اللغة الفرنسية في المغرب العربي : غنيمة حرب أم استلاب هوية ؟ .. محمود الزوادي

اللغة الفرنسية في المغرب العربي: غنيمة حرب أم استلاب هوية ؟
محمود الزوادي
قسم علم الاجتماع جامعة تونس

أولاً: كاتب ياسين و” اللغة الغنيمة ”
من المعروف أن عبارة “اللغة الفرنسية غنيمة حرب ” قد استعملها كاتب ياسين، وهو مفكر جزائري ولد في عام 1929 في مدينة قسنطينة بالجزائر، وتوفي عام 1989 في مدينة غرونوبل بفرنسا. كتب معظم مؤلفاته بلغة موليير، وبعضها بالعامية الجزائرية في آخر حياته. وكما هو منتظر، يردد الكثير من المثقفين والمتعلمين الفرنكوفونيين في المجتمعات المغاربية قول ياسين، أي أن اللغة الفرنسية هي عبارة عن غنيمة كسبتها تلك المجتمعات من المستعمر الفرنسي، وينبغي، إذن، المحافظة عليها.
وقبل أن نحلل درجة صحة أو بطلان فحوى هذا الخطاب، دعنا نتعرّف المعنى اللغوي لكلمة “غنيمة” في لغة الضاد. فكلمة “غنم ” أو “غنيمة” في اللغة العربية تعني “الفوز بالشيء دون مشقة ” . ومن ثم، تحمّس كاتب ياسين، وتحمّس بعده هؤلاء المثقفون والمتعلمون المغاربيون، الذين يسيطر عليهم في المقام الأول التكوين اللغوي والثقافي الفرنسي، وعمدوا إلى تكرار المناداة بالقيام بكل ما هو ضروري من أجل “المحافظة وصيانة الموروث اللغوي الثقافي الاستعماري الفرنسي ” بين أغلبية سكان أقطار المغرب العربي التي تعرضت إلى الاستعمار الفرنسي منذ القرن التاسع عشر، وهي الجزائر وتونس والمغرب وموريتا نيا.
ثانياً: الغنم بالغرم
يشير كلام العرب إلى أن “الغنم/ الغنيمة” لا يخلو حتماً من الضرر والخسارة لصاحبه. ولذلك جاء في ملاحظات وحكم الناطقين بلغة الضاد قولهم “الغنم بالغرم “، أي أن للوجه المجاني الربحي الظاهر للغنيمة وجهاً مقابلاً / آخر/ خفياً ينطوي على “معالم سلبية” (الغرم) طالما يقترن بها الفوز بالغنيمة، ذلك المكسب المتحصّل عليه دون مشقة.
إن التأمل في مثل هذا القول العربي “الغنم بالغرم ” يشكك في المدلول اللغوي لكلمة “الغنم/ الغنيمة” (الفوز بالشيء دون مشقة وضرر وخسارة)، ليؤكد أن الواقع الاجتماعي البشري أكثر تعقيداً من مجرد مضمون معاني المفردات اللغوية. ومن ثم، يجوز القول إن المغاربيين الفرنكوفونيين المتحمّسين لفكرة “اللغة الفرنسية غنيمة حرب ” قد تشابه الأمر عندهم بين المعنى اللغوي والاجتماعي لكلمة “غنيمة”. وبعبارة أخرى، فإنهم قوم أغراهم ظاهرالمعنى المجرد للفظ “الغنيمة” في اللغتين العربية والفرنسية (L Butin)، فجاءت نظرتهم ضيقة إزاء إدراك واقع الأمور بموضوعية. ومن ثم، اتسم تصوّرهم بالتفاؤل نحو اللغة الفرنسية كغنيمة حرب يجب عدم التردد في أخذها والمحافظة عليها والتحمّس لها. إن مثل هذا الموقف المتسرع أدى عندهم بالضرورة إلى فهم قاصر ومشوّه لطبيعة استمرار آثار الإرث اللغوي الثقافي الاستعماري الفرنسي في سلوكاتهم الفردية اليومية، وفي هويتهم الثقافية والحضارية في عهدي الاحتلال والاستقلال، كما يتجلى ذلك في معالم ما سميناه بظاهرة “التخلف الآخر” في المجتمعات المغاربية على الخصوص .
ثالثاً : شعار “اللغة غنيمة” في الميزان
دعنا نفحص الآن مدى مصداقية أو بطلان موقف المنادين بشعار اللغة الفرنسية على أنها “غنيمة حرب “، كما جاء في القول المشهور لكاتب ياسين، أي أنها مكسب مجاني أتى دون مشقة، وليس فيه ضرر وخسارة للمجتمع المرحب بتبني مثل ذلك الشعار. لقد ذكرنا من قبل أن ذلك الشعار ضيق الرؤية والآفاق، وبالتالي فهو سطحي الفهم وساذج في إدراك وقائع الأمور الحقيقية الميدانية على الأرض بالنسبة إلى التعامل مع اللغات الأجنبية الدخيلة على المجتمعات البشرية. فنحن نرى، في المقابل، أن قول العرب “الغنم بالغرم ” قول حكيم يتصف بالعمق في الفهم والإدراك الناضجين لطبيعة الأشياء في الميدان. إذن، فمضمون هذا القول نجده صالحاً لتحليل معالم الغرم (أي المعالم السلبية) المصاحبة للغنيمة “الغنم غرم “. وبعبارة أخرى، نود الكشف هنا عن معالم الخسارة والضرر للغات الوطنية بسبب مجيء اللغات الأجنبية الدخيلة إلى المجتمعات البشرية. نختار هنا حالة المجتمع التونسي للنظر في جوانب الخسارة والضرر التي تعرضت وتتعرض لها اللغة العربية (اللغة الوطنية) في المجتمع التونسي المعاصر، من جراء دخول اللغة الفرنسية مع الاحتلال الفرنسي إلى القطر التونسي في عام 1881. وباستثناء ليبيا، يمكن تعميم ذلك بسهولة على بقية مجتمعات المغرب العربي: الجزائر والمغرب وموريتانيا. ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد أن الاستعمار الفرنسي، مقارنة بنظيره الإنكليزي، يعطي أهمية كبرى لنشر لغته وثقافتها وتعليمهما لسكان المجتمعات التي يحتلها. ومن ثم تأتي مشروعية تفسير “ظاهرة التنافس الكبير” الذي كسبت رهانه اللغة الفرنسية ضد اللغة العربية في العديد من القطاعات في المجتمع التونسي وغيره من المجتمعات المغاربية أثناء الاحتلال الفرنسي وبعد الاستقلال .
