وتنمو خلال التطور الاشتراكي للمجتمع، وستصبح- بدورها- في مرحلة لاحقة التناقض الأساسي في المجتمع.
حقاً إن استبدال الرأسمالي بالبيروقراطي، لا يلغي الظروف التي تعيشها الطبقة العاملة إلغاءً تاماً. إلا أن ظاهرة البيروقراطية، قد اتخذت كستار لمهاجمة الاتجاه الاشتراكي نفسه.
إن القطر المصري الآن في المرحلة الأولى من الطريق إلى الاشتراكية… في مرحلة رأسمالية الدولة. وفي هذه المرحلة- التي تكاد تكون حتمية كما توحي التجارب الاشتراكية- تلعب الدولة (رغم الجوانب السلبية في دورها) دوراً إيجابياً في التطور. فهي أداة لتشييد العلاقات الإنتاجية القائمة على أساس الملكية العامة.
• والسمة الرابعة للثورة هي أنها ثورة عربية
إن اشتراك فاروق المسرحي بتمثيلية الرجعية العربية في حرب فلسطين عام 1948 ، قد ساهم في إزالة الركام الذي غطى عروبة مصر. وفي خنادق الحرب في بطاح فلسطين بدأ التخطيط لثورة 23 تموز/ يوليو. لقد كانت كارثة فلسطين البؤرة التي تكاثفت فيها جميع أمراض المجتمع العربي المفكك المتخلف. وأدرك مخططو ثورة 23 تموز/ يوليو أن معركة الشعب العربي ضد الصهيونية معركة واحدة. يقول عبد الناصر في فلسفة الثورة:
“لقد مضى عهد العزلة… “.
“وذهبت الأيام التي كانت فيها خطوط الأسلاك الشائكة، التي تخطط حدود الدول، تفصل وتعزل. ولم يعد مفر أمام كل بلد من أن يدير بصره حوله خارج حدود بلاده، ليعلم من أين تجيئه التيارات التي تؤثر فيه، وكيف يمكن أن يعيش مع غيره… “.
“أيمكن أن نتجاهل أن هناك دائرة عربية تحيط بنا، وأن هذه الدائرة منا ونحن منها، امتزج تاريخنا بتاريخها، وارتبطت مصالحنا بمصالحها حقيقة وفعلاً وليس مجرد كلام… “.
ثم يتحدث عبد الناصر عن الدوائر الثلاث (أي العالم الأفريقي- والعالم الإسلامي- والعالم العربي) التي تحيط بمصر، ويقول:
“وما من شك في أن الدائرة العربية هي أهم هذه الدوائر وأوثقها ارتباطاً بنا.. فلقد امتزجت معنا بالتاريخ، وعانينا معاً المحن نفسها، وعشنا نفس الأزمات، وحين وقعنا تحت سنابك الغزاة كانوا معنا تحت نفس السنابك… “.
“وامتزجت هذه الدائرة معنا أيضاً بالدين، فنقلت مركز الإشعاع الديني في حدود عواصمها من مكة إلى الكوفة… ثم إلى القاهرة… ثم جمعها الجوار في إطار ربطته كل هذه العوامل التاريخية والمادية والروحية. ولما بدأت أزمة فلسطين كنت مقتنعاً في أعماقي بأن القتال في فلسطين ليس قتالاً في أرض غريبة، وهو ليس انسياقاً وراء عاطفة، وإنما هو واجب يحتمه الدفاع عن النفس “.
صحيح أن عبد الناصر قد تحدث أيضاً- في فلسفة الثورة عن: ميدان نشاط مصر ومجالها الحيوي ودورها الإيجابي. ولكن من التعسف انتزاع هذا الحديث من زمانه ومن الوسط الذي انطلق منه. لقد قيل هذا حوالى عام 1953، في وقت لم تتبلور فيه الفكرة العربية، ولم يتوضح مضمونها. وبالإضافة إلى ذلك فإن هذا الحديث، وقد أطلق من مصر، لا بد أن يحمل أصداء الواقع المصري. كما ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار أيضاً أن هذا الحديث قد وجّه إلى وسط لا يزال يتحدث عن “القومية المصرية”. وكان بالتالي تحدياً صريحاً ومباشراً للشعور بالعزلة والتفرد اللذين كانت تعانيهما مصر.
حقاً إن في كلمات “مجال حيوي ” و”دور إيجابي ” و”ميدان نشاط ” نوعاً من التعصب المصري- إذا صح التعبير- ولكن إعادة هذه التعابير إلى سياقها في الحديث تجعلها ضرباً من الاعتزاز والحماس ومحاولة الإقناع التي أعوزتها الدقة في التعبير والوضوح. ولهذا فإن عبد الناصر عندما يشرح فكرته تلك، يقول:
“… وأبادر هنا فأقول! إن هذا الدور ليس دور زعامة.. إنما هو دور تفاعل وتجاوب مع كل هذه العوامل، يكون من شأنه تفجير الطاقة الهائلة الكامنة في كل اتجاه من الاتجاهات المحيطة بها، ويكون من شأنه تجربة لخلق قوى كبيرة في هذه المنطقة، ترفع من شأن نفسها وتقوم بدور إيجابي في بناء مستقبل البشر… “.
إن العروبة ليست سياسة فقط، وإنما هي- أيضاً- تراث حضاري وفكري. وكانت مصر على الدوام حاملة عبء هذا التراث. وإذا كانت العروبة في نظر الشعب العربي في مصر تختلط بالإسلام (وهذا هو شأن الجناح الأفريقي من الوطن العربي)، فذلك بسبب الظروف التاريخية التي عاشها الشعب العربي منذ فجر التاريخ الإسلامي، وبسبب العزلة والتجزئة التي فرضت على الشعب العربي. وما إن التحم نضال الشعب العربي في أفريقيا وآسيا ضد الاستعمار، حتى وجد الشعب العربي نفسه- من جديد- في وحدة مصيرية فعلية، وأخذ يدرك أن معركته واحدة، وأن مستقبله واحد.
حقاً إن الوعي لدى الشعب العربي في مصر، لا يزال غضاً غامضاً (ومشوشاً مع بعض التعصب المصري عند البرجوازية الصغيرة في المدن)، ولكن لهذا الواقع ظروفه الموضوعية، وجذوره التاريخية. لقد استيقظ شعبنا العربي في الجناح الآسيوي في معمعان النضال ضد محاولات التتريك، فكان رد الفعل المباشر والغريزي هو أن يلوذ بعروبته أمام مسلمين من جنس آخر هددوا هذه العروبة. أما في مصر فقد كان الشعب في حالة نضال مع استعمار أجنبي، استغله ولكنه لم يهدد سيماءه القومية. لذا احتمى الشعب في مصر بالإسلام.. بالباب العالي كملاذ له. هجومان مختلفان لقيا- تبعاً لذلك- جوابين مختلفين. وإذا أضفنا إلى هذه الحقيقة التاريخية عاملاً موضوعياً آخر هو شعب مصر الكبير، الذي يملك- إلى حد كبير- بيئة مادية موحدة، وكياناً اقتصادياً وجغرافياً وتاريخياً متماسكاً يوحي بالاكتفاء والانكفاء.. اكتمل لدينا التفسير العلمي لأسباب تلك الظاهرة.
لقد تبلور في القطر المصري جميع ما في الواقع العربي من تناقضات ومآس وتخلف. لقد كان الواقع المصري بؤرة مآس الوطن العربي، ففيه كل ما في الواقع العربي من سخط وتمزق وضياع، فكان الاختمار هناك، وكان الانفجار هناك أيضا. لذا كانت ثورة 23 تموز/ يوليو 1952 ثورة الشعب العربي التي انفجرت في وادي النيل. لقد استمدت تلك الثورة جذورها من تاريخ الشعب العربي، ومن واقع نضاله وآفاقه أيضاً .
إن مصر بملايينها الثمانية والعشرين هي قلب العروبة فعلاً. وقد لعبت على الدوام دوراً أساسياً في تأكيد ملامح القومية العربية، وتثبيت كيان العرب القومي… لعبت هذا الدور بنضالها السياسي الوطني، وبحملها عبء صيانة الحضارة العربية المشتركة. لقد كانت مصر، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، منبراً للفكر العربي كله، ومسرحاً لفنونه، وحضناً لنهضته.
إن ثورة 23 تموز/ يوليو 1952 بتصفيتها النزعات الإقليمية المعادية للقومية العربية في مصر، وبإدراكها الواضح للصلة العضوية بين مصر والأجزاء الأخرى من الوطن العربي، ومن اعتبارها هذه الحقيقة منطلقها في النضال ، كانت سبباً في خلق انعطاف أساسي في تاريخ العرب الحديث، إذ قلبت ميزان القوى في الوطن العربي كله لمصلحة التقدم والتحرر والوحدة ضد الرجعية والاستعمار والتجزئة.
كانت العروبة تدور في آسيا العربية. وجاءت ثورة 23 تموز/ يوليو لتفتح الباب للتيار العربي، ليندفع من المشرق إلى المغرب.. ومن الخليج إلى المحيط. أكثر من ثلث الأمة العربية كان منفرداً في عزلته بوادي النيل، وجاءت ثورة 23 تموز/ يوليو لتنتزعه من عزلته، وتضعه- بكل ثقله- في قلب المعركة العربية، وفي طليعة النضال… ثم لتدفع بالثلث الآخر من الوطن العربي (المغرب العربي) إلى أن يتجه إلى مشرق الوطن العربي.
لقد حرّكت ثورة 23 تموز/ يوليو 1952 “احتمالات الثورة في الأرض العربية كلها”. لقد أدرك الاستعمار والرجعية العربية هذه الحقيقة، وعلى أساسها يخططان ويحاربان.
السمات السلبية للثورة
• السمة السلبية الأولى للثورة هي أنها ثورة من فوق.. ثورة غير شعبية من حيث أداتها
لقد كافح الشعب العربي في مصر طويلأ، ونشأت أحزاب لعبت دورها في النضال، ثم أفلست وتحولت إلى عقبة في وجه التطور. ولم يكن- أيضاً- في مصر تنظيم يساري جماهيري، يستطيع أن يلعب دور القائد للشعب. وفي جو اختمار ثوري افتقده التنظيم الشعبي الثوري انفجرت ثورة 23 تموز/ يوليو.
لم تكن هذه الثورة “شعبية” بالمعنى الكلاسيكي. فلم يقدها حزب من الأحزاب أو جبهة وطنية شعبية، بل نهض بها ضباط صغار، ينتمون في أكثريتهم إلى البرجوازية الصغيرة، هؤلاء الضباط استطاعوا أن يعكسوا التطور التاريخي ويقيلوا سير التقدم من عثاره، ويدفعوا به إلى الأمام.
إلا أن قولنا بأنها ثورة من فوق، لا يعني أنها من قبيل “البوتش “، أي أنها ليست محاولة حلقة من المتآمرين أو المهووسين، قاموا بها نتيجة تجريد ذهني أو مغامرة حمقاء، بعيدة عن المطامح الشعبية، وعن الظروف الموضوعية في مصر.
