قراءة لكتاب علي البلهوان .. نحن أمة … عز الدين دياب

قراءة لكتاب علي البلهوان نحن أمة
عز الدين دياب

دواعي القراءة
كان لقائي مع تونس الخضراء في خريف عام خمس وثمانين وتسعمئة وألف وبعد أيام قليلة من مكوثي فيها تزاحمت في خواطري مجموعة من المشاعر والأحاسيس وكلها تلح علي للاختلاط بأهلي في تونس والبحث عن أصدقائي وزملائي أيام التلمذة والدراسة ، وعن طلابي أيام كنت أدرس في الجامعة . سارعت إلى الأحياء القديمة أجوب أزقتها وشوارعها، وأمضي الساعات الطويلة فيها ألاحظ وأشاهد أستمع وأتأمل وأدرس . آكل وأشرب بين الناس ومعهم وأجلس في المقاهي الشعبية ، وفي الليل أذهب إلى السينما والمسرح ، وكلما توطدت علاقاتي بتونس الشعب والذات والكفاح ، كلما شعرت بقوة الحوافز التي تقوي من شغفي وفضولي لمعرفة كل شيء عن تونس لأن هناك أشياء وأشياء يجب أن تعرف .
وبعد مضي شهر تحركت إلى الريف وفيه عرفت صبر شعب ، وتعب أجيال ، وكفاح إرادة، والإصرار على التقدم وبناء الحضارة . وممارسة دور تاريخي في رسالة بدأها من القيروان، ومنها تستعد تونس للبدء بها من جديد في عهدها الجديد .
وفي تجوالي وترحالي بين ربوع تونس شاهدت في وجوه الناس صورة أمي وأبي وأخي وأقاربي وأولادي، وسمعت حوارهم الذي لا يتوقف أبداً حتى في صمت الليل . وكم من حلم عربي شاركتهم فيه بلا تحفظ وبكتمان فطري .
وشاءت الظروف أن تقع بعض الأحداث القومية على الساحة العربية ، وخصوصاً على بطاح أرض فلسطين منها . وشاهدت وقع هذه الأحداث داخل الخيال الاجتماعي للشعب التونسي، وكانت المشاهدة تتم بفعل موجات وسيالات متدفقة نحو خيالي الاجتماعي ، وما هو مكبوت في داخلي . وتناغم ما به مع حوارهم الداخلي ، حول المستقبل وحركة المصير العربي . و أشهد أني وقفت مشدوهاً أمام وعي هذا الشعب وعناده وروحه العربية ، وأقسم أيضاً أني تعلمت منه الكثير .
وبعد أشهر كثيرة من إقامتي في تونس ، شاءت الصدف أن أمر في أحد الشوارع العتيقة في العاصمة . وكأني على موعد مع مسيرة شعبية شاء قدري أن أكون جنباً إلى جنب مع جمهورها، وكانت المناسبة على ما أذكر، التضامن مع شعب فلسطين في الداخل . ومن بعيد راقبت المسيرة واستمعت إلى الهتافات والشعارات ، ولست أدري كم من حلم حلمت .. وكم من صورة أحييتها ورددتها إلى وعيي .. وكم من زفرة أطلقتها حسرة على ربيع الحركة العربية الذي دفنت خضرته في يم التزوير والقهر والاستبداد .
وفي لحظات الحلم كنت أنسى نفسي وأحلق في سماء العروبة بلا حدود، ودون أن أدري كان صوتي ينطلق مشاركاً في هتاف . وإن يدي تتحرك محتجة أو متوعدة . أو مؤيدة أو مستنكرة . لكني وأنا الذي أخذت على نفسي عهداً أن لا أتدخل في أي نشاط سياسي حفاظاً على المعاملة الكريمة التي عاملتنا بها السلطات الرسمية . كنت أتمالك نفسي واضبط انفعالاتي ، وأعود إلى وضعي كمتفرج في لحظة ، وكحالم في لحظات .
وبعد رفقة سعيدة وغالية مع هذه المسيرة ، كلمت نفسي كلمات واعدة ، وبدأ ذهني يشحذ فكرة خطرت لي حول انتقال المواقع في الحركة المصيرية للأمة العربية . وقلت لقد جاء دورك يا تونس يا أم العروبة لتشغلي هذه المهمة الحضارية .
وفي طريقي إلى المنزل الذي كنت أقيم فيه قررت أن أتعرف على رجالات الفكر في تونس بعد أن عرفت ابن البلد، وعرفت ابن القرية ، والعامل، والبحار، والراعي ، وفي مكتبات تونس ودور نشرها رحت أبحث عن الحداد ، والثعالبي، وصفر، والبلهوان وأبو القاسم كرو، والهرماسي، وشقرون، وجعيط وغيرهم قدماء ومحدثين ومعاصرين .
وصدفة أيضاً أشار إليّ أحد الأصدقاء أن أقتني كتيب ابن تونس الفطن علي البلهوان ((نحن أمة)) الذي نزل إلى السوق بطبعته الجديدة في مطلع شهر ديسمبر عام 1990 علماً بأن الكتاب قد صدر لأول مرة في عام 1944.
قرأت الكتاب أول مرة . ثم أعدت قراءته ثانية بعد فترة طويلة من الزمن وكانت هذه القراءة مواصلة للاستماع إلى ((المينولوج)) الداخلي للشعب التونسي على أمل زيادة فهمي واستيعابي له ، حتى إذا أردت أن أقول كلمة بشأنه ، أن أقولها بحق وصدق لصاحبي في المشرق العربي أو في كل مكان يدعوني الواجب إلى قولها ، والصرح بها من أجل استمرار الحوار بين أبناء العروبة وإغناء الحلم فيهم ، ثم من أجل عقبة بن نافع جديد .
إذاً فالقراءة في أصلها ما هي إلا نموذج لاستكمال الحوار مع وعي تونس وعقلها وخيالها الاجتماعي الذي يعبر عن بعض مشاهده كتاب ((نحن أمة)) وغيره من الكتب والدراسات، والأبحاث، والروايات، والدواوين الشعرية التي كتبت بأقلام تونسية في الوطن أو المهجر.. بالأمس واليوم .