رابعاً : خسارة العربية مع حضور الفرنسية
وكما أشرنا في السطورالقليلة السابقة، فإن الاستعمار الفرنسي يولي أهمية كبيرة إلى نشر لغته وثقافته بين الشعوب المستعمَرة، بحيث تصبحان منافستين للغة/ للغات وثقافة/ ثقافات تلك الشعوب. نركز هنا على بعض معالم التنافس الخطير الذي طرحه ويطرحه حضور اللغة الفرنسية ( لغة المستعمر القديم ) على اللغة العربية ( اللغة الوطنية للمجتمع التونسي ) في عهدي الاحتلال والاستقلال في البلاد التونسية :
1- اللغة الفرنسية (اللغة الغنيمة كما يراها كاتب ياسين) هي اليوم لغة الاستعمال الأولى بعد اكثر من نصف قرن من الاستقلال لدى الكثير من التونسيات والتونسيين ومؤسساتهم. لا يسمح هذا الواقع اللغوي التونسي بالقول إن اللغة الفرنسية هي مجرد غنيمة للمجتمع التونسي بريئة من السلبيات، لأن مجيء هذه اللغة أضرّ بوضع اللغة العربية/ اللغة الوطنية بسبب منافسة اللغة الفرنسية لها، ليس في عصر الاحتلال الفرنسي فقط، وانما أيضاً في عهد الاستقلال، وبذلك خسرت اللغة العربية مكانتها الأولى في التعامل بين التونسيات والتونسيين، وفي مؤسساتهم، في مجالات لا تكاد تحصى داخل المجتمع التونسي منذ تمركز الاستعمار الفرنسي فيه في نهاية القرن التاسع عشر، أي في عام 1881 .
2- مما لاشك فيه أن الحضور القوي للغة الفرنسية في عهدي الاحتلال والاستقلال في البلاد التونسية أدى إلى حالة من الاغتراب بين الكثير من التونسيات والتونسيين واللغة العربية، لغتهم الوطنية. وتتمثل حالة الاغتراب هذه في ضعف وجود علاقة حميمية وعاطفية بين هؤلاء ولغتهم الوطنية، بحيث لا يكادون يعتزون بها ويغارون عليها ويدافعون عنها. ويشبه هذا الشعور باغتراب الناس عن لغتهم، الشعور باغتراب الناس عن وطنهم. وهذا التشابه ليس بالأمر الغريب، إذ إن اللغة هي اكبر المعالم المحددة لهوية الوطن. ولذلك قيل إن اللغة هي الوطن. ومن ثم، فمن تسكنه في العمق لغة وطنه، يسكنه وطنه في العمق أيضاً في حله وترحاله داخل هذا الوطن وخارجه . ومما لا يحتاج إلى برهان أن منافسة اللغة الفرنسية للغة العربية التي نتجت منها حالة الاغتراب مع اللغة العربية/ اللغة الوطنية بين العديد من التونسيات والتونسيين المثقفين والمتعلمين، على الخصوص، لا تعطي تأييداً مشروعاً يذكر لشعار كاتب ياسين “اللغة الفرنسية غنيمة حرب “. فحضور حالة الاغتراب للغة العربية بين أهلها في المجتمع التونسي في فترتي الاستعمار والاستقلال، بسبب الحضور والانتشار الواسع لاستعمال اللغة الفرنسية، يمثل بكل المقاييس الموضوعية ضرراً وخسارة للغة العربية، اللغة الوطنية والرسمية للبلاد التونسية، والتي وقع تهميشها أو إقصاؤها بالكامل من الاستعمال في المجتمع التونسي أثناء الاحتلال الفرنسي، وبعد نيل الاستقلال في عام 1956. ومن منظورعلم اجتماع اللغة، فإن تلك الظروف الاستعمارية تفسّر حصول ظاهرة الاغتراب بين المجتمع التونسي واللغة العربية/ لغته الوطنية وانتشار معالم التخلف الآخر فيه قبل الاستقلال وبعده.
3- إن وضع اللغة العربية المشار اليه في (1) و (2) يؤدي حتماً إلى نتيجة ثالثة ليست في صالح شعار كاتب ياسين. فإعطاء اللغة الفرنسية (الغنيمة في اعتقاد هذا الكاتب الجزائري) المكانة الأولى أو الواسعة في الاستعمال، وحضور حالة الاغتراب مع اللغة العربية في المجتمع التونسي، لدى عدة قطاعات، وعند كثير من الأفراد والفئات الاجتماعية التونسية، يدفعان بالضرورة اللغة العربية إلى حالة إفقار/ تفقير في زادها اللغوي، إذ اللغة، أي لغة، هي كائن حي يستمد نبض حياتها وتطورها من عملية الاستعمال الكامل والشامل لها في مجتمعها. والعكس صحيح، أي أنه يصيبها التراجع والجمود والتأخر، وحتى الاندثار، إن هي أقصيت قليلاً أو كثيراً أو بالكامل من فرصة الاستعمال الكامل في حلبة كل أنشطة المجتمع بأصنافها المختلفة. ومن جديد، فإن الحد من استعمال اللغة العربية بدرجات مختلفة في المجتمع التونسي لصالح اللغة الفرنسية (الغنيمة) منذ مجيء الاستعمار الفرنسي في عام 1881 لا يمكن اعتباره بالمقاييس النزيهة غنيمة، أي مكسباً إيجابياً للغة العربية، لغة البلاد، إذ هو يمثل عامل إفقار وتخلف للغة العربية. فاللغة، هذا الكائن الحي، تنمو وتتطور وتتقدم بالاستعمال الكامل في محيطها الاجتماعي. وفي المقابل، يصيبها الركود والتخلف بدرجات مختلفة وفقاً لمدى استعمالها في الحياة الاجتماعية. تلك هي المعادلة الصحيحة والدقيقة لفهم أحوال اللغات، سلباً وايجاباً ، في مجتمعات الشرق والغرب، وفي طليعتها المجتمعات المغاربية المعاصرة.