إن ثورة 23 تموز/ يوليو وليدة نضج ثوري، افتقد التنظيم الشعبي الثوري . لقد كانت انفجاراً حتمياً اقتضاه سير التطور.
وإلى هذه السمة- أي لأنها “ثورة من فوق “- يمكن أن ننسب جميع المزالق والأخطاء التي وقعت بها، وبهذه السمة يمكن أن نفسر جميع الترددات والمساومات والمناورات والمهادنات التي اتبعتها. إن الجماهير الشعبية، هي التي تمنح التحرك التقدمي حزمه ومضاءه وزخمه، هي التي تمنحه ضمانة تطوره الكامل وانتصاره الأكيد.
عندما بدأ التحرك ليلة 23 تموز/ يوليو، كانت القضية الوطنية هي الحقيقة الوحيدة الماثلة أمام قادته. وحول قضية واضحة ومباشرة كهذه، يمكن أن تلتف جبهة عريضة تشمل جميع فئات الشعب (عدا الطبقات المرتبطة بالاستعمار)… ابتداء من العناصر القومية على الطراز الفاشي.. مارّة عبر العناصر الدينية إلى أن تصل إلى الشيوعيين. وتلك هي فعلاً طبيعة التركيب الاجتماعي والفكري لجماعة “الضباط الأحرار”، وعلى هذا فقد كانوا أشبه بجبهة معادية للاستعمار، ولم يكونوا قط ما يشبه العصبة أو الحزب الذي تنظمه أيديولوجية محددة. كان يجمعهم الرفض الحاسم لمصر شبه المستعمرة، وإلى حد ما شبه الإقطاعية، ولكن تشكيلهم كان يحوي ميولاً واتجاهات مختلفة، يمينيين ووسطيين ويساريين… إصلاحيين وثوريين. هذا التباين في تكوين العناصر القيادية للثورة ترك آثاره على خطوات الثورة وسير تطورها وأساليب نضالها وعملها. لذا فإن الملامح السلبية في نضال الثورة، جاءت وليدة تسوية التناقض الموجود داخل القيادة نفسها. صحيح أن الاتجاه الثوري الاشتراكي والعربي هو الذي يمسك بالزمام، إلا أن هذا الاتجاه نفسه، لا ينجو من تأثيرات الضغط الدائم الذي تمارسه العناصر اليمينية والوسطية. إن هذه العناصر لا تزال تلعب دوراً ملحوظاً في كبح الاندفاع الثوري، وخلق التناقضات، وإبعاد الثورة عن الاتجاه الشعبي.
ما هي النتائج العملية لكون الثورة “جاءت من فوق “؟
1- لقد فشلت الثورة حتى الآن في بناء ديمقراطية شعبية ثورية. لم تثق الثورة ممثلة بقياداتها، بقدرة الجماهير على حمل عبء الثورة، وتطويرها وحمايتها، لذا عجزت عن تلمس كلمة السر في بناء الديمقراطية الشعبية. إن افتقاد الثورة هذا الإيمان هو الذي منع وسيمنع خلق أي شكل جدي للديمقراطية. إن الإيمان بالجماهير روح الديمقراطية، وبدونه ستبقى الأطر السياسية أو الدستورية مجرد كيانات شكلية خادعة كاذبة .
لقد نجحت ثورة 23 تموز/ يوليو بفضح زيف الديمقراطية الرأسمالية المهزوزة والمبتورة والكاذبة، التي كانت مجرد ستار لإخفاء الاستغلال والامتيازات البرجوازية من جهة، وأداة لتنفيس السخط الشعبي من جهة أخرى .
إن التطور الذي حققته الثورة منذ عام 1952 قد سار أشواطاً تخطت الشكل البرجوازي للديمقراطية، لذا لم تكن المسألة المطروحة على الثورة هي العودة إلى ذلك الشكل من الديمقراطية، بل كانت إيجاد شكل جديد من التنظيم الديمقراطي لسلطة الجماهير الشعبية. كان مطلب الجماهير ديمقراطية أسلم وأمتن وأكثر جدية..
ديمقراطية تلجم الرجعية، وتكون إطاراً لممارسة المسؤولية الشعبية في الوقت نفسه. إن مطامح الجماهير كانت تتجه إلى شكل جديد للديمقراطية أوسع وأعمق، ولكن الثورة اكتفت بمجرد الرفض للشكل القديم، وأخذت تدور حول نفسها في حلقة مفرغة، وهي تمضغ فكرات نقدية للديمقراطية البرلمانية.. هذه الفكرات صحيحة من حيث المبدأ إلا أنها تحولت مع الزمن إلى دعاوة ديماغوجية لستر فشل الثورة في بناء ديمقراطية شعبية جديدة.
وقد كان لفشل الثورة في إقامة ديمقراطية شعبية نتيجة مهمة، ألا وهي بروز الطابع الفردي للحكم. وإذا كانت الصفات الاستثنائية للرئيس عبد الناصر، وما يتميز به من ثورية وإيمان عميق بالعروبة، وحب عميق للشعب، وامكان للتطور، وانفتاح على التيارات الإنسانية، وفهم للواقع واستيعاب لروح العصر، إذا كانت هذه الصفات قد أهلته للقيام بدور تاريخي في تطور مصر خاصة والوطن العربي عامة.. ولكن مقتضيات النضال الثوري الاشتراكي والعربي الوحدوي (الذي ما برح في اتساع وعمق) أصبح أعمق وأشمل من إمكانيات الفرد، مهما امتلك من صفات إيجابية خارقة.
إن بناء الديمقراطية الشعبية، لكي يكون سليماً ومنسجماً ، لا بد أن يبدأ من القاعدة الجماهيرية المنظمة.. ليتواصل وهو صاعد إلى أعلى.. إلى شكل ثوري في القيادة الجماعية، يأتي تعبيراً عن انسجام عميق مع الجماهير الشعبية، واحترام راسخ لإرادتها.
2- لا تزال الثورة في منطقة الخطر. هذه حقيقة ماثلة وأكيدة رغم الشوط العميق الطويل الذي قطعه التطور في القطر المصري. لا يزال الخطر يترصد جميع مكاسب الجماهير وانتصاراتها، لأنها انتزعت بأسلوب في النضال، يمكن تسميته بـ “الغارة الثورية” لا الزحف الشعبي المنظم المرصوص، الذي يغطي ميدان القتال من نقطة الانطلاق إلى أرض المعركة. لذا فإن الغارة الثورية المجيدة، التي أصابت الرجعية، على مستوى محلي في مصر وعلى مستوى عربي، بطعنات قاتلة، مهددة دوماً بالخطر والإبادة. إن ظهر الثورة لا يزال مكشوفاً.. لا تزال الفجوات الواسعة تتخلل الامتداد الثوري.. لا تزال جيوب رجعية وانتهازية وبرجوازية تحتل مراكز مهمة وحساسة. وسيبقى هذا الخطر ماثلاً ، ما دامت الثورة غير مؤمنة بالجماهير المنظمة الفعالة الإيجابية. حقاً لقد استطاعت الثورة أن تخلق رأياً عاماً شعبياً يدعمها، إلا أنه رأي عام سديمي، لم يتحول بعد إلى قوة مادية ومنظمة، تحمي الثورة وتطورها وتقلل احتمالات الخطأ في أعمالها.
3- لقد اعتمدت الثورة القمع كوسيلة للنضال ضد الرجعية، وضد خصوم الثورة الآخرين. ولعله من الطريف أن نذكر في هذه المناسبة، أن الثورة قد ألغت البوليس السياسي بعد قيامها بسبعة أيام. ويبدو أن مثل هذا التدبير قد اتخذ بدافع من الحماس الرومانتيكي الثوري وفي فترة ظن- خلالها- قادة الثورة أن مهمتهم قد انتهت بإسقاط الملك.
إن الثورة إذ دخلت في صراع محموم مع الاستعمار والإقطاع دون أن تكون مستندة على تنظيم شعبي جماهيري، رأت نفسها منساقة- راغبة أم كارهة- إلى إعادة تنظيم أجهزة جديدة للقمع، لتكون أداة نضال ضد أعداء الثورة .
وفي سني الثورة الأولى.. وفي وحشة الانعزال عن الجماهير.. وفي وطيس المعارك ضد الرجعية والاستعمار، استشرت أجهزة القمع وتوسعت. وبفعل قانون يكاد يشبه قانون التسارع في الميكانيك، ازدادت هذه الأجهزة تضخماً واتساعاً . وهي إذا كانت في البداية قد نظمت لتكون أداة بيد الثورة وخدمتها، إلا أنها في غيبة الجماهير، وبسبب الفقر الأيديولوجي، انفصلت عن الثورة- رويداً رويداً – لتشكل قوة ذاتية خاصة، تكاد تكون فوق قيادة الثورة، وتحاول شد الاتجاه الثوري عن منحاه الشعبي. إن هذه الأجهزة، بسبب طابعها اللا إنساني، تعمل دوماً على عزل قيادة الثورة عن الجماهير، لذا أصبحت عملياً فى موقف مناقض ومعارض للثورة ذاتها، وهكذا تحوّلت إلى أداة لكبح تعميق التطور الثوري. إن هذه الأجهزة- بفعل سير تطورها الذاتي- تعمل لوضع جدار بين الثورة وبين الجماهير الشعبية. إن هذه الأجهزة، التي تعي جيداً مصالحها الخاصة، ترى في وجود جدار بين الثورة وبين الجماهير سبيلاً لحفظ كيانها، ووسيلة لاستمرار نفوذها وامتيازاتها. إن الطابع المحافظ المحترف لهذه الأجهزة، يجعلها معادية لما هو شعبي وثوري.. ويشدها خيط خفي بالرجعية.
4- لم تتخذ الثورة من الرجعية- دوماً- الموقف الحاسم المنسجم مع متطلبات المنطق الثوري والروح الشعبية. ولا يعني هذا أن الثورة قد سايرت الرجعية. إن في كلمة “مسايرة” لوصف موقف الثورة من الرجعية بعض الظلم. فالثورة التي أصدرت قوانين التأميم والإصلاح الزراعي وعشرات القوانين المهمة التقدمية، لا يمكن أن تلصق بها هذه التهمة.
حقاً إن الإصلاح الزراعي والتأميم، يفقدان الرجعية قاعدتها المادية وسلاحها الأساسي، إلا أن هذه التدابير لا تنزع جميع أسلحة الرجعية وتأثيراتها الفكرية والمعنوية. لدى الرجعية نقود عينية وثروات عقارية. لها قراباتها وأبناؤها في أجهزة السلطة.. لها نفوذها المعنوي والفكري… وهناك أخطاء السلطة ونواقص عملها، وهناك الدعم الذي تلقاه من الرجعية العربية في الأقطار الأخرى، ومن الاستعمار العالمي. هذه الأسلحة تمنح الرجعية المحلية نفساً طويلاً في المقاومة، وتمنحها إمكانيات أكيدة لاستجماع قواها، وخوض معارك جديدة، أوحبك مؤامرات قاصمة وسريعة.