وما دامت قراءة الكتاب قد تميزت من البداية بهذه الطلعة الحوارية – إذا جاز هذا التعبير- فإنها تعتبر الخلجات السابقة التي اعتبرت نفسها بمثابة توطئة أو دواعي المطالعة ، والعرض جزءاً من القراءة لأنها في أساسها من منبت الحوار الداخلي ، وعلى هذا الأساس فإنها – أي القراءة – ستلتزم التحري والعرض والإعلان والمناقشة للكثير من الأفكار التي سيتضمنها الكتاب، باعتبارها أفكار وآراء قومية متقدمة في مرحلتها ، وهي لبنة من لبنات العقيدة العربية .
إذاً ، فإن أهمية الكتاب القومية هي التي جعلت مراجعتنا له وعرضنا لمحتوياته تتم بأسلوب ومنهجية قومية ، ترى أن الانحياز إلى الحقيقة هو الذي يعطي الباحث والكاتب العديد من الفرص للتعامل مع الموضوعات الفكرية ، وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق منها بالمصير العربي المشترك، بالسهولة المنهجية التي تتعامل مع النص في سياقه التاريخي ، كما أنها لا تعقد المفهوم أو المصطلح، ولا تحمّله أكثر من طاقته . وفي الوقت نفسه فإنها تعطي الجانب العفوي والإيمان داخل بنية المفهوم القيمة العلمية التي يستحقانها ، لذلك تحاول القراءة القومية جاهدة ان تتعامل مع المفاهيم الخاصة بالأمة الواردة بكتيب البلهوان ((نحن أمة)) بالسهولة والبساطة التي يتميزان بها داخل النص .
الواجب القومي والمعرفي في قراءة الكتاب :
بناء على ما تقدم فإنه يتأكد للقراءة نفسها منذ اللحظات الأولى التي تؤذن بها بالكتابة عن قضايا الأمة، أن الكتابة تشكل واجباً معرفياً ؛ وقومياً في آن معاً . في عصر انهيار ((منظومة الدول الاشتراكية)) حيث شكل هذا الانهيار المؤسف شهادة تاريخية للفكر القومي العربي عندما كان يتصدى للفكر الماركسي، فإنه لم يكن يقوم بهذه المهمة الفكرية النضالية من موقع العداء لهذا الفكر على الإطلاق، وإنما من أرضية الصراع على الدور في قيادة معركة المصير العربي المشترك . فقد كان مستحيلا على الفكر القومي أن يتنازل عن هذه المهمة ، وهو الذي وثق بنفسه وعرف أنه يعبر عن حقائق الحياة العربية ، وجدلها الاجتماعي في سعيها المشروع لتحقيق الوحدة العربية .
وما دامت القراءة محملة بالواجب فإنها تحب أن تنوّه إلى مسألة في غاية الأهمية ، وفي عصر يغلي بالأحداث الجسام ، وتتزاحم فيه التغيرات المتضادة ، وهي أن ما يجري على الساحة العربية والدولية قد كشف العديد من أسلحة التزوير والتشويه التي دخلت عن قصد وسوء نية إلى ساحة معركة المصير العربي المشترك ، للاجهاز على الفكر القومي ، وإفراغ أهدافه من مضامينها الحقيقية ، وضرب توجهاته تحت أسماء وعناوين كثيرة لا مجال لذكرها وأهمها ضرب الوحدة العربية ، بـ ((الوحدة)) التي يروج لها ((وحدويو التجزئة)) في الوطن العربي .
وإذ ثنبه القراءة إلى هذه المسائل الحساسة فإنها تريد أن تقول إن الواجب بشقيه المعرفي والقومي تحيط به المخاطر من كل صوب وجانب ، لأنه لا تزال هناك قوى مضادة مستنفرة كل إمكانياتها للاطاحة بقضية الوحدة العربية ، لأن الوحدة العربية في حقيقتها تشكل المقتل الحقيقي لتلك القوى المضادة . ويجب أن لا ننسى أبداً أن هذه القوى معنية بحكم دورها ، وهو النفاذ إلى قلب المعركة الفكرية وفتح ثغرات وثقوب في البناء الفكري لهذه المعركة تكون كفيلة على أقل تقدير، بإحداث اللغط والغموض والتعقيد في مفهوم الأمة العربية ، والوحدة العربية على وجه التحديد .
من هنا وهناك داخل مسرح الصراع الفكري في الوطن العربي بات لزاماً علينا أن نحول الكتابة في هذه القضايا إلى مهمة معرفية وقومية في آن معاً حتى تتكافأ . على أقل تقدير مع القوى المضادة في الصراع الفكري الذي تشهده الساحة العربية ، والمعلوم أن هذا الصراع بأصله وفصله في أمة مثل الأمة العربية . لم تستعد حتى هذه اللحظة وحدتها، ولم تمارس دورها الحضاري الجديد له خصوصيته وظرفه التاريخي ، وشرطه الثقافي وعوامله السياسية التي تشكل مناخاً ملائماً ومناسباً لتسلل القوى المضادة إلى الساحة الفكرية من أجل إدخال الغموض والفوضى والتناقض والتحريف ثانية إلى متن القضايا الفكرية المصيرية تمهيدا لإرباكها ثم حرفها وتشويهها ، ثم الإطاحة بها في خاتمة المطاف .
هذا الحذر إذ يظهر بهذه الحدة هنا فإنه يريد أن يجعل من نفسه مدخلا للعودة إلى الواجبين المعرفي والقومي بعد أن يؤكد على أمر في غاية الأهمية ، وهو أنه قد آن الآوان لطلائع الفكر القومي العربي سد الأبواب والثغرات أمام القوى المضادة حتى لا تنجح في مهمتها بالعودة ثانية إلى مواقع متقدمة في العمل الفكري القومي . إن ذلك يتم من خلال الرجوع الرصين المحمل بدروس التجربة إلى فكر البدايات ومنطلقاته النظرية المتميزة في الإيمان بحقيقة الأمة العربية وأهمية التراث العربي في معركة الحضارة العربية ، والمحافظة على الأمة ، لأن الأمة العربية لايمكن أن تتخلى عن تراثها ، فهو ما تبقى إيجابياً فيها. وبأن العروبة ريانة وشامخة في الذات العربية ، وبأنها مستمرة داخل عفوية الشعب العربي . هذه العفوية التي شكلت على مر الزمن احتياطاً للقوى المنظمة في وحدة معركة المصير العربي . وزادها في كفاحها وجهادها في مختلف العصور .