4- إذن، هل يجوز حقآ اعتبار اللغة الأجنبية غنيمة إذا أصبح استعمالها مصدراً لبث مركبات النقص والشعور بالدونية إزاء استعمال اللغة الوطنية لدى المواطنات والمواطنين؟ يكفي هنا ذكر مثال واحد لتجلي أعراض مركبات النقص لدى التونسيات والتونسيين من جراء استعمال اللغة العربية/ اللغة الوطنية. يخجل اكثر من 95 بالمئة من التونسيات والتونسيين اليوم من كتابة صكوكهم المصرفية/ شيكاتهم وامضائها باللغة العربية، لأنهم تعلموا من مجتمعهم المتأثر بأيديولوجيا المستعمر الفرنسي أثناء الاحتلال أن لغتهم الوطنية/ العربية ليست لغة الحداثة التي تمثلها في اعتقادهم اللغة الفرنسية. وهو تصوّر خاطئ، إذ لم تعد اللغة الفرنسية كذلك اليوم، بل اللغة الإنكليزية هي لغة العولمة والحداثة في مطلع هذا القرن. ومن ثم، تسخر الأغلبية التونسية من الأقلية التونسية الصغيرة جداً التي ما تزال تكتب صكوكها وتمضيها باللسان العربي. فاستعمال اللغة الفرنسية في الحالة المذكورة أصبح، إذن، بوابة لنشر وغرس مركب النقص والشعور بالدونية في الشخصية القاعدية التونسية. فالتحليل الموضوعي لتلك التصرفات المهينة نحو اللغة العربية من طرف أهلها يدحض بقوة مقولة شعار كاتب ياسين “اللغة غنيمة حرب “.
5- وكما أشرنا من قبل، تفيد دراساتنا للمسألة اللغوية في المجتمع التونسي الحديث بأن معظم الفتيات والنساء التونسيات المثقفات والمتعلمات على الخصوص يتعاطفن أكثر مع اللغة الفرنسية من تعاطفهن مع اللغة العربية، لغتهن الوطنية. ولهذا انعكاسات سلبية على اللغة العربية بالنسبة إلى أجيال الحاضر والمستقبل في المجتمع التونسي. ينسف بقوة هذا الانحياز إلى اللغة الفرنسية لدى التونسيات المتعلمات والمثقفات مفهوم “اللغة الأم ” في المجتمع التونسي. فالعامية العربية التونسية النقية- كلغة أم- لا يكاد يكون لها وجود حقيقي في خطاب تلك التونسيات كأمهات. تفيد الملاحظة الميدانية أن الكثير منهن لا يكدن يخاطبن بناتهن وأبناءهن إلا بالفرنسية، وأن البقية من التونسيات المتعلمات والمثقفات يتحدثن في أسرهن بخطاب فرنكوأرابي متخم باللغة الفرنسية، حتى إن كلمة “أمي “، مثلاً، في خطاب الأطفال والشباب من الإناث والذكور إلى أمهاتهم يكاد يندثر استعمالها بالكامل في عدة جهات ومناطق في البلاد التونسية. ويقع تعويضها بكلمة “ماما” القريبة جداً في النطق من الكلمة الفرنسية ” maman “. فهل يجوز النظر إلى الضرر الذي لحق باللغة العربية الأم عند الأمهات التونسيات بسبب استعمالهن للغة الفرنسية على أنه “غنيمة حرب “، كما دعا إلى ذلك كاتب ياسين؟
خامساً : التعليم الصادقي في ميزان شعار ياسين
يردد معظم التونسيين والتونسيات في عهدي الاستعمار والاستقلال الاعتقاد بأن نظام التعليم الصادقي- الذي وجد قبل الاستقلال في تونس العاصمة- هو النظام التربوي المثالي بسبب إتقان تلامذة المدرسة الصادقية، عند نهاية المرحلة الثانوية، للغتين والثقافتين الفرنسية والعربية، الأمر الذي يجعل، من جهة، الصادقيين منفتحين على الثقافة الفرنسية، والغربية بصفة عامة، ومعتزين في الوقت نفسه، وبالدرجة نفسها، باللغة العربية وثقافتها، من جهة ثانية. ومن ثم انتشر اعتقاد آخر بين أغلبية التونسيات والتونسيين في عهدي الاحتلال والاستقلال بأن الازدواجية اللغوية مكسب كله خير للذي يعرف لغتين وثقافتين. إن دراسات علم النفس لا تتفق مع مثل ذلك الاعتقاد الذي لا يرى إلا الإيجابيات في الثنائية اللغوية للمتعلم . وبعبارة أخرى، فهناك سلبيات (أي غرم) على مستويات متعددة للازدواجية اللغوية. ومن ثم، يضع علماء النفس شروطاً كثيرة ينبغي توفرها في نظام التعليم المزدوج اللغة والثقافة للحد من السلبيات العديدة لذلك النظام التعليمي. وهكذا، يتضح أن الاعتقاد السائد لدى التونسيات والتونسيين في الخير المطلق للازدواجية أو الثلاثية اللغوية لصالح الإنسان التونسي، هو اعتقاد لا يستند إلى علم بطبيعة الأشياء، كما يقال، بل هو مبني على جهل بطبيعة الأمور. واعتماداً على هذا، لا يجوز علمياً قبول الازدواجية اللغوية الثقافية الصادقية على أنها خير مطلق لا ضرر فيه، لا من قريب، ولا من بعيد، بالنسبة إلى التلاميذ التونسيين الذين يعتبرون، من ناحية، اللغة العربية وثقافتها، معلمين وطنيين ثابتين في الهوية التونسية، ولهم، من ناحية أخرى، ولاء وانتماء قويان إلى الحضارة العربية الإسلامية. فدعنا الآن نشخص معالم الغنيمة أو الخسارة التي يتصف بها نظام التعليم الصادقي في العاصمة التونسية.