إن المعارك الثورية ضد الرجعية تتميز باستمرارها وتنوع أساليبها وأشكالها وتعدد ميادينها. إنها معارك على مختلف المستويات، تتناول جميع جوانب الحياة ومختلف قطاعات المجتمع، ولا تحتاج هذه المعارك إلى شجاعة اقتحامية بقدر احتياجها إلى شجاعة واعية ودؤوبة ويقظة.
إن ثورة 23 تموز/ يوليو لم تفهم بوضوح طبيعة النضال الثوري الاشتراكي ضد الرجعية . لم ترَ شامل الرؤية أبعاد هذه المعركة ومستوياتها، لذا اكتفت بعملية الردع والقمع، وفي أحيان عديدة حوّلت بعض العناصر البرجوازية والرجعية إلى أدوات بيدها.
المعركة مع الرجعية تقتضي الإبادة الكاملة.. الإبادة السياسية والثقافية والاقتصادية.. والإبادة المادية إذا اقتضى الأمر ذلك. لقد اكتفت ثورة 23 تموز/ يوليو بقطع أغصان الرجعية وفروعها، ولكن جذورها بقيت ضاربة في باطن الأرض، في حين أن مقتضيات المعركة تقتضي استئصال شأفتها من الجذور. لو أن العمال والفلاحين هم الذين قادوا المعركة ضد الرجعية، لما اكتفوا بحصر الرجعية وردعها، بل لباشروا عملية استئصال جذرية بلا تردد وبلا رحمة، لأن الرجعية لم ترحمهم طوال آلاف السنين.. في المعارك الطبقية الحاسمة تضع الجماهير الكادحة المسألة بشكل بسيط وحاسم: “إما أن نعيش نحن… وإما أن تعيش الرجعية.. وكل تسوية وكل حل وسط أكذوبة وخدعة هدفها إنقاذ الرجعية”.
إلا أن كون الثورة غير شعبية من حيث أداتها، ليس السبب الوحيد للموقف الذي اتخذته الثورة من الرجعية. إن السبب الثاني هو الخرافة التي كانت ثورة 23 تموز/ يوليو تؤمن بها. هذه الخرافة هي موضوعة السلم الطبقي. كانت قيادة الثورة تعيش وهم وجود إمكانية لحل التناقض الطبقي بالتفاهم لا بالنضال، وكان عبد الناصر يشبّه طبقات المجتمع بالدول في هيئة الأمم. وكما أن على دول هذه الهيئة أن تتفاهم وتتعايش، كذلك على الطبقات أن تتعايش وتتفاهم. وأن تصنع “التقدم ” والرخاء عبر التعايش الطبقي. هذه الخرافة الفجة ولدت طرحاً سياسياً اسمه “الاتحاد القومي “.
حقاً لقد تبددت خرافة السلم الطبقي في أحداث الانفصال عام 1961، إلا أن هذه الخرافة ستلقي بظلالها- رغم انفضاحها- على المستقبل إذا لم تجير ممارسة النضال السياسي عملياً على أساس الصراع الطبقي، وإذا لم تطبق هذه السياسة بحزم ودأب أيضاً .
5- لقد نمت قوى البيروقراطية (بشقيها المدني والعسكري) واتسع نفوذها، وزادت امتيازاتها، بحيث تكاد تصبح وريثة الطبقة المستغلة.
طرح صحافي سوفياتي على الرئيس عبد الناصر السؤال التالي: “لقد دخلت الثورة مرحلتها الثانية.. مرحلة الاشتراكية في التطبيق.. فإلى من تستند الحكومة في بناء هذه الاشتراكية؟ إلى البرجوازية.. أم إلى الشغيلة؟! “. فأجاب الرئيس عبد الناصر: “ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار أن حركة العمال في بلادنا لم تكن قوية في وقت من الأوقات. أما الفلاحون فكانوا في وضع صعب وأكثرهم أميون، أما المثقفون فمرتبطون- إلى حد كبير- بالطبقة التي يخدمونها.. “.
في هذا الجواب اعتراف واضح بأن البناء الاشتراكي في مصر يجري في غيبة أصحاب القضية الأساسيين. وفي ما يتعلق بضعف حركة العمال وصعوبة وضع الفلاحين.. ألا يحق لنا أن نتساءل: ألم يكن ممكناً- خلال عشر سنوات مضت على قيام الثورة- بناء حركة عمالية وفلاحية تتولى عملية البناء الاشتراكي؟!- هل أتيحت لهاتين الطبقتين الديمقراطية التي تكفل تنظيم صفوفهما، سواء على الصعيد السياسي أو النقابي؟! تلك هي- في رأينا- المشكلة التي لم يتناولها جواب الرئيس عبد الناصر. وفي الجواب عن سؤال الصحافي السوفياتي، نقول: “لا الشغيلة هم دعامة الحكم وبناة الاشتراكية… ولا البرجوازية أيضاً… إنها البيروقراطية خاصة والبرجوازية الصغيرة عامة. إن البيروقراطية هي العمود الفقري للسلطة في مصر، فهي التي تبني، وهي التي تحمي، وهي التي تتمتع “.
في غيبة الكادحين عن نضال يرتدي- من حيث الجوهر- الطابع التقدمي( رغم كل المظاهر السلبية التي تلازمه) لا بد أن تلعب البيروقراطية دوراً أساسياً في هذا النضال. وتلك هي حقيقة المسألة في مصر.
إن جذور البيروقراطية في مصر ضاربة في أعماق الأرض، وبطون التاريخ . لقد بدأت مع مشاكل الري والصرف في الزراعة المصرية ، وتلقفها الحكم الإقطاعي والاستعمار فاحتضناها، وزادا من امتيازاتها، وتوسعت قاعدتها واستفحل خطرها بسبب التفسخ السياسي الذي كان سائداً قبل 23 تموز/ يوليو من جهة، وبسبب سياسة التعليم المرتجلة التي كدست المثقفين النظريين من جهة أخرى. لقد تضخم الجهاز لكي يمتص هذا العدد الوفير من المثقفين. وعندما أخذت الدولة على عاتقها عبء تطوير الاقتصاد ازداد من جديد تضخم الجهاز وتعقد، وما برح. وهذه الوضعية انعكست من جديد على البيروقراطية نفسها: إن التضخم المرضي للجهاز، يخلق الفراغ عند الموظف. والفراغ الدائم يخلق الكسل واللامبالاة. وبما أن هذه الأجهزة هي- بالأصل- أجهزة حكم إقطاعي، لذا فقد ورثت عقلية متعالية على الشعب، وبقيت خالية من الشعور الجاد بالمسؤولية، بالإضافة إلى كونها غير مؤمنة بالاشتراكية. ولهذا السبب فإن الاندفاع التقدمي الذي يأتي من فوق، يتباطأ ويتشرذم عندما تتولاه أجهزة كهذه .
في البلدان الاشتراكية تم تحطيم وتصفية الأجهزة البيروقراطية المرتبطة بالأنظمة القديمة. وفي معمعان النضال الثوري بنيت أجهزة جديدة. ولكن هذه الأجهزة التي انطلقت من بدايات ثورية تحولت- شيئاً فشيئاً- إلى أجهزة بيروقراطية ثقيلة، عرقلت تطور النظام الاشتراكي، وأضعفت دور الجماهير الكادحة، وحوّلت الديمقراطية الاشتراكية إلى مومياء تخفي تحكم البيروقراطية ونفوذها وامتيازاتها.
أما في القطر المصري فإن البيروقراطية الحالية هي- إلى حد كبير- امتداد للبيروقراطية القديمة، من حيث العقلية، ومن حيث النفسية معاً. وزاد الطين بلّة إفلاتها من كل نقد جاد، أو رقابة شعبية، فتوطد مركزها، واتسع نفوذها، فأصبحت – بالتالي- في موقف التناقض مع الجماهير الكادحة.
للبيروقراطية في البلدان الاشتراكية مزايا إيجابية إلى جانب الظواهر السلبية في دورها. فهي متخصصة وجادة ودؤوبة ومؤمنة بالاشتراكية. إلا أن السبب الأساسي الذي يدفع إلى مواجهتها، هو أنها أصبحت عقبة أمام تطوير الديمقراطية الاشتراكية.. هو أنها تشوه التطور الطبيعي للعلاقات الاشتراكية في المجتمع.. هو أنها أصبحت تشكل قوة خاصة أخذت مكانها فوق المنتجين المباشرين بشكل خاص، وفوق جماهير الشعب بشكل عام.
أما البيروقراطية المصرية (في ما عدا قلة متخصصة) فتكاد تفتقد أية سمة إيجابية: الكسل، اللامبالاة، ضيق الأفق، الامتيازات المادية المسرفة، معارضة الاشتراكية، الإسراف والتبذير. وأخيراً جاءت اللامبالاة بالسياسة (التي شجعتها الدولة) لتؤكد هذه الجوانب السلبية وتعمّق جذورها.
… ولكن هل يعني الاعتراف بهذه الحقيقة تبرير استخدام هذه الظاهرة لمهاجمة الاتجاه الاشتراكي نفسه؟! هل يعني هذا الموافقة على اصطناع الضجيج حول هذه الظاهرة، وإطلاق العنان لممارسة انتقاد ديماغوجي لدور الدولة في مصر؟.
إن تحديد موقف اشتراكي من هذه الظاهرة يقتضي التمييز بين ما هو ثانوي وهامشي، وبين ما هو أساسي وجوهري في سير التطور، خلال مرحلة من مراحله.
إن مثل هذا التمييز هو الذي يجنب الاشتراكي الغرق في اللحظة الراهنة، والضياع في التفاصيل: إن التناقض بين رأس المال والعمل، هو التناقض الأساسي خلال هذه المرحلة، أما التناقض بين الجماهير الكادحة، والبرجوازية الصغيرة (وعلى رأسها البيروقراطية) فهو تناقض ثانوي. وما دامت الأمور قد سارت في اتجاه حل التناقض الأساسي، لذا من الديماغوجية رفع التناقض بين البيروقراطية والطبقة العاملة إلى مرتبة تناقض أساسي في محاولة لإسدال الستار على الانتصار الكبير وتشويهه، هذا الانتصار الذي يتمثل في حل التناقض الأساسي بين رأس المال والعمل . هذا جانب من الموضوع. أما الجانب الآخر منه فيتمثل في الظروف الموضوعية التي تهيىء لوجود البيروقراطية ودورها ونفوذها. تبين التجارب الاشتراكية أنه كلما كانت الظروف الاقتصادية للمجتمع متأخرة، وكلما كان الدور الاجتماعي والتأثير الفعال للطبقة العاملة أقل قوة.. ازدادت أهمية الدور الذي تلعبه البيروقراطية، وخاصة في مرحلة الانتقال إلى الاشتراكية. ” وخلال مرحلة الانتقال هذه، حيث لم يشيد المجتمع بعد أساسه الجديد، وحيث لم يترسخ بعد، وحيث لم تكن الطبقة العاملة قد امتلكت بعد ناصية الإدارة الاقتصادية والاجتماعية، في هذه المرحلة تلعب الدولة دوراً تقدمياً، وخاصة في الإدارة الاقتصادية والاجتماعية “.