من هذا المنحى للصراع الفكري في الوطن العربي يصبح الحديث عن إشكالية الأمة العربية واجباً معرفياً لأنها تعرضت إلى عملية تشويه وتزييف من قبل أدوات معرفية تنتمي لسياقات فكرية لا تخص من قريب أو بعيد المجتمع العربي . ومن هنا، من منطق الواجب القومي تنوه القراءة إلى ضرورة الفصل المعرفي بين هذه الأدوات وأقرانها في النسق المعرفي في تجربته العربية . وهذا معناه في منطقنا أنه وإن كانت هناك أدوات معرفية مشتركة في التجربة الإنسانية والفكر العالمي، إلا أن هناك منهجية خاصة لاستعمال هذه الأدوات من قبل كل تيار فكري داخل تجربته الاجتماعية وسياقها التاريخي .
انطلاقاً من كل الحقائق السابقة التي التزمت القراءة القومية بتكثيفها وتقديمها على الطريقة التي قدمت بها، فإن الواجب المعرفي والقومي في آن معاً يبرزان على الفور بتصحيح مسار مفهوم الأمة من خلال الاعتراف بوجودها الحتمي والحقيقي ، ثم من خلال تجذير الولاء لها الذي يمر من خلال الإيمان بها والاعتراف بحقيقتها على مر العصور . وهنا يتوحد الهم العقائدي ((الأيديولوجي)) والمعرفي ويصبح الشعار دالاً على المصطلح ومؤشراً عنه . كما يتحول التسويغ بصورته المنطقية إلى عمل نضالي في خدمة التحليل من جانب ، وضد المحاججات التي تريد أن تعقد ثانية قضية الأمة لا ان تجعل منه سندا لها ولقضاياها من جانب آخر . وخاصة في أعقاب المقالات في مسألة الحدود ، والقول عن مواطن عربي ذهب إلى قطر آخر للنضال والمقاومة ، بأنه جاء من وراء الحدود ، وأن أهل مكة أدرى بشعابها تعبيراً عن النزعة القطرية
علي البلهوان ومنطق المرحلة :
تريد الأفكار السابقة بعد أن وظفت نفسها من أجل لفت انتباه القارئ العربي إلى طبيعة الصراع الفكري في الوطن العربي أن تكمل واجبها المنهجي بإصرارها على تسليط الأضواء اللازمة على المعالم الأساسية والرئيسية للمرحلة التي عاش فيها كاتبنا ، من أجل إزالة الالتباس حولها. حيث هناك بعض الكتاب العرب قد فكوا تلك المعالم من سباتها التاريخي ، ومن تجربتها الاجتماعية، ومن المستوى الذي وصل إليه تطور الفكر آنذاك كما إنهم حملوها أكثر من طاقتها وأسقطوا عليها بعض الصفات والخصائص والمضامين التي لا يمكن أن تتحملها . والتي تجعلها بالتالي غريبة عن نفسها .
من أول هذه المعالم بكل بساطة ، أن النضال الوطني في كل الأقطار العربية كان يقترن بالنضال القومي، ويتقارب معه في هذه المسألة وتلك . وعلى وجه التحديد في الانتماء العفوي للعروبة والإسلام . كما أن النضال الوطني بطابعيه الفكري والسياسي كان يتميز بالعفوية والبطولة المحاربة في آن واحد داخل الضمير الشعبي ، كما يتسم بصدق الإيمان .
ولكل هذا تفرد جيل البلهوان بالعطاء إلى الحد الذي أصبح فيه معلماً رئيسياً من معالم المرحلة التي عاش فيها الكاتب . وقد تميزت مرحلتهم بأشد هجمة فكرية وسياسية من قبل طلائع الفكر الأوروبي، وأتباعهم في الوطن العربي تحت شعارات وادعاءات سقطت كلها بلا شماتة . وعلى كاهل المدرسة الفكرية المتأوربة ومحافلها الفكرية تم توطيد الأعمدة القطرية في التراب الوطني. وفي غمرة انشغال القوى الوطنية والقومية في مهام التحرير السياسي، حاولت تلك الطوابير الإجهاز على ما تبقى من حيز أو فضاء اجتماعي للعروة الوثقى تحت شعارات وأطروحات جد طبقية لا تمت للتمايزات الاجتماعية في الوطن العربي بصلة من الصلات . وذلك حتى لا تبقى العروة الوثقى مطلباً شعبياً وملجأ أميناً لوحدة الكفاح العربي .
لاشك أن تلك المهام مجتمعة شكلت مقدمات لبناء صرح فكري يجعل من الوطن الواحد أمة ، كما يفكك الوطن إلى مجموعة من الكيانات القطرية الانفصالية التي تتحول بدورها إلى قوميات مصطنعة تعاكس العروبة بوصفها الرابطة الأصلية التي تشكل عصبية إنسانية للعرب .
على هذا الأساس فإن أبعاد تلك المرحلة إذ تتوضح بهذه الصورة ، فإنه يصبح معقولاً وممكناً عدم مطالبة الكاتب وأقرانه من رجالات الحركة الوطنية التونسية بدراسات فكرية عن الأمة بنفس المستوى الذي هي عليه الآن وتنوعاتها في المضامين . كما أصبح منطقياً الابتعاد عن تحميل المفاهيم والمصطلحات أكثر مما تحمله آنذاك يوم كانت الحدود السياسية غير موجودة في حقيقتها القطرية الانفصالية ولا كان التنكر للعروبة ثدياً يقبل أن يعيش منه البلهوان وجيله . كما لم يكن التنكر يمثل حالة هروب إلى الأمام . وفي داخل الوضع العام للمرحلة التي عاش فيها الكاتب فإن عدة مستويات من التقارب والتداخل والتشابك كانت قائمة بين مفهوم الوطنية والقومية ، والإسلام في جل الكتابات إلى الحد الذي أصبحت فيه ميسماً من مياسم مدرستهم الفكرية التي هي مدرسة الوطن والأمة في التحليل الأخير . بحيث يمكن القول إن مفهوم الوطن كان يؤدي دوراً وحدوياً يذكي الشعور القومي ، ويقوي إرادة الاستقلال ، والتحرر من الاستعمار . ولاشك أن التقارب النضالي اليومي بين تلك المفاهيم مثل القاسم المشترك بين كافة النزاعات والاتجاهات الفكرية ، سواء كان عند كاتبنا ، أو صحبه من المفكرين .