يفيد التحليل للظروف التي اقترن بها التعليم المزدوج اللغة والثقافة للمدرسة الصادقية أثناء الاستعمار الفرنسي بأنها ظروف ينتظر أن تؤدي عند معظم التلاميذ الصادقيين إلى احتلال اللغة الفرنسية وثقافتها المكانة الأولى عند التلميذ الصادقي، وأن اللغة العربية وثقافتها تحتلان المرتبة الثانية عنده.
إن الانعكاسات السلبية لمثل ذلك التقديم والتأخير في مواقع مكانة اللغة الوطنية وثقافتها، واللغة الأجنبية وثقافتها، لدى المتعلم الصادقي، لا تحتاج إلى توضيح طويل. فاللغة والثقافة العربيتان الوطنيتان تخسران مكانتهما الطبيعية الأولى عند التلميذ الصادقي لصالح اللغة والثقافة الفرنسيتين في تكوين الشخصية المعرفية للتلميذ الصادقي. ويرجع مشكل قلب المواقع للغتين والثقافتين لدى الصادقيين لصالح اللغة الفرنسية وثقافتها إلى ثلاثة عوامل رئيسية :
1- هيمنة استعمال اللغة الفرنسية وثقافتها في التعليم الصادقي: يشير هذا العامل إلى خلق موقف سلوكي لغوي متعاطف اكثر مع اللغة الفرنسية وثقافتها عند أغلبية المتعلمين الصادقيين. وفي المقابل، فإننا نجد تعاطفاً اكبر لصالح اللغة العربية وثقافتها عند المتعلمين التونسيين الزيتونيين، ولدى خريجي شعبة (أ) من التعليم التونسي المعرّبة بالكامل في المرحلتين الابتدائية والثانوية في مطلع الاستقلال. ويعني هذا أن مدى استعمال الفرنسية أو العربية في التدريس يؤثر في درجة التعاطف سلباً أو إيجاباً مع هاتين اللغتين وثقافتهما عند التلميذ التونسي . وبتعبيرعلم الاجتماع، يمكن القول إن الحب والاحترام اللذين تلقاهما اللغة الفرنسية وثقافتها لدى الصادقيين، هما حصيلة لهيمنة اللغة الفرنسية وثقافتها في التنشئة المدرسية اللغوية الثقافية لخريجي المدرسة الصادقية.
2- لقد تم تعلّم التلاميذ الصادقيين للفرنسية وثقافتها في عهد الاستعمار الفرنسي لتونس، وعلى أيدي عدد هائل من المدرسين الفرنسيين. وبعبارة أخرى، تعلم الصادقيون اللغة الفرنسية وثقافتها في ظروف تسود فيها علاقة الغالب بالمغلوب بين المستعمر الفرنسي والمستعمَر التونسي، وهو وضع يساعد كثيراً نفسياً واجتماعياً على أن تتبوأ شعورياً ولاشعورياً لغة موليير وثقافتها المكانة الأولى عند معظم خريجي المدرسة الصادقية مع ختام مرحلة التعليم الثانوي وحصولهم على شهادة البكالوريا.
3- لقد أسس المصلح خير الدين باشا المدرسة الصادقية عام 1875، التي جمعت في برامجها لأول مرة في النظام التربوي التونسي بين العلوم الإنسانية والعلوم الصحيحة واللغات الأجنبية، وفي طليعتها اللغة الفرنسية. لم يكن كسب رهان الحداثة الغربية والأفكار المستنيرة هاجس خير الدين فقط، بل كان أيضاً دافعاً قوياً لدى مناصريه من الشيوخ والعلماء، أمثال محمود قابادو، وسالم بوحاجب، ومحمد السنوسي وغيرهم، أي أن رجال خير الدين الزيتونيين هم الذين حثوا وساعدوا خير الدين على إنشاء مدرسة حديثة ترحب بالإطلاع وتعلم علوم العصر. فالسعي إلى وضع تونس على درب الحداثة، كان الهدف الرئيسي لتأسيس المدرسة الصادقية، ومن ثم أصبح تعلم الفرنسية وثقافتها في مخيال أغلبية التونسيات والتونسيين المتعلمين هو التأشيرة اللازمة لدخول رحاب الحداثة. ومن ثم، يفسر اقتران الحداثة بتعلم اللغة الفرنسية وثقافتها المكانة الأولى التي تحظى بها هاته اللغة وثقافتها عند أغلبية الصادقيين .