وإذا كانت البيروقراطية قد لعبت دوراً أساسياً وقيادياً في بلدان قد عاشت تجارب ثورية مكتملة وناضجة، وحيث الظروف الاجتماعية والاقتصادية أكثر تقدماً من مصر، وحيث كانت الطبقة العاملة فيها أقوى وأوسع وأنضج ومنظمة في تشكيل سياسي.. إذا كان هذا شأن البيروقراطية في مثل تلك البلدان.. فكيف يمكن أن تجري الأمور في القطر المصري، حيث لا وجود للحزب الثوري، ولا للنظرية الثورية؟!
.. نحن لا نبغي من وراء حديثنا هذا تبرير هذه الظاهرة السلبية، بل تفسيرها فحسب، لأن مسألة البيروقراطية قد بلغت حداً من الخطورة بحيث توحي للمراقب بأنها ليست ظاهرة مرضية عابرة، بل عاهة دائمة فى التجربة المصرية الجديدة.
ولكننا في الوقت نفسه لن نطالب أحداً باجتراح المعجزات. إن أستئصال البيروقراطية لا يمكن أن يتم بين يوم وليلة، وبقرارات بيروقراطية مضادة، بل بإيجاد تنظيم اشتراكي ثوري من جهة، وبخلق ديمقراطية اشتراكية من جهة أخرى. وبواسطة هذا التنظيم وفي مناخ ديمقراطي اشتراكي، يمكن الجماهير الكادحة بقيادة التنظيم الثوري وعبر صراع طبقي مرير طويل، برء الجسم الاشتراكي من بقايا المجتمع القديم، ومن البيروقراطية.
بقي أن نقول كلمة أخيرة حول هذا الموضوع: إن عبد الناصر لم يحول ثورة شعبية إلى الطريق البيروقراطي، ولكنه لم يحول ثورة بدأت بأداة غير شعبية (عسكرية) إلى ثورة شعبية.. تلك هي حدود المسؤولية التي يتحملها عبد الناصر.
6- لقد حققت ثورة 23 تموز/ يوليو تقدماً ملحوظاً في التطوير الاقتصادي والسياسي، ولكن وتيرة هذا التقدم كانت بطيئة. ولكن لكي نلتزم الدقة، لا بد أن نثبت عوامل أخرى سببت بطء هذه الوتيرة، منها “تجريبية” الثورة التي لم تتح لها الإمساك بالمنطلق الصحيح للتقدم السريع (ونعني بهذا المنطلق تجنب الطريق الرأسمالي للتطور).
إن ثورة 23 تموز/ يوليو إذ افتقدت جهازاً أساسياً للطليعة، استبدلت الإنسان الثوري بالإنسان- الأداة. وتتدرج أدوات أجهزة الثورة للتخطيط والتنفيذ من أصحاب النيات الطيبة، إلى الإنسان العادي النظيف إلى إنسان- الراتب إلى المباحثي. إن النموذج الأرفع في أدوات الثورة هم “أصحاب النيات الطيبة”، هم البرجوازيون الصغار الذين يعيشون في “فرجة” مصحوبة بتعاطف “رسمي ” مع نضال الجماهير في سبيل تحررها. إن هؤلاء (بالإضافة إلى أساسهم الطبقي) إذ يعوزهم الالتزام السياسي، يبقون مجرد أدوات مجرورة في غمار التيار، كما أنهم يتميزون بالانتهازية المبطنة أو الظاهرة. هؤلاء هم الكادر القيادي لثورة 23 تموز/ يوليو. إن هذه النماذج إذ افتقدت الالتزام بقضية الجماهير افتقدت بالتالي الانفعال الصادق بقضية الجماهير، والشعور الجاد بالمسؤولية الثورية، والإيمان بضرورة التغيير الثوري.
إن مثل هذه النماذج قد يصلحون كخبراء.. كأدوات تنفيذ في التفاصيل .. في ميادين كهذه قد ينهضون بدور إيجابي.. إلا أنهم بالذات يتحولون إلى أدوات تعرقل وتبطىء التقدم.
لكي يتحقق التطوير الثوري للمجتمع على نحو سريع وجدّي وعميق، لا بد من توفر شرطين: الأول تحرّك جماهيري واسع، والثاني طليعة ثورية اشتراكية لقيادة هذا التحرك. وقد افتقد القطر المصري هذين الشرطين، لذا كانت خطى التقدم ثقيلة ومتعرجة.
إن العمل الثوري ليس قانوناً يصدر لينفذ بضربة واحدة ثم ينتهي الأمر، ليس حركة تبدأ من الأعلى فتنعكس الحركات في الأسفل متتابعة كل واحدة آخذة برقبة الأخرى. إن عملاً ثورياً من فوق، هو فتح الباب للعمل الثوري والتمهيد له، لأن العمل الثوري الإيجابي هو عمل يومي بسيط دؤوب.. فيه صبر وفيه نكران الذات أيضاً، هو عمل بعيد عن الصخب السياسي و”الثرثرة الثورية”.. وهنا تكمن صعوبته، وهنا أهميته وجديته أيضاً .
إن ثورية العمل الإيجابي تستلزم تحريكاً أوسع للجماهير، وإثارة مبادرتها الجادة الدؤوبة، التي تستلهم مثلاً أعلى يجدد حماسها واندفاعها وتفانيها في العمل. إلا أن كل ما يجري في القطر المصري، يوحي بأن الأمور لا تجري على هذا النحو. فالجماهير الشعبية الكادحة لا تزال تعيش في ركود سياسي حقيقي، والفئات الأكثر وعياً، والأكثر تقدماً من هذه الجماهير، أدركت تبعيتها للدولة، ولا يحركها سوى حماس سطحي مؤقت. ويخيل إلي وكأن كل منجزات الثورة الاقتصادية، كانت وليدة ضرب من العلاقات التجارية الصرفة الباردة بين قيادة الثورة والبيروقراطية من جهة، وجماهير الشغيلة من جهة أخرى .
لقد حيل بين الجماهير وتحمل تبعية عملية البناء الثوري للمجتمع، وسلّمت المهام الثورية لإطارات غير ملتزمة وغير ثورية وطلب إليها- كما يقول عبد الناصر: “تنفيذ أهداف ثورة لم تنفعل بها”.. في حين أن بناء دولة عصرية، وتنظيم مجتمع ثوري- بصورة سريعة واقتصادية وجدية- يقتضي فتح الطريق لمبادرة الجماهير نفسها، وخضوع عملية البناء نفسها لرقابتها.
7- لا يزال تكتيك ثورة 23 تموز/ يوليو ضد فرقاء الجبهة الاستعمارية مختلفاً إلى حد ما. ففي حين أن تكتيك الثورة ضد الاستعمارين الإنكليزي والفرنسي يتميز بشدته واستمراره وهجوميته، فإن تكتيكها ضد الاستعمار الأمريكي يتميز بالمناورة وبالمنطق الدفاعي.
قبل أن نتحدث عن أسباب هذا التكتيك وجذوره، لا بد أن نتساءل. هل التكتيك الثوري مجرد هجوم اقتحامي دائم كاندفاعات ثيران المصارعة؟ وفي الجواب عن هذا السؤال نقول: من حيث المبدأ- بالنسبة إلى الثوري- ليس هناك أسلوب مسبق محدد، ووحيد للنضال. فالثوري، تبعأ لنسب القوى في المعركة، قد يتخذ موقف الاقتحام أو التراجع.. الدفاع أو المناورة أو المهادنة.. وحتى التنازل أحياناً، إلا أن الثوري (خلافاً للانتهازي) لا ينسى لحظة هدفه النهائي الكبير. هذه حقيقة أثبتتها تجارب النضال الثوري في العالم، كما يمليها الفهم الموضوعي الواعي لمشاكل النضال وأساليبه وظروفه.
ولكن.. قد يتساءل القارىء: ما دامت المناورة جزءاً من التكتيك الثوري.. لماذا- إذأ- اعتبرت مناورة ثورة 23 تموز/ يوليو مع الاستعمار الأمريكي مظهراً سلبياً في أسلوب نضالها ضده؟ قبل أن نجيب عن هذا التساؤل لا بد أن نوضح أننا لا نعني بالمناورة المهادنة أو المسايرة (أو الالتقاء كما يزعم بعض المفترين الحاقدين)، بل هي شكل دفاعي من أشكال النضال، تستخدمه الثورة وهي ثابتة في مواقعها الوطنية. إن هذا الشكل من النضال يحوي توجساً خفياً من قوة الاستعمار الأمريكي. ولو كان إيمان الثورة بقوة الشعب كاملاً ومتيناً لاتخذ موقفها من الاستعمار الأمريكي الموقف المناضل (الهجومي) بالدرجة الأولى، ثم الموقف المناور (الدفاعي) في الدرجة الثانية. إن ثورة 23 تموز/ يوليو تناور مع هذا الاستعمار أولاً، ثم تناضل ضده حيث لا تجدي المناورة فتيلاً، وحيث تصبح المعركة معه ضرورة لا بد منها، وتبقى- غالباً- في موقف الدفاع.
إلا أن ثقة قيادة الثورة الضعيفة بقوة الشعب وامكانياته، لا تفسر- بمفردها- هذه الظاهرة. ولا بد- لكي يكون تفسيرنا شاملاً- أن نضيف عوامل أخرى ساهمت في صنع وتحديد هذا التكتيك. ولكن هذه العوامل تفسر هذا التكتيك، ولكن لا تبرره، في رأينا.
تلخص هذه الأسباب بما يلي:
السبب الأول لهذا الاختلاف في التكتيك ضد الاستعمارين هو ما مكان كل منهما في أرض المعركة المصرية خاصة، والمعركة العربية عامة. الاستعمار الإنكليزي هو الاستعمار الذي يحتل عملياً وفعلياً المخافر الأمامية في الجبهة المعادية لشعبنا. وبما أن طبيعة النضال ضد النفوذ الأجنبي والسيطرة الاستعمارية، حتمت أن تكون المعارك الأولى الفعلية والمادية مع الاستعمار الإنكليزي والفرنسي.
يراقب الاستعمار الأمريكي- دوماً- نتائج المعركة بين الشعوب وبين الاستعمار التقليدي القديم، فإذا وجد في جبهة الشعوب قوى مساومة، اقتسم الغنيمة مع الاستعمار التقليدي، وإذا تم سحق الاستعمار التقليدي حاول أن يتسلل إلى مواقعه ليرثها، وإذا رأى في انطلاقة الشعب خطراً شاملاً تحالف مع الاستعمار التقليدي ليقف في وجهها، وقد ينسحب إذا رأى إمكانية الخسارة أكثر من إمكانية الربح… وهكذا فهو- بالنسبة إلى الشعب العربي- يتحول من خطر بالقوة إلى خطر بالفعل، كلما تمت تصفية موقع من مواقع الاستعمار التقليدي.
تتميز المعركة مع الاستعمار الإنكليزي بكونها معركة اقتلاع بالدرجة الأولى، أما المعركة مع الاستعمار الأمريكي فهي- بشكل أساسي- معركة قطع الطريق أمام تسلله.. معركة صد هجومه، ودرء خطره الدائم.