وعلى هذا الأساس لا غيره فإن إسهام هؤلاء في الكتابة عن موضوع الأمة لم يتعد الاختلاف في التجربة الشخصية ، بين هذا المفكر أو ذاك . وكذلك في تأثر كل واحد منهم بالفكر العالمي، مما أدى إلى تكوين مدرسة قومية أرست وعززت جملة من المبادئ والشعارات والمفاهيم والأطروحات التي شكلت بدورها سنداً ومرشدا للنضال العربي .
أما مسألة النجاحات والإخفاقات في مسيرة النضال القومي فإنها لا تمت بصلة لصميم مسألة وضوح المفاهيم ، و دقة تنظيرها ومشروعاتها .. وإنما تمت لصميم الممارسة السياسية التي تميزت بانفصالها وابتعادها عن الفكر والمبادئ .
نحن أمة :
يتألف هذا الكتاب من العناوين الاتية
مقدمتان الأولى (ص 3 – 31 ) للدكتور زهير الدوادي وهي بمثابة تعريف بالكاتب والكتاب، والثانية للمؤلف نفسه (37- 38).
2 – لا تعتمد الأمة على الجنس في تكوينها ( ص 39 – ص41 ).
3- ماهي الأمة (ص 41- ص 45)
4- مقومات الأمة (ص 46- ص 58)
5- وحدة المغرب العربي (ص 58- ص 62)
6- الدولة التونسية (ص 62- ص 64)
7- حياة الأمة التونسية في استقلال دولتها (ص 64- 65)
8- تونس تفقد استقلالها (ص 66- 67)
9- تقويض الاستعمار لمقومات الأمة (ص 68- ص 79)
في المقدمة يحاول الكاتب أن يحدد مسار الأمم من خلال تأكيده على قوة نفسيتها حيناً بعد حين، الأمر الذي يقوي الوحدة النفسية لأفرادها . ويختار المؤلف من خلال حسه العربي المثل على قوة النفسية العربية بعد أن يتساءل إذا كان ظهور النفسية الجديدة ممكناً . وفي سياق رده على سؤاله يقول بأن ذلك ” لم يكن مستحيلا إذا خلق الإسلام فيهم روحاً جبارة لا تنثني ولا تنهزم فكانوا كالموجة الخارجة من أعماق الشرق [ .. ] تقدمت بعد تقهقر. وراجعت تاريخها فبلغ وعيها القومي أشده .. “.
وفي المقطع الثالث من المقدمة يشير المؤلف إلى موقع تونس في الخارطة القومية العربية في قوله (( تونس والجزائر ومراكش ثلاثة أقطار وثلاث أمم كونتها الأجيال المتعاقبة منذ قرون وصبغتها صبغة واحدة في أمة واحدة ” .
والسؤال الملح والهام الذي تطرحه علينا مقدمة المؤلف ما هي الأمة عند المفكر علي البلهوان؟
إنها بكل جلاء ووضوح الأمة العربية . وبرهاننا على ذلك النص الآتي : ” فالأمة التونسية وإن كانت لها جميع مميزات الأمم ، ما هي إلا جزء لا يتجزأ من أمة المغرب العربي . كما أن المغرب نفسه جزء لا يتجزأ من الأمة العربية الكبرى . ومن الوطن العربي الأعظم شعرت أمة المغرب العربي بوحدة أقطارها وتضامنها القومي . وتنبهت لتاريخها الماجد، وتقدمت للقيام برسالتها الخالدة ، رسالة العروبة والإسلام ، بما احتوت عليه من أخوة بشرية ومساواة إنسانية، ومقاومة لكل ظلم ، وانتصار للعدل ، وتشجيع للعلم والمدنية . اليوم نراها أكملت وعيها القومي، وتيقنت أنها الجناح الأيسر للأمة العربية الممتدة من خليج فارس إلى شاطئ البحر الهندي، إلى المحيط الأطلسي، وأن نهضة الشعوب العربية بالمشرق عربون على استقلال المغرب “.
ويتبين من هذا المقطع الغني بأفكاره القومية الوحدوية أن المؤلف قد قال بأطروحة : الأمة ذات المستويات الثلاثة – على حد تعبير د. أنور عبد الملك :
1 – الأمة التونسية بوصفها جزءاً من أمة المغرب العربي .
2 – أمة المغرب العربي كجزء من الأمة العربية .
3 – الأمة العربية كمستوى نهائي وثالث لها .
وهو لا يقيم هذه المستويات على أسس آلية (ميكانيكية) وإنما يربط بينها بطريقة جدلية ، بحيث يكون التفاعل بين هذه المستويات متبادلاً . والجدير بالقول هنا إن المؤلف عندما يحقق هذه الطريقة من الترابط الجدلي ، يكون قد صاغ لنا قانون وحدة النضال ، ونضال الوحدة داخل جدلية هذه المستويات عندما قال بمنطق الأجنحة للأمة الواحدة وبتأكيده لنا بأن المستوى الأول يشكل الجناح الأيسر للأمة العربية الممتدة من الخليج العربي على شاطئ البحر الهندي إلى المحيط الأطلسي . وعندما يصر أيضاً على جدلية النضال العربي ورصيده في النهضة العربية ((نهضة الشعوب العربية بالمشرق عربون على استقلال المغرب)) .
