ثورة 23 يوليو 1952 .. الدروس والعبر .. أمير الحلو

ثورة 23 يوليو 1952 ..الدروس والعبر
أمير الحلو
تمر ذكرى قيام ثورة 23 تموز 1952 في مصر، في ظل اوضاع ثورة الشباب والحراك الشعبي في أكثر من بلد عربي مع وجود التجزئة والتشرذم وغياب الديمقراطية التي تسود اغلب البلدان العربية،في حين ان تلك الثورة الرائدة كانت تطمح الى تحقيق اهداف قومية سياسية واجتماعية واقتصادية لصالح الجماهير وخصوصاً الطبقات الفقيرة في عموم الوطن العربي،والى بناء مجتمع العدالة والمساواة والوحدة الوطنية وذلك من خلال الاصلاح الزراعي والتصنيع وتعزيز البناء الاشتراكي .
لقد كانت جميع البرامج التي طرحها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قائد الثورة ذات مضمون تقدمي يقوم على مبادئ واضحة في مقارعة الاستعمار والاحلاف الاجنبية والقواعد العسكرية في جميع البلدان العربية،ومساندة حركات التحرر العربي والعالم الثالث وتكوين كتلة عدم الانحياز التي شكلت في وقتها ثقلاً مهماً في الخارطة السياسية الدولية،كما حققت الثورة منجزاً كبيراً وهو تحقيق الوحدة بين مصر وسورية وقيام الجمهورية العربية المتحدة،وعلى الرغم من مؤامرة الانفصال إلا انها تبقى تجربة غنية بايجابياتها وسلبياتها في طريق العمل التحرري العربي .
ومهما اختلفت وجهات النظر في تقييم الثورة وقائدها،إلا انه لايمكن انكار دورها الرائد على الصعد الداخلية والعربية والدولية،لذلك فقد واجهت العديد من المؤمرات والتحديات وابرزها التزامها الوثيق بحقوق الشعب الفلسطيني وتعرضها للاعتداءات الاجنبية والاسرائيلية بسبب موقفها هذا.
إننا اذ نثمن ما قدمته ثورة يوليو من مكاسب للشعب المصري والامة العربية لابد لنا من تأكيد بعض الحقائق الموضوعية التي جعلتنا الثورة نعيها ونستفيد من تجاربها لتفادي الوقوع بها، ويأتي في مقدمة ذلك ، ومع اعتراضنا بالظروف التي كانت تعيشها مصر آنذاك ، رفض اسلوب الانقلابات العسكرية لفرض انظمة معينة على الشعوب ، وقد عانى اكثر من بلد عربي ومنها العراق من تلك الظاهرة التي جلبت الويلات والصراعات والانظمة الديكتاتورية والاستغلال ، لذلك فاننا نرفض كلياً اللجوء للانقلاب العسكري تحت أية حجة أو ظرف ، مؤكدين ان ما حدث في 23 تموز 1952 تحوّل في الحقيقة الى ثورة سياسية واجتماعية واقتصادية بفضل وعي القيادة والتفاف الجماهير حولها ، ولكن لا يمكن اعتبار ذلك قاعدة للتغيير في كل زمان ومكان .
أما الشخصية المركزية والمهمة التي لابد من تناولها ونحن نحيي ذكرى ثورة يوليو فهي المتعلقة بالديمقراطية ، اذ ان الثورة لابد وان تطلق الحريات العامة للجماهير في مختلف المجالات وابرزها التعددية وعدم احتكار السلطة والتداول السلمي لها ويأتي ذلك من خلال السماح بتشكيل الاحزاب والتنظيمات الوطنية وعدم فرض نظام الحزب الواحد والمرتبط بالدولة ومؤسساتها ، فقد اثبتت جميع التجارب في الدول العربية وغيرها فشل هذا النظام وتحوله الى ديكتاتورية تقمع الصوت الآخر وتمنعه من المشاركة في السلطة وحتى من ابداء الرأي في القضايا المصيرية التي لها علاقة بالشعب كله … ويأتي تأكيدنا على هذه المسألة من حقيقة كون مجتمعاتنا متعددة في مكوناتها العرقية والدينية والمذهبية والافكار والاتجاهات السياسية وبالتالي لا يمكن فرض نظام الحزب الواحد عليها وبالتالي قمعها وعدم السماح لها بممارسة حقها الطبيعي سواء في المشاركة أو ابداء الرأي … ونحن نعتقد لتأكيد هذا الرأي بان الحركة القومية العربية ذات طابع انساني وتقدمي وتتناغم في طروحاتها وتوجهاتها مع الجماهير ، وبالتالي فانها تعمل مع جميع المكونات الاخرى على بناء الدولة الوطنية ومؤسساتها، وضمان المشاركة الكاملة لكل ابناء الشعب مهما اختلفت توجهاتهم الوطنية في العملية السياسية وما تفرزه من مؤسسات دستورية .
إن أي نظام يريد تحقيق التقدم والأمن والرفاهية للشعب لابد له وان يسلك النهج الديمقراطي في سياسته وتعامله مع الآخرين، وذلك لن يتأتى إلا من خلال عقيدة وسلوك ومنهج يؤمن بالجماهير ودورها في صنع القرار عن طريق ممثليها سواء في الاحزاب والتنظيمات أو من خلال مشاركتها في المؤسسات المنتخبة ديمقراطياً مثل المجلس النيابي ومجالس المحافظات ومنظمات المجتمع المدني وغيرها من التنظيمات الجماهيرية، وهذا ما تفتقده أكثر الدول العربية مع الاسف لذلك نجد ونحن كما يقال نسبح على بحيرة من النفط والثروات الطبيعية يعيش اكثر مواطنينا حياة التخلف والحرمان ويجري التصرف بالثروات التي هي ملك الشعب بطريقة تخدم الحكام ومصالحهم الخاصة والطبقات المحيطة بهم .
واذا كان للثورات والانتفاضات من أهمية في عالم اليوم فهي في الدروس المستفادة ايجابياً أو سلبياً من تجاربها ، لذلك فاننا اذ نحيي ذكرى ثورة 23 تموز في مصر العزيزة وقائدها الرئيس جمال عبد الناصر نجد انها قد أعطتنا تجربة غنية في جميع المجالات يجب الاستفادة منها واستثمارها نحو التقدم الى الامام وتجاوز الاخطاء والصعوبات التي واجهتها وانعكست سلبياً على حركة التحرر العربي واهدافها القومية ، ولا يشكل ذلك عيباً في مسيرتنا بل ان الخطأ هو في الاصرار على انتهاج وتكرار السلبيات هنا وهناك ، مما أثر على العديد من الاهداف التي كنا نطمح الى تحقيقها من خلال مسيرتنا النضالية ، وجعل العديد من القوى والجهات الحاقدة توجه سهاماً الى مبادئ حركة التحرر العربي .
تحية لثورة 23 تموز القومية التحررية ولقائدها جمال عبد الناصر ولنجعل من هذه الذكرى منطلقاً لمسيرة تقدمية ديمقراطية تؤسس لمنهج واقعي لتحقيق الاهداف التي ناضلنا، ولازلنا، من أجل تحقيقها .

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s