أما السبب الثاني لهذا التكتيك المناور، فهو أن الثورة- وقد أدركت الطبيعة المختلفة لكل من المعركتين- أرادت أن تستخدم التناقض الجزئي وغير الأساسي والمؤقت بين أهداف كل من الاستعمارين لمصلحة الشعب. فالاستعمار الإنكليزي- بالنسبة لمصر- هو الخطر الواقع والفعلي، في حين أن الاستعمار الأمريكي خطر ماثل. وكان الهدف المباشر للمعركة هو اقتلاع الخطر الفعلي. ومن الممكن (بل من الواجب) الاستفادة من التناقضات مهما كانت جزئية. ولهذا يشير أنور السادات إلى “أن تصرف الثورة حيال أمريكا، من أول يوم للثورة، كان مناقضاً لتصرفها حيال إنكلترا” (8)، ولم يكن هذا التصرف وليد جهل بطبيعة الاستعمار الأمريكي، لأن قادة الثورة- عندما قاموا بتقدير احتمالات تطور الموقف عشية إعداد الثورة- أخذوا في الحسبان تدخل أمريكا ضد الثورة، باعتبار أن “مركز الثقل في توجيه الحكم قبيل الثورة- بدأ يتزحزح رويداً رويداً من السفارة البريطانية إلى السفارة الأمريكية” (9). وتبادلت الثورة الابتسامات مع أمريكا، التي رأت في هذا الموقف مجالاً لإكمال تسللها، الذي بدأ قبيل الثورة، ولكي ترث النفوذ الإنكليزي في مصر. إن ثورة 23 تموز/ يوليو التي لا ترى في موقفها سوى مجرد تكتيك، سدّت الطريق بحزم أمام المحاولات الأمريكية الواحدة تلو الأخرى.
والسبب الثالث لاختلاف تكتيك الثورة حيال الاستعمارين هو حدود وشروط الدعم السوفياتي. فالدعم السوفياتي ليس أكيداً ومطلقاً في كل الحالات، وضمن كل الشروط والظروف (وخاصة عندما تصبح الحرب الشكل العملي الوحيد للنضال السياسي ضد الاستعمار). ففي العدوان الثلاثي عام 1956 وجه بولغانين إنذاره إلى فرنسا وإنكلترا، ولم تكن أمريكا إلى جانبهما. وفي ثورة 14 تموز/ يوليو 1958 في العراق، وعندما نزلت الجيوش الأمريكية في لبنان، وقف الاتحاد السوفياتي في منتصف الطريق، وأعلن أن حدود دعمه لثورة العراق هو التخلص من الملكية والخروج من حلف بغداد.. وجاءت أحداث كوبا في تشرين الأول/ أكتوبر 1962 (حيث تراجع الاتحاد السوفياتي أمام التهديد الأمريكي) لتؤكد أن سياسة الاتحاد السوفياتي الخارجية هدفها الأساسي التعايش السلمي، وفي حدود هذه السياسة ستدعم نضال الشعوب. هذا في ما يتعلق بالدعم السوفياتي السياسي والعسكري. أما في ما يتعلق بالدعم الاقتصادي والمالي، فإن احتياجات خطة التنمية والتطوير، تجعل القطر المصري يتطلع دوماً إلى معونات وقروض من الغرب.
تلك هي الأسباب الرئيسية الثلاثة التي ساهمت بتحديد تكتيك الثورة المناور والدفاعي مع الاستعمار الأمريكي. فإذا أضفنا إليها العامل الأساسي والأكثر أهمية.. وهو افتقاد الثورة الثقة الكاملة المطلقة بقوى الشعب، اكتمل لدينا التفسير الموضوعي لحقيقة هذا التكتيك.
يتجلى تكتيك الثورة المناور مع الاستعمار الأمريكي في مظهرين أساسيين:
– المظهر الأول هو ذلك الشكل الصاخب المنفعل والمصطنع لموقف الثورة من الحركات الشيوعية المحلية. لقد عرفت الثورة بأي ظفر تحك الجلد الأمريكي، لأن السياسة الاستعمارية الأمريكية التي يؤرقها هذا الشبح: الشيوعية رأت في هذا الجانب من سياسة الثورة العامل “المعدّل ” و”الملطف ” لسياسة التعامل مع الدول الاشتراكية، ولسياسة الحياد الإيجابي… رأت السياسة الأمريكية في سياسة الثورة “الشر الأدنى الذي لا بد لها من “ازدراده”.
– أما المظهر الثاني فهو ذلك التطبيق “القضائي ” و”الأرثوذكسي ” لمبدأ الحياد الإيجابي. إن سياسة الثورة تضع كلا المعسكرين في كفة واحدة، مع أن الأفق النضالي للبلدان المتخلفة التي تعـيش نضالاً فعلياً ضد الاستعمار، يجعل المنطلقات الأساسية للسياسة التي يمارسها المعسكر الاشتراكي، أكثر انسجاماً مع مصالح هذه البلدان، وأكثر تعاطفاً وتفهماً لقضايا شعوبها. ولا نعني بهذا أننا نريد فرض قضايا المعسكرين الخاصة، ومعاركهما المباشرة على السياسة العربية بشكل عام، وعلى السياسة المصرية بشكل خاص، ولا نطلب من أحد خوض معارك مراهقة حمقاء مع الاستعمار الأمريكي. كما أننا لا نطالب بالتخلي عن المناورة. إلا أن استخدام المناورة على نحو ثوري، لا يمكن أن يتوفر إلا من منطلقات هجومية (لا دفاعية). إن استخدام المناورة من هذه المواقع، يقتضي ثقة كاملة ومطلقة بالجماهير الشعبية، وتعبئة شاملة وتنظيماً جدياً لهذه الجماهير.. هذه الثقة وهذا التنظيم هما وحدهما اللذان يمليان سياسة مبدئية وثورية تجاه مختلف المشاكل السياسية العربية والدولية، دون انتظار لالتقاط متوجس لصدى هذه السياسة في المعسكرات الأخرى.
إن سياسة “عدم الالتزام ” بالمعسكرات الدولية، مقترنة بنضال هجومي حازم ضد الاستعمار، قد تكون التعبير الأكثر دقة وملاءمة من كلمة “حياد” في وصف الموقف السياسي الثوري الواجب اتخاذه على صعيد السياسة الخارجية. إن مثل هذه السياسة الطلقة المرنة المؤمنة بالشعب، هي التي تتيح انتهاج سياسة مناورة ومبدئية وثورية في آن واحد.
• والسمة السلبية الثانية للثورة هي أنها ثورة تجريبية
حقاً إن العمل الثوري بحاجة إلى نظرية ثورية. حقاً إن نظرية مجبولة من الواقع القومي الملموس متفاعلة مع الجماهير الشعبية، مستعينة بالتجارب الاشتراكية الأخرى في العالم، هي وحدها التي تستشرف آفاق المستقبل، وتقلل احتمالات الخطأ، وتمنح العمل الثوري الثقة والصلابة والإدراك العلمي للواقع. إلا أن فقدان النظرية لا يسلب العمل الثوري حقيقته وأهميته. فالثورة تبقى ثورة سواء كانت عفوية تجريبية، أو منبثقة من نظرية. ثورة بلا نظرية قد تهادن وتساير.. قد تتردد وتساوم.. وقد تتخبط في أخطاء خطيرة تسلمها للانحراف أو الجمود أو الموت.. إلا أنها تبقى- في إطار ما صنعته- ثورة على كل حال. إن ثورة 23 تموز/ يوليو نموذج للثورة التجريبية. وقد اعترف عبد الناصر بهذه الحقيقة بقوله:
“… كنا نشعر بالحاجة إلى ثورة… إلى تغيير جذري، وإنما كنا لا ندرك الطريق إلى هذا التغيير ولا الوسائل لتحقيقه… “.
ولكن الثورة التي افتقدت النظرية، لم تفتقد أي دليل للعمل. لقد طرحت الثورة المبادىء الستة المشهورة: القضاء على الاستعمار- القضاء على الإقطاع- القضاء على الاحتكار ورأس المال على الحكم- إقامة عدالة اجتماعية.- إقامة جيش وطني- إقامة ديمقراطية سليمة.
في هذه الشعارات العامة العريضة، تتجاور الأهداف الوطنية مع المطامع الديمقراطية البرجوازية مع الأحلام البرجوازية الصغيرة بالعدالة الاجتماعية. وفي هذه الشعارات إيمان غامض بقضية الجماهير، وعطف غير محدد على مصالحها، وفيها معارضة لاستثمار الجماهير واضطهادها، ولكن على نحو ذاتي وشبه اشتراكي.
بمثل هذه العقلية خاضت الثورة المعارك. وفي غمار النضال، وبتجارب الخطأ والصواب، تعمّق محتوى تلك الشعارات، وتوسع مفهومها، وجنحت أكثر فأكثر… ويوماً فآخر نحو اليسار… وانتقلت الثورة- أخيراً- إلى مواقع جديدة كلياً، تجاوزت فيها تلك الشعارات، إلا أن مطامح الثورة بقيت- حتى الآن- في أفق برجوازي صغير.
يروي لينين عن نابوليون قوله : ” نبدأ المعركة… ثم نرى… “. وهكذا سارت خطى التطور في مصر. بدأت المعركة ليلة 23 تموز/ يوليو. وتوالت المعارك.. وكانت كل معركة تقود إلى أخرى.. فالنبض الثوري انتقل بالثورة من معركة إلى أخرى، ومن مرحلة إلى مرحلة: إسقاط الملكية- ضرب الإقطاع- طرد الاحتلال الأجنبي- إنهاء السيطرة الاقتصادية الاستعمارية- تنمية قوى الإنتاج وفق برامج خمسية- نقل الملكية الخاصة لمعظم وسائل الإنتاج إلى الملكية العامة. افتقاد النظرية- إذاً- لم يوقف سير الثورة، وإن كان قد جعله بطيئاً ومتعرجاً.. فيه التواءات وفيه وقفات، وفيه مفاجآت أيضاً .
كيف انعكس الطابع التجريبي للثورة على خطواتها وأعمالها؟
يجدر أن نشير- منذ البدء- إلى أن جوانب الضعف في الثورة (التي نجمت عن افتقاد الثورة أداتها الشعبية) هي- إلى حد كبير- وليدة طابعها التجريبي أيضاً . ولو أن الثورة قد انطلقت من المعطيات النظرية المستخلصة من تعميم التجارب الاشتراكية في العالم، لما وقعت في دوامة من التخبط سبق أن عانتها تجارب ثورية أخرى في العالم. ولكن الملامح النوعية لثورة 23 تموز/ يوليو، لم تتح لها ذلك.