ومما هو جدير بالذكر هنا أن فطنة المؤلف وحدسه القومي العفوي جعلاه يثابر على اكتشاف قوانين الوحدة ، وقوانين نضالها وتقدمها ، وذلك عندما قرن الأمة برسالتها ، أو دورها الحضاري . حيث إن التاريخ يقوم باختيار الرسالة للأمة على ضوء جدل الحضارات، وما يترتب عليه من نتائج لأن التاريخ وحده المسؤول عن إقامة التوازنات المطلوبة بين الأمم الكفيلة باستمرار الجنس البشري في إطار من توزيع الأدوار، كلما دعت الحاجة إلى ذلك . وقد اختار التاريخ للأمة العربية رسالتها الخالدة التي هي على وجه الدقة ((رسالة العروبة والإسلام إلى العالم، بما احتوت عليه من أخوة بشرية)) .
ولاشك أن المؤلف وهو يقرن الأمم برسائلها المتمايزة حضارياً . فإنه كان يريد أن ينبه إلى ((صراع الأدوار)) في التاريخ وإلى أهميته في تحديد ((صراع الحضارات)) .
ومن هذه النقطة المهمة والفاصلة في حياة الأمم التي نحددها بقانون صراع الأدوار على ساحة المعركة الحضارية، حيث تحاول كل أمة أن تصيغ الحضارة بصفتها هي، أي بقيمها وأخلاقها ومعاييرها ونظرتها، نشعر بأن المؤلف قد اعتبر أن صراع الأدوار يتحول إلى واجب قومي عند كل أمة . وهذا هو المبدأ الأول في تمييز الأمم بعضها عن بعض .
فالرسالة العربية الخالدة تتحول إلى هم وواجب قومي يقران بوجود الأمة العربية وباستمرارها، وهنا يتحول الدور إلى مسوغ أساسي لوجود الأمة ، فكلما قوي شعورها كلما تمكنت الأمة من تحويله إلى حافز نضالي في معركة المصير. وإذا كفت الأمة العربية عنه ضعف مسوغ وجودها، وأصبحت في عداد الأمم التابعة لأمم أخرى أقوى وأكثر تقدماً . هذا يعني أن دور الأمة العربية يتمثل في تصحيح مسار الإنسانية عندما يعتريها العوج . وبهذا المعنى يقول المؤلف ((رسالة العروبة والإسلام إلى العالم بما احتوت عليه من أخوة بشرية ومساواة إنسانية ومقاومة لكل ظلم وانتصار للعدل وتشجيع للعلم والمدنية .
وعلى أساس هذا التطابق بين الرسالة والدور يصبح قدر الأمة العربية رهن مقاومتها البطولية لكل ظلم وانتصار للعدل وتشجيع للعلم والمدنية)) .
ولاشك أن التطابق السابق هو الذي يشكل جوهر وحدة الأمة رغم كل أشكال التجزئة السياسية، وما يصاحبها من ممارسات قطرية ونزعات انعزالية وانفصالية .
في المتن:
على إثر تلك المقدمة التي شكلت المحددات والثوابت الميدانية والمنهجية للكتيب بكامله، شرع المؤلف بنقلنا مباشرة إلى شروط وعوامل تكون الأمة . وبناء على ذلك حاول أن ينسج نسجه الخاص في حصر هذه الشروط وتحديدها واكتشاف بعضها بأسلوبه الخاص، ورموزه الكتابية، وإدخال المتغيرات إلى بعضها الآخر. وانطلاقاً من مخططه البحثي هذا بدأ في ذكر هذه العوامل مبتدأ ذلك بعامل الجنس . فأقره واعترف به كعامل أساسي في تكوين الأمة . لكنه من جهة أخرى رفض مقولة ((الجنس النقي)) أو الصافي على حد تعبيره . كما رفض أن يكون الجنس العامل الوحيد في نشأة الأمم .
ومن الجنس إلى الروح ينتقل المؤلف مرة واحدة ، وكأنه انتقال إلى وحدة شخصية الأمة . وبعد تساؤله عن ماهية الأمة تكون إشكالية الأمة قد دخلت مبدأ الروح – إذا جاز هذا التعبير- وهنا يتحدث عن الأمة بوصفها روحاً أو مبدأ روحانياً له علاقة بالماضي والحاضر، وما دامت الأمة عنده روحاً فهي إذن عبارة عن وحدة تضامنية ناشئة عن الشعور الجماعي بوحدة التضحيات.
ومن خلال تشابك هذين العاملين تظهر الجغرافيا بوصفها أحد العوامل في نشأة الأمم ، وهنا يقحم إشكالية الأمة بدور الأرض من حيث مكانها ومكانتها ومناخها وأثر البيئة . تم حصاد ذلك في الإنسان وأخلاقه وطريقة تفكيره وأسلوب تعامله مع قضاياه اليومية . ثم نظرته إلى الحياة ، وما يحيط به من ظواهر، وعوارض، وأحوال، وفعل معاش . وكأني بالمؤلف قد تبنى رأي ابن خلدون الشهير بأثر المناخ والبيئة على الإنسان وأخلاقه وسلوكه العمراني . وفي آخر كلامه عن العامل الجغرافي يخلص المؤلف إلى النتيجة الآتية (( الوحدة الجغرافية هي الأساس المادي لكل عاطفة قومية عملية وركن من الأركان التي تقام عليها الأمم )) .
وتحت عنوان ((وحدة اللغة والدين والعادات من مقومات الأمم )) . يؤكد الكاتب على أهمية اللغة والدين بوصفهما من العوامل المتينة في تكوين الأمة . إلا أنه لا يبالغ في دورهما على غرار بعض المفكرين الأوروبيين )) .
ويذكر بهذا الصدد المثل السويسري حيث تتكلم الشعوب السويسرية عدة لغات ومع ذلك ((يكونون أمة)) كما يشير المؤلف إلى دور التاريخ في هذه المسألة (( لأن حقيقة الأمة هي تاريخها)) وأن حياتها ((سلسلة من الحوادث مرتبطة الحلقات)) ومن خلال دور التاريخ يربط المؤلف بين اعتقاد الأمة بوجودها، وبقدرتها على الاستمرار ، الأمر الذي يؤدي إلى المحافظة على حيويتها وقوتها وسلامة كيانها .