ومن منظور علم النفس الاجتماعي، فإن تلك العوامل المذكورة سوف تخلق موقفاً إيجابياً جماعياً يعطي اللغة الفرنسية وثقافتها الصدارة والتفضيل عند معظم الصادقيين على حساب اللغة العربية (اللغة الوطنية) وثقافتها. وبناء على ذلك، فلا يجوز وصف النظام التعليمي الصادقي بأنه الأفضل على مستوى ربط الصادقي ربطاً طبيعياً بلغته وثقافاته الوطنيتين. كان يمكن أن يكون النظام التعليمي الصادقي كذلك لو أن اللغة العربية وثقافتها تحتلان المكانة الأولى في قلوب وعقول واستعمالات خريجي المدرسة الصادقية. إن نظام تعليم شعبة (أ) المعرّبة في مطلع الاستقلال- المشار إليه سابقاً – هو النظام التعليمي الوطني الوحيد المرشح اكثر من غيره إلى أن يكون النظام التعليمي الأفضل للمجتمع التونسي المستقل حقاً ، لأنه يؤهل خريجيه لتكون للغة العربية وثقافتها المكانة الأولى في قلوبهم وعقولهم واستعمالاتهم . لقد تعرضت شعبة (أ) إلى الإجهاض، وهي جنين على يدي وزير تونسي صادقي للتربية والتعليم. فضاعت أعز فرصة لرؤية أجيال تونسية لما بعد الاستقلال تكون للغة العربية وثقافتها المكانة الأولى في قلوبها وعقولها واستعمالاتها. وبعملية إجهاض توطين اللغة العربية وثقافتها في الشخصية التونسية القاعدية، بقيت وتجذرت معالم الاستعمار اللغوي الثقافي في تلك الشخصية حيّة ترزق بعد اكثر من نصف قرن من الاستقلال. وما الصبح بقريب لزوال شبكة الاستعمار اللغوي الثقافي الذي لا يكاد يعارض استمرار وجوده في عهد الاستقلال معظم الصادقيين في المواقع الحساسة في إدارة البلاد والعباد.
ومن ثم، فلا علم النفس ولا علم الاجتماع يتجرآن على القول إن التعليم الصادقي هو تعليم مثالي للتونسي الذي يعتبر اللغة العربية وثقافتها معلمين وطنيين مركزيين في معنى الوطنية الكاملة. إنهما شعار للوطنية، مثلهما مثل العلم التونسي. فعالم النفس وعالم الاجتماع ينظران إلى تبوؤ اللغة العربية وثقافتها المكانة الثانية عند الصادقيين، على أنه أمر غير طبيعي/ غير مألوف (منحرف) في علاقة الشعوب بلغاتها وثقافاتها الوطنية. وعلى هذا الأساس، يمكن تفسير الصمت شبه الكامل بعد الاستقلال لدى معظم النخب السياسية والثقافية الصادقية، وغيرها من النخب الفرونكوفونية، على مسألة التحرر/ الاستقلال اللغوي والثقافي من فرنسا. وكما بيّنا، فالتعليم الصادقي عاجز عن مد خريجه بتكوين تعليمي يعطي المكانة الأولى للغة العربية وثقافتها. يفسر هذا الموقف العام للنخب السياسية والثقافية الصادقية والمفرنسة لفترة ما بعد الاستقلال. وكما بيّيا، فموقف هؤلاء جميعاً لا يكاد يمانع في استمرار حضور الاستعمار اللغوي الثقافي الفرنسي بقوة في المجتمع التونسي بعد اكثر من خمسة عقود من الاستقلال.
يمثل تحليلنا لموقف خريجي المدرسة الصادقية من اللغة العربية وثقافتها ما يسمى في العلوم الإجتماعية بـ “دراسة حالة”. تفيد هذه الأخيرة بأن تعلم اللغة الفرنسية وثقافتها في التعليم الصادقي شبه المثالي في التكوين الدراسي المزدوج في اللغتين والثقافتين الفرنسية والعربية، لم يمنع من تحيز معظم خريجي المدرسة الصادقية إلى اللغة الفرنسية وثقافتها على حساب اللغة العربية وثقافتها. وهي نتائج لا تساند مقولة كاتب ياسين بأن اللغة الفرنسية للمجتمعات المغاربية هي “غنيمة حرب “، أي أنها خير صرف ومجاني، ولا ضرر، ولا خسران فيه لتلك المجتمعات.
فإذا كانت اللغة العربية وثقافتها قد خسرتا الكثير على عدة مستويات لدى خريجي المدرسة الصادقية، وهي النموذج شبه المثالي للتعليم المزدوج، فما با لنا من حجم الخسارة التي تتكبدها اللغة العربية وثقافتها من نظم التعليم في المغرب العربي قبل الاستقلال وبعده، التي يدرس فيها المغاربيون في المقام الأول باللغة الفرنسية وثقافتها؟ هل يجوز بعد هذه البيانات الاستمرار في الاعتقاد بأن حضور لغة المستعمر الفرنسي في عهدي الاستعمار والاستقلال هو مجرد حضور خيّر بالكامل، وبريء (غنيمة) من كل ضرر وخسارة للغة العربية وثقافتها وهوية شعوب المجتمعات المغاربية؟