ولسنا ندعو- هنا- إلى أولوية النظرية العامة للتجارب الثورية في العالم، فالممارسة تملك “فضيلة الحقيقة الواقعة المباشرة”؟ ولكن، في الوقت نفسه، “يجب تحاشي التصميمات النظرية المخططة جزافاً بدون أن تستمد من الواقع الملموس، كذلك يجب تجنب الخطأ الذي يريد منه البعض الاستغناء عن خبرة غيرهم، وعن الأخذ بالمكاسب الثورية المختلفة في عصرنا هذا… ” (ميثاق طرابلس لجبهة التحرير الجزائرية). وعلى عكس هذه الموضوعة، فقد كانت ثورة 23 تموز/ يوليو تتقرى طريقها بوسائلها العفوية الذاتية يوماً فيوماً ، ومعركة فأخرى . لقد كانت تملك تكتيكاً للعمل واعياً وناجحاً، ولكن دون أن يكون منبثقاً من نظرية ثورية اشتراكية.
إن الطابع التجريبي للثورة، وغياب الطبقة العاملة الأيديولوجي والسياسي، جعل مفاهيم ثورة 23 تموز/ يوليو عن الاشتراكية مفاهيم برجوازية صغيرة.
إن ثورة 23 تموز/ يوليو، في مجابهتها المخلصة لمشكلة التخلف والفقر، رأت نفسها مدعوة لقيادة الاقتصاد القومي ومضطرة- بالتالي- إلى تجنيد رأس المال الخاص، وتعبئته لتنفيذ برامج الإنماء و”توجيهه للخدمة العامة”. ولكن رأس المال الخاص الوطني (الذي لا يمكن أن يجند نفسه إلا لربح أكثر، والذي يرى وطنه الحقيقي في مكان الربح الحقيقي) أصيب بنفرة من هذه المحاولة. وهذه النفرة كشفت للثورة، بالتجربة العيانية- طبيعة رأس المال وحقيقته. وهذا هو السبب الأساسي للضربة المجيدة في تموز/ يوليو 1961. أما السبب الثاني فهو إدراك الثورة (الذي تأخر بعد تخبط تجريبي دام تسع سنوات) عجز رأس المال الخاص في البلدان المتخلفة عن تنمية وتطوير الاقتصاد القومي. والسبب الثالث هو استغلال رأس المال الخاص احتياجات التنمية، ليجني منها أكبر الأرباح.
تلك هي الأسباب الثلاثة للتحول الكبير في تموز/ يوليو 1961، فإذا أضفنا إليها وجهة نظر الثورة التي تعارض الاستغلال على نحو ذاتي، وبرجوازي صغير.. اكتملت لدينا الصورة العامة لاشتراكية ثورة 23 تموز/ يوليو.
… إذأ فالتطور الذي سار في اتجاه اشتراكي في مصر، جاء حلاً لمشكلة التخلف بالدرجة الأولى، في حين أن المنطلق الثوري للاشتراكية، يأتي عبر طموح الجماهير الكادحة ونضالها في سبيل إلغاء الاستثمار. التطور الاشتراكي في بلد متخلف، يحمل في ثناياه مشكلة القضاء على التخلف، أما أن تعتبر الاشتراكية مجرد وسيلة لإلغاء التخلف، فإنها نظرة “حرفية” أو “تكنيكية” للاشتراكية، حيث تبقى خطى التطور متناقضة، لا تتناول سائر جوانب حياة المجتمع، وحيث تبقى- أيضاً- غائمة آفاق تطور المجتمع إلى مجتمع اشتراكي كامل في ظروفه وخصائصه.
إن نظام رأسمالية الدولة، يمكن أن يلبي- في بلد متخلف- متطلبات حل مشكلة التخلف، وإن نظاماً كهذا، يمكن أن تبنيه البيروقراطية والفئات البرجوازية الصغيرة الأخرى، بمعزل عن الجماهير الكادحة. أما تفجير الأطر البرجوازية الصغيرة للمجتمع، والانتقال من رأسمالية الدولة إلى الاشتراكية، فمسألة تتعلق- أولاً وأخيراً- بالدور السياسي القيادي الذي تنهض به الطبقة العاملة انطلاقاً من النظرية الثورية.. نظرية الاشتراكية العلمية.
إن تجريبية الثورة هي التي جعلت خطواتها مفاجئة وغير متجانسة: فهي لا تزال تنظر إلى مشكلة الأرض من زاوية برجوازية صغيرة، وتعارض الاشتراكية في القطاع الزراعي، كما أنها لا تزال تتحدث عن رأسمال مستغل، وتزعم أن “سيطرة الشعب على كل أدوات الإنتاج، لا تستلزم تأميم كل وسائل الإنتاج، ولا تلغي الملكية الخاصة… ” دون أي محاولة لتحديد الطابع المرحلي لهذه الموضوعة، وإذا كان “الميثاق ” الذي أعلنه الرئيس عبد الناصر في 21/ 5/ 1962 قد اعتبر “الاشتراكية العلمية هي الصيغة الملائمة لإيجاد المنهج الصحيح للتقدم “، ولكن موضوعات الميثاق، في تفاصيلها، تنطلق من نظرة “اقتصادية” و”حِرْفية” للاشتراكية، وتحمل فهماً مشوهاً، وجانبياً لها.
وإذا كانت هذه هي نتائج المنطق التجريبي، في ما يتعلق بالبنيات التحتية للمجتمع، فإن آثار هذا المنطق قد انعكست بشكل خطير، ومفجع على الجوانب والجبهات الأخرى للنضال الاشتراكي.. جبهة النضال ضد البنيات الفوقية للمجتمع القديم. فلكي يكون النضال الاشتراكي متكاملاً ومتجانساً، لا بد أن يتناول مختلف مستويات البناء الاجتماعي، ومختلف قطاعات الحياة. فالاشتراكية ليست مجرد إلغاء للاستغلال، بل هي- بالأساس محاولة لإنقاذ إنسانية الكائن البشري التي سحقها الاستغلال، وتحريره من كل ظروف الضياع التي أفقدته جوهره الإنساني. إن الاشتراكية حل كلي وجذري لمشكلة الإنسان، ولكن اشتراكية ثورة 23 تموز/ يوليو التجريبية، لم تستطع أن تدمر سوى البنيان التحتي للمجتمع القديم، في حين أن البنى الفوقية بقيت بعيدة عن الريح الثورية، ولا تزال مقطوعة عن التطور الذي أصاب البنى التحتية. فالانقطاع الثقافي لا يزال في قبضة الرجعية والبرجوازية، والتعليم- وإن كان قد أخذ منحى عملياً تطبيقياً- إلا أنه بعيد عن خلق أجيال جديدة تؤمن بالعلم، باعتباره الحقيقة الوحيدة في الحياة. كما أن الأطر الاجتماعية التقليدية (الإقطاعية والبرجوازية) لا تزال تهيض انطلاقاً كاملاً حقيقياً للتطور الاجتماعي. إن أيديولوجيا المجتمع القديم، لا تزال قوية وعميقة الجذور، وهي لا تزال سائدة ومهيمنة حتى في الأجهزة القيادية. إن هذه الأيديولوجية الرجعية لا تزال تمارس عملية خنق ووصاية على الأيديولوجيا الاشتراكية، لكي تمنع نموها وتوسعها وسيادتها في المجتمع الجديد.
حقاً إن النضال لتصفية البنى الفوقية المتخلفة والرجعية لا يمكن أن يُؤتي ثماره بسرعة (كما هو الأمر في ما يتعلق بالبنى التحتية)، إلا أن الثورة لم تلتفت حتى الآن إلى هذه المشكلة. وهذا- في رأينا- من أكثر الجوانب السلبية خطورة في تجربة ثورة 23 تموز/ يوليو.. وهو أدعاها إلى القلق حول مستقبل هذه التجربة.
أيديولوجيا الثورة
قلنا- قبل قليل- إن ثورة 23 تموز/ يوليو ثورة تجريبية، أي ثورة بلا نظرية.
إلا أن هذه الثورة كانت تملك- منذ البدء- اقتناعات فكرية وسياسية.. هذه الاقتناعات يمكن أن نطلق عليها كلمة: أيديولوجية.
لكل من طبقات المجتمع (ولبعض فئاته المهمة أحياناً) أيديولوجيتها: فلليمين أيديولوجيته، ولليسار أيديولوجيته وهكذا. كما يمكننا القول إن هناك أيديولوجية محافظة، وأيديولوجية ثورية، أيديولوجية تقدمية وأخرى رجعية.
تصوغ الطبقات الثورية في المجتمع (وطليعة هذه الطبقات بالتحديد) نظريتها الثورية خلال ممارستها النضالية، انطلاقا من أيديولوجيتها الطبقية. وإذا كانت ثورة 23 تموز/ يوليو قد افتقدت النظرية، إلأ أن أسلوبها التجريبي كان انبثاقاً عن أيديولوجية تعبر- موضوعياً- عن مطامح طبقية معينة.
وعلى هذا الأساس يحق لنا أن نتساءل: ما هي أيديولوجية ثورة 23 تموز/ يوليو؟ ما هو طابعها الطبقي؟! كيف بدأت؟ وكيف تطورت؟!
لقد خضعت أيديولوجية ثورة 23 تموز/ يوليو إلى تطورات عميقة خلال الشوط الطويل الذي قطعته. وكانت أحداث أيلول/ سبتمر 1961 في دمشق نقطة تحوّل مهمة في تطور هذه الأيديولوجية، بحيث تبدو قيادة الثورة وكأنها تنساب بسهولة وروية من أفق أيديولوجي إلى آخر في اتجاه اليسار.
رغم الشكل العسكري الذي طبعت به أحداث 23 تموز/ يوليو، إلا أن أيديولوجية الثورة قد عكست- إلى حد كبير- عقلية الجماهير ونفسيتها ومطامحها (وجماهير الفلاحين خاصة). في هذه الأيديولوجية الجوانب القوية في الجماهير الفلاحية، وفيها جوانب ضعفها أيضاً. فيها أوهامها وفيها زخمها. فيها عفوية الجماهير الفلاحية وفيها إصرارها أيضاً. فيها رغبة حارة للإفلات من أسر الواقع، وفيها إدراك غامض لجوانب هذا الواقع أيضاً. يختلط الجموح الثوري فيها مع طيبة الفلاح المصري وطبيعته المسالمة. تلعن التقاليد والعادات والأطر الاجتماعية والاقتصادية الموروثة، ويشدها حنين خفي نحوها في الوقت نفسه. تؤمن بالعلم، إلا أن صدى السحر والخرافة لا يزال غلاف منطقها. وبكلمة: يتردد في هذه الأيديولوجيا الرجع الأخير لعقلية الفلاح المصري.
هذا هو الإطار العام والمناخ العام لأيديولوجية ثورة 23 تموز/ يوليو، رغم التطور الذي خضعت له، ورغم حديث “الميثاق ” عن الاشتراكية العلمية.