هكذا تحديداً بدأ الكاتب بالتعامل مع العامل التاريخي . لكن هذا التعامل أفضى إلى نتيجة مؤداها تعرية الاستعمار، والهجمة على سياساته العدوانية، وذلك من موقع رؤيته هو للدور التخريبي الذي يمارسه الاستعمار في حياة الأمم . وعلى هذا الأساس يبادر كعادته إلى تقديم الأمثلة بهذا الخصوص : إقدام الاستعمار الفرنسي على تجهيل الشعب العربي في المغرب بتاريخه وتراثه وتقويضه قومية أهالي البلدان المستعمرة – فتح الميم – تمهيدا لدمجهم فيه .
ثم يربط المؤلف ذلك بهجمة الاستعمار الثقافية على الدين من أجل تشكيك أهله به . وتكفيرهم في معتقداته وأركانه . هذه الهجمة على الدين لا تشكل خاتمة المطاف عند الاستعمار، وإنما كما يوضح الكاتب خطوة إلى الأمام لفصل الناس عن ماضيهم وإزالة لغة التعبير المشترك بينهم، وإخراجهم من قوميتهم حتى تصل هذه الشعوب إلى مستوى تغلب (على نفوسهم الذبذبة والانحلال، ويسيطر على أجسامهم الفساد والمجون والسكر والفجور) .
وينبري المؤلف لتدعيم رأيه السابق بشأن محاولات الاستعمار تشويه تاريخ الشعوب ومعتقداتها تمهيدا لخلق شخصيات حضارية لهذه الشعوب مغايرة لشخصيتها الأصلية وإيجاد خرائط ثقافية متداخلة الخطوط والاتجاهات إلى حد الغموض والإبهام بحيث يصعب على هذه الشخصيات معرفة نفسها . ويقدم عينات من الباحثين الأوروبيين وعلى وجه الخصوص الفرنسيين منهم الذين تخصصوا في الإساءة إلى العرب وعلى رأسهم (( لويس برتران)) لما تميز به من كره وحقد على العرب وإنكاره أن للعرب أي حضارة أو مدنية أو إبداع . ويعتمد المؤلف على التاريخ في رده على هؤلاء الكتاب وتفنيده لآرائهم الخبيثة والظالمة . برهانه على ذلك التراث العربي وبعض الأسانيد الحضارية بوصفها شواهد حية على أن العروبة كانت معطاءة وأنها قدمت الكثير من الإيجابيات الحضارية والمعرفية للانسانية أينما كانت . وعملا بمنهجيته تلك يقول بخصوص القوى الاستعمارية ما يلي : (( لم نكن لنكترث بأقوالهم وسخافة عقولهم لو لم يعززهم آخرون من الفرنسيين تلقبوا بلقب العلماء وأخذوا في درس تاريخ المغرب العربي، واللغة العربية ، فابتعدوا في أبحاثهم عن العلم الصحيح والبحث النزيه ، فلم يأخذوا من التاريخ إلا ما يعزز نظريتهم ، ولم نقرأ لغير شارل اندري جوليان مؤلف : تاريخ شمال أفريقية ، على ما في كتبه من الصلات : تأليفاً في تاريخنا ألفه فرنسي إلا وسعى في إظهارنا مظهر سكان لا رابطة تربط بينهم ، ولاجامعة تجمعهم ، ولا وحدة قومية توحد كلمتهم بل يصوروننا صورة أفراد متساكنين لا ينتمون إلى بعضهم إلا بصلات واهية عاطفية لاغير . لم يكونوا أمة قط ولم يؤسسوا دولة منظمة، بل كانوا منذ وجدوا تحت الرق والاستعباد ، وما هم إلا مستعمرة أبدية لغيرهم . ثم يأخذ المؤرخ بعد من حط قدمه في تونس بالخصوص والمغرب العربي بصفة عامة من فينيقيين ورومان وروم وفندال وعرب وإسبان وأتراك ، وما فرنسا إلا الوارث لهؤلاء الأقوام الذين امتلكوا البلاد والعباد قبلها )) .
ويختتم الكاتب موقفه من النماذج الاستعمارية الفرنسية التي تتنكر للمستوى الحضاري المتقدم الذي وصلته الأمة العربية ، ومن بينها تونس وكامل المغرب العربي بقوله ( فلنسأل هؤلاء وأضرابهم : هل وجدتم الشعب التونسي يعيش في فوضى لا حكم له ، ولا حاكم، ولا أمير، ولا قضاة، ولا عدالة ، ولا تعليم ، ولا دين ، ولا لغة . يا ترى هل لقنتموه دينه الإسلامي ؟ أم علمتموه لغته العربية ؟ أم وجدتم له جامع الزيتونة والمدرسة الصادقية ، أو المحكمة الشرعية بالديوان؟ هل أخذ الشعب عن فرنسا عاداته ؟ أم كانت هي السبب في وجود الأغالبة والفاطميين وصنهاجة وبني حفص والحسينيين الذين تكونت الأمة التونسية على أيديهم ؟ )) .
وحدة المغرب :
تحت هذا العنوان القومي العربي يعيد المؤلف شرح أهمية الروابط القومية والتاريخية بين تونس وبقية البلدان العربية في شمال أفريقيا ، وانطلاقاً من ذلك يرفض أي حديث أو نقاش أو كتابة عن تاريخ تونس بمعزل عن أشقائه الجزائر والمغرب الأقصى ، وبقية أقطار المغرب العربي لأن الوحدة التاريخية على حد قوله (( قد ربطت بين تونس والجزائر ومراكش ، ووحدت بين الأقطار الثلاثة توحيداً لا ينفصم ولا يتفكك)) .
ونلاحظ أنه في إطار طرحه لإشكالية وحدة المغرب العربي أنه يقر بإمكانية الاستقلال الوطني داخل الانتماء القومي . لكنه من ناحية أخرى ينفي نفياً قاطعاً أي إمكانية لقطع الصلات الوثيقة والتاريخية بين أقطار المغرب العربي .