سادساً : هل حضور الفرنسية نعمة أم نقمة علي اللغة العربية؟ ولتفنيد مقولة كاتب ياسين اكثر وبيان معالم الخسارة، لا الغنيمة، للغة العربية، بسبب مجيء اللغة الفرنسية إلى مجتمعات المغرب العربي، نقوم بجرد مواقف التونسيات والتونسيين اليوم، كأفراد، ونخب سياسية وثقافية، وجماعات، ومؤسسات، وطبقات اجتماعية من اللغة العربية، ونحلل انعكاسات تلك المواقف على شخصية التونسيات والتونسيين وثقافة مجتمعهم. يوجد اليوم بين أغلبية التونسيات والتونسيين موقف جماعي عام ينادي ويرحب بالتفتح على لغة وثقافة الآخر الغربي، والفرنسي على الخصوص، فيحتل التفتح على لغة فرنسا وثقافتها الصدارة. وتفيد الملاحظات الميدانية لعلاقة التونسيات والتونسيين- بعد أكثر من خمسة عقود من الاستقلال- باللغة العربية بأن هذه الأخيرة ليست لها المكانة الأولى، لا في قلوب، ولا في عقول ، ولا في استعمالات الأغلبية الساحقة منهم . يرى علم النفس الاجتماعي ان مثل هذا الموقف الجماعي من اللغة الوطنية ليس بالموقف الطبيعي في الظروف العادية بين المجتمع ولغته، بينما كانت علاقة التونسيات والتونسيين باللغة العربية علاقة طبيعية وحميمية قبل مجيء الاستعمار الفرنسي عام 1881. ومن ثم، فعلاقة الناس ومجتمعاتهم بلغاتهم ولغات الآخرين ليست بالأمر الثابت والمستقر، بل هي تتأثر بعوامل خارجية وداخلية في المجتمعات البشرية. وهكذا، يجوز القول، وبكل مشروعية، إن الموقف غير العادي المشوب بالسلبية عند الكثير من التونسيات والتونسيين اليوم من اللغة العربية هو وليد للاحتلال الفرنسي الذي بذل جهوداً كبيرة في نشر لغته في المجتمع التونسي المستعمَر، لإحلالها محل اللغة العربية قدر المستطاع. إن علاقة الغالب بالمغلوب ساعدت على غرس حالة الاغتراب بين التونسيات والتونسيين ولغتهم الوطنية ، من جهة، وبث موقف التحقير للغة العربية والشعور بمركب النقص بينهم إزاء استعمال اللغة العربية أو الدفاع عنها، من جهة ثانية. وبالتأكيد ليس في ذلك من غنيمة للغة العربية في المجتمع التونسي المعاصر.
إن حالة الاغتراب هذه التي نشرها المستعمر الفرنسي بين التونسيات والتونسيين ولغتهم الوطنية، وجدت ظروفاً داخلية مناسبة ساعدت على بقائها لأكثر من نصف قرن بعد استقلال تونس. تتمثل هذه الظروف في المقام الأول في موقف السلطة السياسية لفترة الاستقلال من الإرث اللغوي الثقافي الاستعماري الفرنسي. هناك مؤشرات عديدة تفيد بأن القيادة السياسية البورقيبية للعقود الثلاثة الأولى من الاستقلال كانت ترحب باستمرار ببقاء ذلك الإرث الاستعماري في المجتمع التونسي، أي أن تلك القيادة لا تكاد تعتبر ذلك الإرث اللغوي الثقافي الفرنسي معلماً من معالم الاستعمار. وبعبارة أخرى، فقد نادت القيادة البورقيبية بالتحرر من الاحتلال الفرنسي السياسي والعسكري والفلاحي، فتحصّلت تونس على ذلك، لكن هذه القيادة لم يعرف عنها أنها دعت أو كانت متحمسة للتحرر من الاستعمار اللغوي الثقافي الفرنسي . ومن ثم، يجد المحلل لخطاب التونسيات والتونسيين في عهد الاستقلال غياباً كاملاً لمفردات الاستقلال أو الجلاء اللغوي الثقافي. والناس، كما يقال، على دين ملوكهم، فإن النخب السياسية والثقافية والمتعلمة، والطبقات الاجتماعية العليا والمتوسطة على الخصوص، في عهد الاستقلال تبنت هي الأخرى موقفاً جماعياً لا ينظر إلى الإرث اللغوي الثقافي الفرنسي على أنه، في حقيقة الأمر، ضرب من الاستعمار. وباستمرار هذا الموقف الجماعي بين معظم التونسيات والتونسيين إلى يومنا هذا، نفهم ونفسر أسباب استمرار حالة الاغتراب بين التونسيات والتونسيين واللغة العربية، التي عمل ونجح المستعمر الفرنسي في غرسها في شخصية التونسيات والتونسيين، وفي مؤسسات مجتمعهم، وبالتالي فلا غرابة، كما ذكرنا، أن لا تحتل اللغة العربية المكانة الأولى في قلوب وعقول واستعمالات التونسيات والتونسيين بعد اكثر من خمسة عقود من الاستقلال.
سابعاً : معالم اغتراب اللغة العربية في المجتمع التونسي
بمنهجية البحوث الميدانية في العلوم الاجتماعية، نقيس حالة اغتراب التونسيات والتونسيين مع اللغة العربية بالمؤشرات التالية:
1- غياب شعور عفوي قوي ومتحمس اليوم لصالح استعمال اللغة العربية لدى أغلبية التونسيات والتونسيين.
3- غياب اعتراض معظم التونسيات والتونسيين على كتابة شيكاتهم باللغة العربية، من ناحية، وتعجبهم وسخريتهم ممن يكتبونها باللغة العربية، من ناحية أخرى.
3- لا يخجل بعض التونسيات والتونسيين من تأبين موتاهم باللغة الفرنسية.
4- لا يكاد يشدّ انتباه أغلبية التونسيات والتونسيين غياب اللغة العربية في كتابة اللافتات في المغازات وغيرها من الفضاءات العامة: “إنها لا تعمي الأبصار، ولكن تعمي القلوب التي في الصدور”. ومن ثم لا يكاد يحتج أحد على ذلك، ويطالب بكتابة اللافتات باللغة الوطنية. تفيد الملاحظة الميدانية أن الأغلبية الساحقة من ملايين التونسيات والتونسيين تلوذ بالصمت إزاء الدفاع عن لغتها الوطنية وجعل حضورها واجباً في كتابة اللافتات.