رغم أن ضرب قوى الإقطاع كان أولى خطوات ثورة 23 تموز/ يوليو، ولكن أيديولوجيتها كانت تنطلق من موضوعة، تعتبر التغيير الاجتماعي ممكناً عبر “التعاون الطبقي “، و”التعايش السلمي بين سائر الطبقات داخل الوطن الواحد”. هذه الأيديولوجيا “التعاونية” التي كانت مصحوبة دوماً برغبة جادة في التغيير الاجتماعي، جاءت تعبر- موضوعياً- عن موقف الحكم والوسيط على الصعيد الطبقي، مفترضة قيادة الثورة كنخبة عائمة فوق جميع الطبقات، ممثلة مصالح كل المجتمع. هذه الموضوعة الوسيطية، هي التي جعلت السلطة- الثورة عاجزة عن إيجاد مناخ ملائم لخلق تشكيل سياسي، يمثل مطامح الجماهير الشعبية، كما أنها كانت الأب الروحي الذي أنجب الطرح السياسي المسمى بـ “الاتحاد القومي “.
يفلسف الرئيس عبد الناصر الاتحاد القومي بقوله :
“… إن الاتحاد القومي ليس حزباً، وإنما هو وطن بأكمله داخل إطار واحد، يتساوى الجميع على صعيده، وذلك لكي يصنع سلمياً تطوره الكبير، ويحقق أهداف ثورته التي لا بد من تحقيقها. الاتحاد القومي وسيلة لكي تتفاهم الطبقات وتتراضى بدل أن تتصارع.. “.
إن وضع العواطف فوق الحقيقة والواقع ومحاولة “صنع التطور الكبير” عن طريق النيات الطيبة والنصح، لم يجد فتيلاً مع الرجعية، لأن الصراع الطبقي أمر واقعي راسخ يفرض نفسه على الحياة، إنه محرك تطور المجتمع، فالتطور الكبير لا يمكن أن يصنع إلا من دون الرجعية، وضد مصالحها أيضاً. وكانت النتيجة المباشرة لهذه “العواطف ” السلمية الوسيطية تباطؤ التطور، وتأخر التغير الاجتماعي، وإبقاء الثورة في خطر ماثل يترصدها. إن الدعوة للتعايش الطبقي تعني- عملياً- وقف حركة الجماهير، وشل نضالها ضد الرجعية. ولقد جرّت هذه الموضوعة فعلاً إلى تجميد النهوض الشعبي، وتكلس المبادرة الجماهيرية.
إن وهم التعايش الطبقي والتفاهم الطبقي دفع إلى اعتبار الدولة كقوة فوق الطبقات.. كحكم بينها. يقول الرئيس عبد الناصر:
“… تحمي الدولة كل طبقة من الأخرى، وكل صاحب مصلحة من صاحب المصلحة الأخرى.. وهي التي تجعل التوافق كاملاً بين جميع المصالح وبين جميع الطبقات في نفس الوقت… “.
حقاً إن اعتبار الدولة قوة وسيطة بين الطبقات، بعد أن كانت أداة بيد الإقطاع والرأسمال الاحتكاري قبل 23 تموز/ يوليو، يعتبر خطوة إلى أمام. إلا أن هذا التطور، الذي وصل إلى مرحلة توازن بين القوى الطبقية المتناقضة، لكي يأخذ أبعاده الاشتراكية، لا بد أن يحطم هذا التوازن لمصلحة الجماهير الكادحة. إن ثورة 23 تموز/ يوليو في معاناتها الحقيقية للواقع، وفي تصميمها الحازم على متابعة النضال لإحداث التغيير الاجتماعي، وجدت نفسها مجبرة على تحدي مصالح الطبقات المستثمرة، ومدعوة بالنتيجة إلى ضرب هذه المصالح. وبما أن معارك التغيير قد جرت في مناخ سياسي جمّدت فيه الثورة النهوض الشعبي، وشلت المبادرة الجماهيرية، فقد استطاعت الرجعية أن تضرب الثورة في نقطة ضعفها… في دمشق في أيلول/ سبتمبر 1961. هذا الارتطام العنيف بالواقع، حطّم أسطورة التعاون الطبقي، وفضح خرق وتهافت أيديولوجيا “الاشتراكية التعاونية” (أي الاشتراكية القائمة على تعاون الطبقات).
إن ما هو خطير وأساسي في أخطاء ثورة 23 تموز/ يوليو، قد نبع عن الوهم التالي: إمكانية السير في الطريق الاشتراكي مع تجنب الصراع الطبقي. لقد تعلمت الثورة بالتجربة المرّة القاسية أن مثل هذه الموضوعة مناقضة للواقع الاجتماعي الملموس، ومغايرة لحقيقة التطور التاريخي. وإذا جعلت الثورة درس الانفصال منطلقاً لنضالها العملي، فإنها ستتغلب حتماً على مظاهر الخطأ والتردد التي نجمت عن تطبيق الأيديولوجيا التعاونية.
أما الجانب الآخر من الموضوع، فهو أن التطور، وقد سار في اتجاه البناء الاشتراكي أخذ يطرح ضرورة تعبئة شعبية شاملة، تستطيع تلبية مقتضيات البناء الاشتراكي على نحو جدي وسريع، هذه التعبئة الشعبية تقتضي انتهاج سياسة طبقية حازمة وواضحة، وهذا يعني إطلاق مبادرة الجماهير السياسية، لكي تتولى مهمة الحماية والرقابة والتطور من جهة، ويعني أيضاً متابعة تدمير الأسس الموضوعية للقوى المعادية للاشتراكية في سائر قطاعات الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية. إن القلة البيروقراطية ستشوه التطور الاشتراكي، وتسلبه مضمونه الإنساني، وتعرقل تعميقه. إن الاشتراكية لا يمكن أن تتحقق وتتطور إلا مع الجماهير الشعبية، وبالاعتماد على مبادهتها والثقة بامكانياتها.
في قرارات تموز/ يوليو 1961 بلغت الثورة مفترق الطرق. وكانت أحداث دمشق في أيلول/ سبتمبر 1961 إيذاناً بذلك. ولولا موقف الرجولة الذي اتخذه عبد الناصر لامتد الوباء الرجعي إلى القاهرة. لقد أصبحت ثورة 23 تموز/ يوليو بعد الانفصال أمام ثلاثة احتمالات:
1- إما أن تعاجلها الرجعية- وهي في عزلة عن الجماهير الكادحة- بضربة مميتة قاضية .
2- وإما أن تطوقها البيروقراطية نهائياً بسور منغلق يجمدها في منتصف الطريق (في رأسمالية الدولة)، وتمنع انطلاقها وتطورها، فتبني مجتمعاً هجيناً مشوهاً متناقضاً راكداً خالياً من القيم الاشتراكية الحقيقية.
3- وإما أن تتحول كلياً، وبلا تردد، إلى الالتزام الإيجابي الديمقراطي بالجماهير الكادحة.
ولقد كان في إعلان “الميثاق ” مساء21/ 5 /1962 ما يشير- من حيث المبدأ- إلى أن قيادة الثورة (وعبد الناصر بالتحديد) قد اختارت طريق الجماهير. لقد جددت كارثة الانفصال النبض الشعبي للثورة . ولقد انعكس هذا النبض بصورة واضحة (وإن كانت غير كاملة وغير حاسمة) في ذلك الميثاق.
لسنا- الآن- بصدد تقديم دراسة حول الميثاق، وسنكتفي بإلقاء نظرة عامة ، ثم نورد بعض الملاحظات حول الاتجاهات الجديدة والمهمة فيه:
1- على بالرغم من أن الميثاق موجّه- بشكل عام- لرسم الخط العام لسير التطور في القطر المصري في المستقبل القريب (وخلال السنوات الثماني القادمة على وجه التحديد)، ولكنه قد توجه أيضاً إلى تجربة السنوات العشر الماضية بالنقد والتحليل. فالميثاق- إلى حد كبير- نقد مباشر، وغير مباشر لتلك الفترة. وكانت منطلقات هذا النقد يسارية، تناول جوانب الضعف في الواقع الراهن للتجربة، كما تناول جوانب الخطأ في التجربة الماضية. إلا أن هذا النقد جاء وفق أسلوب إيجابي وعام وعريض، لذا كانت تنقصه الجرأة والحسم الذي يعزي الخطأ من جذوره، ويحلل- بتفصيل- الظروف التي ولدته. وإن أسلوباً كهذا في النقد، هو الذي يمكن أن يهيئ- على نحو أكمل- وسائل تصحيح وتطوير التجربة في حالتها الراهنة. لقد لخص الميثاق التطور السابق للثورة وأستخلص معطياته، وفي ضوء ذلك رسم آفاق التطور في القطر المصري. ويمكن القول- بشكل تقريبي- إن الميثاق يشكل نقطة انطلاق صحيحة من حيث اتجاهها العام.
2- يشير الميثاق إلى أن “الاشتراكية العلمية هي الصيغة الملائمة لإيجاد المنهج الصحيح للتقدم “. ولكن الميثاق في تحليله للأمور، لم يلتزم الاشتراكية العلمية على نحو كامل ودقيق، فلم يضع الميثاق حدوداً واضحة بين الأهداف البعيدة للثورة، وبين أهدافها المرحلية. هذا الخلط بين التطلعات البعيدة، والأهداف المرحلية هو ضرب من الخوف البرجوازي الصغير، لا بد أن تستخدمه العناصر المحافظة لكي تمنع. التطور، وتدافع عن مواقعها المنهارة. إن الميثاق بحاجة إلى تحديد ووضوح أيديولوجي، لكي يقطع الطريق على التيارات البرجوازية الصغيرة في محاولتها اعتبار الأهداف المرحلية للتطور الثوري، وكأنها خاتمة المطاف.
3- على الرغم من أن كامل وسائل التمويل، وثمانين بالمئة من وسائل الإنتاج قد أصبحت ضمن نطاق الملكية العامة للشعب، إلا أن البرنامج الذي حدده الميثاق لمتابعة التحويل الاشتراكي في مجمل القطاعات غير شامل وبطيء معاً. ففي السنوات الثماني القادمة- في رأينا- يجب أن ننجز ثورة زراعية الا إصلاحاً زراعياً فحسب)، وفق شعار “الأرض لمن يزرعها”، كما ينبغي أن تنفذ هذه الثورة بواسطة الفلاحين- لا البيروقراطية- كما يجب إتمام تحويل جميع وسائل الإنتاج إلى ملكية الشعب، وتأميم التجارتين الداخلية والخارجية، بالإضافة إلى تأميم وسائل الخدمات المهمة والثروات العقارية الكبيرة والوسطى في المدن.