من هذه الخلفية القومية يتصدى المؤلف إلى آراء بعض المؤرخين الذين يعزون قيام عدة دول في أقطار المغرب العربي إلى خارطته الجغرافية ، حيث أملى طابع هذه الخارطة الانقسام حسب رأيهم بقوله لهم : (( كل من يدعي أن المغرب العربي ليس بوحدة طبيعية جغرافية وبشرية إلا ويريد بذلك تسويغ الاستعمار الأجنبي لبلاده . وإذا كان المغرب الأعظم لم يكوّن في تاريخه وحدة سياسية قوية إلا في الفترة تلو الفترة . هل معنى ذلك أنه غير مستعد أصلا لتلك الوحدة أم أنها مستحيلة لا سبيل إليها )) ، وبعد أن يبين الكاتب دور الاستعمار في تقوية الشقاق والتفرقة بين أقطار المغرب العربي حتى لا تتوحد كلمته تمهيداً لاستعماره واستغلاله ووضعه في موضع التبعية والتخلف . يؤكد على دور إرادة الشعب في الوحدة “خصوصاً إذا سهلها توحيد في الدين واللغة والتاريخ “.
والمؤلف إذ ينسج على غرار العديد من المفكرين العرب في إعطاء الإرادة الشعبية دوراً مهماً في التوحيد القومي فإنه يماشيهم أيضاً بالبحث عن الضمانات المستقبلية للوحدة العربية عندما يقول : ” أصبح هكذا في إمكاننا أن نربي الشباب المغربي تربية عربية إسلامية ووطنية تحبب في نفسه العزة والألفة ، وتقوي فيه حمية قومية تجره إلى الدفاع عن نفسه وبلاده حتى تزداد روح الأمة المغربية العظمى وحدة تنضاف إلى الوحدة الطبيعية الموجودة . إذ ذاك يمكن لنا أن نطبق مبادئنا كلها ” .
وبمناسبة الحديث عن وحدة المغرب العربي لدى الكاتب ثمة ملاحظة نود تسجيلها هنا ، وهي أنه توجد بين أبناء جيل علي البلهوان من المفكرين العرب عدة أسس فكرية مشتركة . كما تخص قضايا الوحدة العربية . ولاشك أن هذه الوحدة الفكرية لها ما يسوغها في الحياة العربية . حيث كانت الوحدة العربية آنذاك هاجس أكثر العرب ، وخاصة المفكرين الذين تميزوا بالنضال السياسي على درب التحرر الوطني والقومي . وحبذا لو بادر من تهمهم هذه الفكرة من مدرسة البلهوان القومية ودراستها على ضوء معطيات علم الاجتماع السياسي الحديث .
الدولة التونسية :
وإذا كانت الأمور تنتهي بخواتمها . كما يقول المثل الشعبي ، فإن العنوان السابق وما يتبعه من عناوين أخرى بكل شروحاتها ومضامينها مثل ((حياة الأمة التونسية في استقلال دولتها)) ثم ((تونس تفقد استقلالها)) و ((البعث التونسي)) ثم ((البعث القومي)) ما هي إلا مشاهد تمتحن فيها مقومات الأمة التي عثرنا عليها تباعاً في المقاطع السابقة . ولقد لاحظنا منذ بداية عرض الكتاب أن صاحبه كان يملك الاتجاه التأليفي التركيبي في تكوين المشهد القومي ، حيث تتألف الوحدة من ثلاثة مستويات كما ذكرنا في بداية البحث . وبناء على ذلك فإن المؤلف يكون قد مهد لصياغة مفهوم ((الوطن)) و ((الوطنية)) في بعده القومي ، وليس من منطق قطري انفصالي .
وعلى هذا الأساس فإن كل مستوى من المستويات السابقة : الدولة الوطنية ، الدولة المغاربية، دولة الوحدة العربية ، يشكل لازمة للآخر بحيث يصعب قيام أي وجود حقيقي لأي بناء بمعزل عن الآخر: وهذه الحيوية ((الديناميكية)) في وضع كل مستوى بمثابة شروط للآخر له عدة دلالات ومعاني في مقدمتها أن الدولة الوطنية لا يمكن أن تحافظ على استقلالها وتحققه على المستوى المطلوب ، وتقطع مع التبعية ومراكزها في الغرب إلا باستنادها وتضامنها نضالياً وقومياً مع المستوى الثاني . كما أن هذا المستوى سواء في نموذجه المغربي أم المشرقي لا يمكن أن يحقق شرط تقدمه وتطوره وانفكاكه من هيمنة الرأسمال العالمي ، إلا باتحاده مع المستوى الثالث فالوحدة العربية هي التي تشكل هذا المستوى . هي الرهان الحقيقي في التخلص من التبعية والتخلف واللحاق بالركب الحضاري المتقدم . وفي هذا الصدد يقول المؤلف ((وكانت الأمة التونسية تستقبل اليوم عصراً جديداً من عصور تاريخها، فقد نفضت عنها غبار الخمول والركود وقامت تشهد النهضة العربية الإسلامية الكبرى، فاتجهت بكليتيها إلى الشرق وزادت الروابط الدينية واللغوية والتاريخية متانة عندما جزمت جزماً باتاً أنها عربية إسلامية ، وجزء لا يتجزأ من العالم العربي بفضل ما بذله الحزب الدستوري من جهود داخل البلاد وخارجها . وعبثاً حاول الاستعمار تحويل نظر الشعب التونسي وتوجيهه نحو باريس وأوروبا . نحن عرب ونريد أن نبقى عرب – خطوط التشديد وضعت من قبلي – وبناء على قانون الاعتماد المتبادل بين مستويات الأمة الثلاثة ، فإن مفكرنا علي البلهوان يكون قد وضع نفسه في طليعة المفكرين القوميين الذين اكتشفوا هذا القانون ، وساهموا ببناء الأساس النظري لفكرة الأمة ذات المستويات المتعددة . هذه الفكرة التي قوي جمهورها بين السياسيين والمثقفين العرب غداة المحادثات الثلاثية بين كل من الجمهورية العربية المتحدة والجمهورية العربية السورية ، والجمهورية العراقية عام 1963.