5- غياب علاقة ودّية وحميمية بين معظم التونسيات والتونسيين ولغتهم العربية، أي أنه لا يوجد عند أغلبية التونسيات والتونسيين ما نسميه بـ “التعريب النفسي ” الذي يمنح اللغة العربية المكانة الأولى في قلوب وعقول واستعمالات التونسيات والتونسيين. إن غياب التعريب النفسي هو السبب الرئيسي لضمور التعريب الكتابي والكلامي بين أغلبية التونسيات والتونسيين اليوم.
6- إن الملاحظ لسلوكات التونسيات والتونسيين اللغوية على مستوى الكتابة والحديث، يكتشف وكأن اللغة العربية ليست لغة وطنية عندهم، كما ينادي بذلك دستور بلادهم.
7- من المعروف جداً أن اللغة العربية ليس لها حضور، أو هي لغة ثانية أو ثالثة في عدد كبير من اجتماعات التونسيات والتونسيين المهنية، أو في الندوات العلمية التي تنظم بين التونسيات والتونسيين فقط في المجتمع التونسي.
8- وكما ذكرنا من قبل، تفيد الملاحظة الميدانية للسلوك اللغوي في المجتمع التونسي أن التونسيات اكثر انجذاباً من الرجال لاستعمال اللغة الفرنسية. وبالتالي، فإنه ينتظر أن يكون تعاطفهن المتحمس لاستعمال اللغة الوطنية ضعيفاً . وبغياب مثل ذلك التعاطف مع اللغة الأم (اللغة العربية) عند أغلبية الأمهات التونسيات تتضرر، في منظور العلوم الاجتماعية، علاقة أطفالهن، وبالتالي علاقة الأجيال الصاعدة باللغة العربية، لغتهم الوطنية.
9- تؤكد كل المؤشرات السابقة- لجهة علاقة التونسيات والتونسيين باللغة العربية- وجود موقف جماعي تحقيري لديهم إزاء لغتهم الوطنية. يعتبر علم النفس الإجتماعي أن مثل ذلك الموقف هو بوابة واسعة لبت وغرس جذور ومعالم أمراض مركبات النقص عندهم.
10- إن دراسات العلوم الإجتماعية تجمع أن هناك علاقة وثيقة بين اللغة والهوية الجماعية للشعوب. ومن ثم، فالاختلال في هاته العلاقة بين التونسيات والتونسيين واللغة العربية- كما تصفه تلك المؤشرات- هو مصدر أساسي لخلق شخصية أو هوية تونسية مضطربة ومرتبكة. وبكل المقاييس ، فإن جميع تلك المعالم السلبية نحو اللغة العربية لا تجعل من حضور اللغة الفرنسية غنيمة للغة الضاد، اللغة الوطنية للمجتمع التونسي.
ثامناً : قراءة المؤشرات بعدسة العلوم الاجتماعية
يرى فريق من علماء الأنثروبولوجيا والاجتماع أن ثقافة المجتمع (لغته، عاداته، قيمه، تقاليده الدينية… الخ) تؤثر تأثيراً كبيراً في تشكيل المعالم المميزة لـ “الشخصية القاعدية” (La Personnalite de base) لأفراد ذلك المجتمع . وتساعد هذه الرؤية العلمية، مثلاً، على تفسير اختلاف نماذج الشخصيات القاعدية لمجتمعات متجاورة جغرافياً .
ومما لا شك فيه أن السلوكات اللغوية التونسية الواردة في المؤشرات السالفة الذكر هي معلم بارز من معالم ثقافة المجتمع التونسي المعاصر. وهذا يعني أن الإرث اللغوي الثقافي الاستعماري ما يزال يمثل واقعاً رئيسياً متجذراً في ثقافة الحياة اليومية للتونسيات وللتونسيين، وذلك بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال. وبعبارة أخرى، فإن ذلك الإرث اللغوي الثقافي الاستعماري الفرنسي أصبح عنصراً أساسياً في تشكيل الشخصية القاعدية التونسية لعهد الاستقلال، وذلك بسبب العلاقة الوثيقة بين الثقافي (اللغوي) والنفسي المشار إليها في مقولة علماء الأنثروبولوجيا والاجتماع المعاصرين بخصوص تأثير العوامل الثقافية في بناء الشخصيات القاعدية للمجتمعات. ومن ثم، فاستمرار الإرث اللغوي الثقافي الاستعماري القوي يمثل أرضية صلبة لوجود واستمرار الحضور الواقعي الملموس لمعالم الاستعمار النفسي الخفي الذي لا تدركه أو لا تود الاعتراف بوجوده أغلبية التونسيات والتونسيين، وذلك لسببين على الأقل:
1- أن هذا النوع من الاستعمار أصبح جزءاً مكيناً من التركيبة النفسية لشخصية الأفراد. إذن، لا يكاد هذا الوضع النفسي يسمح لهن ولهم بالنظر إليه عن بعد، وبالتالي بكثير من الموضوعية.
2- أن الاعتراف به عند القلة القليلة أمر مؤلم لمن يعايشه، إذ هو يحدث إحراجات وتوترات وصراعات وانفصامات في شخصية الأفراد، بسبب إزاحة الستار عن الوجه الآخر للطبيعة الحقيقية للاستعمار اللغوي الثقافي/ النفسي.
يساعد هذان العاملان على فهم وتفسير أسباب استمرار صمت أغلبية التونسيات والتونسيين حتى على مجرد طرح موضوع الاستقلال/ التحرر اللغوي الثقافي، بينما نادوا وتحصلوا على الجلاءات الثلاثة الأخرى: العسكري والسياسي والفلاحي . إن تحليلنا هذا يعين على إدراك أسباب تبني التونسيات والتونسيين لسياسة المكيالين في مشروع الاستقلال والتحرر من الاستعمار الفرنسي برؤوسه الأربعة. إنها سياسة تبقي حتماً استقلال المجتمع التونسي منقوصاً، وذلك في أعز جوانب استقلال وتحرر الشعوب، ألا وهو التحرر/ الاستقلال اللغوي الثقافي . ومن ثم، لا تقبل روح الموضوعية النظر إلى فقدان التحرر اللغوي الثقافي على أنه غنيمة للمجتمع التونسي وبقية المجتمعات المغاربية التي وقعت تحت الاستعمار الفرنسي .