ضرب من “التهريب ” الأيديولوجي البرجوازي الصغير أن يصطنع الميثاق تقسيم رأس المال إلى رأسمال مستغل وآخر غير مستغل، وملكية مستغلة وأخرى تؤدي دورها في بناء الاقتصاد، لكي تُبرز خطة السلطة في سيرها البطيء نحو إتمام التحويل في القطاع الاقتصادي. فالملكية إذا تعدت حدود الاستعمال المباشر والشخصي، لا بد أن تكون مستغلة. ومهما كانت الرقعة التي يمارس فيها رأس المال نشاطه ضيقة، أو نسبة المردود الذي يعطيه منخفضة، فإن هذا لا يمحو عنه صفة الاستغلال، إذا كنا نعتبر العمل الإنساني المصدر الوحيد للقيمة. فالليل قد يكون أسحم وقد يكون أغبش أيضاً، ولكننا لا يمكن إلا أن نسميه ليلاً في كلا الحالين. لقد كان ممكناً أن تبرر السلطة خطتها وفق أسلوب آخر، كأن يقال مثلاً إن السير المرحلي للثورة يقتضي التعاون مع البرجوازية الصغيرة وبقايا البرجوازية، أما أن يُسدي الميثاق النصح للقطاع الخاص (دونما تحديد لمضمونه الطبقي) وأن يطالبه بأن “يجدد نفسه، وبأن يشق بعمله طريقاً من الجهد الخلاق لا يعتمد كما كان في الماضي على الاستغلال الطفيلي “… فإننا نرى في ذلك قفزاً فوق الخصائص الثابتة والمطلقة لرأس المال بصورة عامة، ولرأس المال في البلدان المتخلفة بصورة خاصة، كما نرى فيه- تبعاً لذلك- حواراً رومانتيكياً مع أصم لا يمكن أن يستمع إلا لنداء مصالحه المباشرة الأكيدة.. إن في هذا “النصح ” لمنطقاً برجوازياً صغيراً .
4- على الصعيد النظري، رسم الميثاق أفقاً صحيحاً لإقامة ديمقراطية شعبية، تستطيع خلالها الجماهير العاملة أن تمارس دورها في تطوير الثورة:
أ- لقد فضح الميثاق الديمقراطية البرجوازية- الإقطاعية. ولقد أمسك بحقيقة علمية راسخة، وهي: “أن النظام السياسي في بلد من البلدان، ليس إلا انعكاساً مباشراً للأوضاع الاقتصادية”. إن هذه الحقيقة يمكن أن تشكل منطلقاً اشتراكياً لموقف مبدئي من أنظمة الحكم التقليدية، كما يمكن أن تتيح “فضح التزييف المروع في ديمقراطية الرجعية التي حكمت باسم التحالف بين الإقطاع ورأس المال المستغل “، وهي التي ستمكن الثورة من أن “ترسم من الواقع وبالتجربة وتطلعاً إلى الأمل معالم ديمقراطية الشعب كله “.
ب- أشرنا- قبلاً- إلى خرافة التعايش الطبقي التي حطمتها أحداث أيلول/ سبتمبر 1961 في دمشق. لقد كانت هذه الخرافة عائقاً جدياً أمام بناء ديمقراطية شعبية، إلا أن ثورة 23 تموز/ يوليو قد تعلمت بالتجربة المباشرة خرق هذه الموضوعة، وجاء الميثاق ليعلن أن الصراع الطبقي حقيقة ملموسة، تعيش في الواقع، وتعانيها الجماهير. إن التطبيق العملي الجدي للصراع الطبقي، يقضي فتح الطريق لممارسة ديمقراطية، تتيح تأطير الجماهير الكادحة، وانضاج وعيها الطبقي. إن الممارسة السياسية للصراع الطبقي، هي التي تملأ الصراع ضد الرجعية بمضمون ثوري واشتراكي.
ج- إن ثورة 23 تموز/ يوليو في كفاحها ضد الاستعمار، عمدت إلى إلغاء حرية الطبقات والفئات الضالعة مع الاستعمار، ولكن الثورة لم تكتف بإلغاء حرية الطبقات الرجعية فحسب، بل ألغت حرية الجماهير الشعبية أيضاً . لقد حللنا في مكان آخر من هذا البحث أسباب هذه الظاهرة، وكشفنا عن جذورها، إلا أننا نريد أن نضيف إلى ذلك السبب التالي: إن التناقضات الجزئية وغير المتنافية التي وجدت بين قيادة الثورة والجماهير العاملة، قد استغلتها العناصر الوسطية وغير الاشتراكية في قيادات الثورة، لتحرم الجماهير الشعبية حريتها أيضاً . لم تستطع قيادات الثورة أن تميز بوضوح بين نمطين من التناقضات: تناقضات الثورة مع الرجعية، وهي تناقضات أساسية متنافية (بحسب تعبير ماوتسي تونغ)، وتناقضات الثورة مع الجماهير الشعبية، وهي تناقضات جزئية وودية. إن الخلط بين هذين النوعين من التناقضات، بالإضافة إلى توجس الثورة المسبق من الجماهير، هو الذي يفسر موقف الثورة من حرية الجماهير الشعبية.
إن الشعار الذي طرحته الثورة: “إن الخبز للجميع مقدمة لا بد منها حتى تكون هناك الحرية للجميع… “، إن هذا الشعار، وإن كان يعبر عن فهم جزئي ومشوه لطبيعة النضال التقدمي، إلا أنه يعبر في الوقت نفسه عن التزام بمصلحة الجماهير أيضاً. ولكن هذا الالتزام جاء على شكل أبوي، فكانت علاقات الثورة مع الجماهير علاقات وصاية. إن التزام مصلحة الجماهير والوصاية عليها في الوقت نفسه، لم يتح خلق الجماهير المنظمة الواعية لمصالحها الطبقية، بل خلق الجماهير المتحمسة السديمية.. وجماهير في حالة كهذه لا يمكن أن تكون قاعدة متينة وفعالة للديمقراطية الشعبية، لأن جوهر هذه الديمقراطية مستمد من الإسهام الإيجابي لا الموافقة السلبية فحسب. إن الإيمان بالديمقراطية الشعبية هو الشكل العملي للإيمان بالجماهير الشعبية المنظمة القائدة.
الحقيقة ثورية وأخلاقية دوماً. والديمقراطية هي التي تتيح للحقيقة التفتح، وإن غرس فكرات الديمقراطية الشعبية، لا يتأتى وفق أسلوب مفاجىء، يسقط من عل كمنحة من الحاكم عندما يقتنع أن الجماهير قد شبت عن الطوق، فالديمقراطية لا يمكن أن تؤجل أو تقنن، ولا توضع على الرف اليوم زعم ممارستها غداً عند النضج، فالنضج السياسي وليد الممارسة الديمقراطية بالدرجة الأولى. فالديمقراطية اليوم هي أمر لا بد منه للديمقراطية غداً ، لأن ممارسة الديمقراطية على نحو ناضج ومسؤول ومنضبط ، لا يمكن أن يتهيأ إلا بالممارسة الدائمة والمعاناة. فلكي نتعلم السباحة غداً، يجب أن نمارسها منذ اليوم.
لقد رسم الميثاق أفقاً نظرياً سليماً لممارسة الديمقراطية :
“.. إن ممارسة الحرية بعد العملية الثورية الهائلة بإعادة توزيع الثروة الوطنية في تموز، يوليو 1961، لا تشكل خطراً على أمن النضال الوطني، بل إنها صمام الأمان له، فإنها تخلق القوة الشعبية القادرة على الانقضاض على كل محاولة للتآمر والقيام بانتكاس يسلب الشعب ثمار نضاله، كذلك فإن ممارسة الحرية تخلق القيادات المتجددة للعمل الثوري، وتوسع هذه القيادات، وتدفعها دائماً إلى الأمام، وتخلق قيادة من التفكير الجماعي القادر على صد نزعات التحكم الفردي، ومن ثم فهي توفر للعمل الوطني ضمانات بعيدة المدى.. “.
د- قلنا- قبل قليل- إن التزام الثورة بالجماهير جاء على شكل أبوي، لذا فإن الثورة، وإن استطاعت أن تنفذ إلى الجماهير وتحرك أكثرها جهلاً وتأخراً وسلبية، ولكنها لم تتقدم بالجماهير إلى الخطوة الثورية الثانية إلى تنظيمهم، فبقيت- رغم تحركها- في حالتها الخام، وفي وضع سديمي مبعثر. إن الاستيعاب الحقيقي للتحرك الثوري، لا بد أن ينتهي إلى صب قوى الجماهير العفوية في تنظيم يمنحها القوة والنضج معاً ، ويفتح أمامها- بالتالي- فرصة ممارسة قيادة فعلية في التطوير الثوري الاشتراكي للمجتمع المصري.
إن الثورة التي اجتازت تجربة المراهقة الفكرية ( كما يقول الميثاق ) بعد معاناة حقيقية للواقع الملموس، وبعد أن باشرت مهمة التطوير والبناء الاشتراكي، وبعد تجارب عشر سنين من الخطأ والصواب، أمسكت- نظرياً على الأقل- بجوهر العمل الثوري، وبكلمة السر فيه، عندما أعلن الميثاق هذه الحقيقة: “الشعب قائد الثورة”. ولكن لكي يكون لهذه الموضوعة مضمون عملي يجب ألا تكون تبريراً لعدم وجود الشعب المنظم. فلن يستطيع الشعب ممارسة دور قيادي فعلياً ، وهو في وضع سديمي. الشعب القائد هو- من الناحية العملية- طليعته المنظمة في تشكيل سياسي ثوري.
5- لقد تناول الميثاق مشكلة البيروقراطية في معرض بحث مشاكل التطبيق الاشتراكي. وإذا أخذنا بعين الاعتبار عمق النفوذ البيروقراطي في السلطة، فإننا لا بد أن ندرك الأهمية التي يرتديها طرح هذه المشكلة.
جاء في الميثاق:
“… والقيادات الجديدة لا بد لها أن تعي دورها إلاجتماعي. وإن أخطر ما يمكن أن تتعرض له في هذه المرحلة، هو أن تنحرف متصورة أنها تمثل طبقة جديدة حلّت محل الطبقة القديمة، وانتقلت إليها امتيازاتها… “.
ورغم أننا نعتقد أن مجرد طرح المشكلة خطوة إلى أمام، إلا أن الميثاق لم يضع المسألة في إطارها الواقعي والطبقي، ومرّ عليها بسرعة، وتحدث عنها باقتضاب، في حين أن المشكلة البيروقراطية في القطر المصري هي من أكثر المشاكل تعقيداً، ومن أكثرها إلحاحاً أيضاً. ولهذا يمكننا القول إن المشكلة لم تطرح في الميثاق على نحو موازٍ لأهميتها وخطورتها والحاحها.
إن الواقع الموضوعي للبيروقراطية، يجعل منها طبقة جديدة فعلاً، وهي ” لا “تنحرف ” عندما تصبح طبقة جديدة، لأن تلك حقيقتها الموضوعية. إن الطرح المثالي لقضية البيروقراطية، والنصح الوعظي لها لن يغير الواقع الاجتماعي. إن الأدوات الموضوعية في النضال ضد البيروقراطية هي الديمقراطية الاشتراكية والجماهير الكادحة المنظمة. وعندما تتوفر مثل هذه الأدوات، يصبح ممكناً النضال المجدي ضد البيروقراطية.
بقيت كلمة أخيرة حول الميثاق: إنه خطوة مهمة في الطريق نحو تلمس الحقيقة الثورية، ولكنه بحاجة لوضوح وتحديد وحزم.
إن ما هو أكثر أهمية من الميثاق الأدوات الموضوعية التي تنفذه. فهل تستطيع الثورة كسر الحصار البيروقراطي لتصل إلى أمها.. إلى الجماهير الشعبية؟!

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s