ونستطيع القول إن علي البلهوان بخاتمته الوحدوية السالفة الذكر يكون قد حقق سبقاً للفكر القومي في تونس ، وأثبت أن الاتجاه القومي له عمقه التاريخي ، وله أصالته في الوجدان التونسي . كما أنه ليس حالة طارئة أو دخيلة على الشعب العربي في تونس ، على النحو الذي يدعيه الكثير من أعداء العروبة ، بل إن للاتجاه القومي جذوره التي تعادل عمق العروبة وحقيقتها التاريخية.
والخلاصة، فإذا كانت تونس تتفاعل بكل أصالة واتزان ومنهجية مع أي حدث قومي مصيري في المشرق والمغرب معاً ، فذلك لأن تونس عربية ، وتريد أن تبقى عربية ، كما يقول ابنها البار علي البلهوان . وهذا الإصرار بالانتماء للعروبة يأتي من كون تونس في موقع الأم الحنون للعروبة . وهذا الأمر هو الذي جعلها تنام على انتمائها القومي- كما يقول العامة- تحميه بصبرها وتحرسه بهدوئها ونفسها الطويل ، حتى جاءت اللحظة المناسبة فأخرجته قوياً يافعاً ومحارباً بقوة العروبة في شخصية أبناء تونس وفي ضميرهم وجهادهم .
أما ما تبقى من قول فإنه لابد أن يقال بشأن تقديم الدكتور زهير الدوادي لكتاب ((نحن أمة)) وهذا يعني أن هذا القول سيصبح بمثابة خاتمة لهذا العرض وكأننا بذلك قد نحونا منحى جديداً في طريقة عرضنا للكتاب وتحليله ، إلا أن طريقة إعداد الكتاب هي التي جعلتني أرتهن لهذا المنحى . وذلك هو صريح العبارة، رغم ما تتميز به المقدمة من منهجية في التحليل، وبما أخذته على نفسها من جهد في عرض الكتاب ، هذا ناهيك عن اللفتات الذكية التي تميزت بها . إلا أن كل ذلك رغم أهميته لا يعنينا بنفس الأهمية التي يعنينا بها متن الكتاب لأنه هو الأصل، والتقديم هو الفرع، وتلك سنة الكتب التراثية ومن في حكمها ، ومن أجل هذا كله أرجأنا التقديم إلى الأخير، وبذلك نكون قد وضعناه في موقعه الصحيح .
قلنا هذا الكلام حتى لا يفسر هذا الإرجاء على أنه إهمال للتقديم ، أو هو بمثابة موقف سلبي من صاحبه، رغم اعتراضنا على محاولاته ، إضفاء الغموض على كل من مفهوم ((الأمة)) و ((الوحدة)) عند البلهوان، وفي فصله التعسفي بين الفكر ((البعثي)) و ((الفكر القومي)) ومع أن هذا الفصل على طريقته أمر مرفوض قومياً ، فقد سقطت هذه النزعة وأصحابها منذ منتصف عقد الستينات لأنها بأصلها ولدت من رحم شطار النزعة الإقليمية ، ذلك يوم انكشفت هوية كل الهاربين إلى الأمام من وجهاء الاتجاه القطري في ليل قرارهم مغادرة مواقعهم للاجهاز على ما تبقى من مواقع متقدمة للوحدة العربية . وكنت أتمنى على الدكتور الدوادي أن لا يتبنى تلك النزعة لأنها تعاكس بعض توجهاته القومية البارزة في متن تقديمه القيم .
وبهذه المناسبة ، أي عرض الكتاب ، وعلى ضوء محاولات أقطاب الاتجاه الإقليمي الإساءة إلى الوحدة، نود القول إنه يبقى على العارفين بالأمر من أصحاب هذا الاتجاه أن الوحدة العربية موجودة في عفوية الناس وإيمانهم بها على طريقة البلهوان ، وفي الحماس الشعبي لها كلما لاح بريق أمل. وهذا ما تعكسه المبادرات التاريخية للشعب العربي في أكثر من حدث أو واقعة وطنية وقومية في المشرق والمغرب .. من الأمس واليوم ..
وفي الختام يظل علينا أن ندعو إلى قراءة كتاب ((نحن أمة)) والتأمل فيه بعين ثاقبة ، وروح قومية خالية من العنف . وإن قراءة بهذا المستوى ستدلنا على أن أطروحات البلهوان حول الأمة والعروبة لها علاقة صحيحة وحية بما يجري على الساحة العربية في عصره وفي عصرنا اليوم، وخاصة إذا عرفنا كيف نضع أفكاره داخل الحالة القومية في عقد الأربعينات آنذاك ، يوم أرسلت تونس خيرة شبابها مدفوعة باختيارها القومي إلى بطاح فلسطين، مع صحبهم من شباب الجزائر والمغرب . وهناك في فلسطين سجلت تونس حضورها الكفاحي ضد الصهيونية العالمية بأبطال لا يزال بعضهم شاهد حي على صدق ما نقول . وحبذا لو بادر بعضهم بتسجيل وتدوين هذه الصفحات القومية الناصعة .
…………………………………….
– علي البلهوان (نحن أمة) إصدار دار الحرية- رقم 7- فنون الرسم والنشر- القصبة- تونس 1990 تقديم د . زهير الدوادي .
– نقصد بـ مصطلح وحدويو التجزئة القوى السياسية التي تتآمر على الوحدة باسم الوحدة . وأن الوحدة ممكنة دون نضال الوحدوي .
– هذه العناوين التي وضعها المؤلف لها دلالاتها في الوحدة الفكرية بين المفكرين العرب .

Advertisements
    • Bilel Kammoun
    • مايو 26th, 2012

    علي البلهوان سيدي الكريم قومي تونسي ، لا يمت بالقومية العربية باية صلة ،
    و أكبر مغالطة هي أن الامة التونسية جزء من الامة العربية ، هذا مستحيل ، تحدثنا العربية و تبنينا للاسلام لا يعني اننا عرب و النخب التونسية و المؤرخون يعلمون هذا جيدا ، نحن التونسيون لم نكن عرب و لن نكون ، امتنا التونسية لها خصائصها و احلامها . هذه حقائق

  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s