تاسعاً : كيف تصبح لغة المستعمر غنيمة؟
لا تسمح عيّنة الأمثلة السابقة بالقول إن حضور اللغة الفرنسية (لغة المستعمر) في المجتمع التونسي في زمن الاحتلال وعهد الاستقلال يمثل غنيمة ربحها التونسيات والتونسيون من فرنسا، لأن هناك شروطاً أساسية يجب توفرها قبل أن يصبح استعمال اللغة الفرنسية وغيرها من اللغات الأجنبية غنيمة حقاً للمجتمع التونسي وغيره من المجتمعات المغاربية التي احتلتها فرنسا. نقتصر هنا على ذكر ثلاثة شروط رئيسية تؤهل اللغة الأجنبية لكي تكون غنيمة حقيقية للمجتمع المستقبل لها:
1- يتمثل أهم شرط يحتاجه المجتمع التونسي اليوم وفي المستقبل، لكي تصبح اللغة الفرنسية عنده فعلاً غنيمة، في تغيير نمط الازدواجية اللغوية الثقافية (عربية وفرنسية وثقافتهما ) لصالح اللغة العربية وثقافتها، أي أن تصبح مكانة اللغة العربية وثقافتها نفسياً ، واستعمالا اجتماعياً، هي الأولى عند التونسيات والتونسيين ومؤسساتهم. وهذا ما نجده اليوم مفقوداً إلى حد كبير في المجتمع التونسي بعد أكثر من خمسة عقود من الاستقلال. والأمثلة كثيرة جداً على استمرار تحيّز التونسيات والتونسيين ومؤسساتهم للغة الفرنسية وثقافتها. وكما رأينا، تفيد الملاحظات الميدانية أن معظم التونسيين والتونسيات المزدوجي اللغة والثقافة منذ عهد الاستعمار يعطون نفسياً مكانة أعلى وسمعة اجتماعية أرقى للغة الفرنسية وثقافتها. تبين الأمثلة والتحليلات السابقة مدى استمرار انتشار التحيز للغة الفرنسية وثقافتها بين التونسيات والتونسيين، وذلك بعد اكثر من نصف قرن من الاستقلال. فالسلوكات التونسية اللغوية الواردة في تلك الأمثلة تشير بوضوح إلى أن اللغة العربية/ اللغة الوطنية ليست هي اللغة الأولى نفسياً واستعمالاً اجتماعياً عند التونسيات والتونسيين ومؤسساتهم . ويعود هذا الوضع عند التحليل إلى ما نسميه الازدواجية اللغوية الثقافية المتحيّزة إلى اللغة الفرنسية وثقافتها على حساب اللغة العربية/ اللغة الوطنية وثقافتها في عهدي الاستعمار والاستقلال. فدون تغيير هذا الموقف إيجابياً لصالح اللغة العربية وثقافتها عند التونسيات والتونسيين، لا يجوز موضوعياً اعتبار معرفة اللغة الفرنسية وثقافتها غنيمة، كما قال كاتب ياسين. ويتطلب هذا الأمر الرفع من شأن اللغة العربية وثقافتها، بحيث تصبح الرغبة والتعاطف نفسياً واجتماعياً مع استعمال اللغة العربية في المكانة الأولى عند الجمهور التونسي المتعلم والمثقف على الخصوص. وكما أشرنا من قبل، فهذا ما يتصف به موقف الزيتونيين والتلاميذ التونسيين والتونسيات خريجي ما يسمى شعبة (أ) من التعليم التونسي المعرّب في مطلع عهد الاستقلال من القرن الماضي . وفي المقابل، فإن موقف الأغلبية من التونسيات والتونسيين خريجي المدارس الفرنسية والمدرسة الصادقية والنظام التعليمي التونسي المزدوج اللغة والثقافة لفترة ما بعد الاستقلال، هو موقف متحيز نفسياً واجتماعياً اكثر لصالح لغة المستعمر وثقافته. وبعبارة أخرى، إنه موقف يهيئ التونسيات والتونسيين للقبول والرضى باستمرار الاستعمار اللغوي الثقافي الفرنسي . ويرى عالم الاجتماع الماليزي الشهير سيد حسين العطاس أن هذا التكوين اللغوي الثقافي لصالح الطرف المهيمن يقود إلى بروز ظاهرة ما سماه بـ “العقل السجين ” ( The Captive Mind) بين أهل الطرف المهيمن عليه .
أما المفكر الجزائري المعروف مالك بن نبي، فقد تحدث هو الآخر عن حالة استعداد الشعوب للاستعمار. ونحن نعتقد أن الازدواجية اللغوية الثقافية المتحيزة للغة الفرنسية وثقافتها تسهل عملية استعداد تلك الشعوب نفسياً وثقافياً لقبول استمرار الاستعمار اللغوي الثقافي الفرنسي بعد الاستقلال. وليس من المبالغة القول إن هذا الوضع هو السائد اليوم، ليس في المجتمع التونسي فحسب، بل في بقية المجتمعات المغاربية الثلاثة التي احتلها المستعمر الفرنسي. يمثل هذا الوضع ما أطلقنا عليه مصطلح “التخلف الآخر” الذي يشير إلى أن تلك المجتمعات المغاربية الأربعة لم تنجح بعد نفسياً وثقافياً واجتماعياً في تطبيع علاقتها بالكامل مع اللغة العربية/ لغتها الوطنية، أي أن اللغة العربية ليست لها المكانة الأولى في قلوب وعقول واستعمالات الأغلبية الساحقة، خاصة بين المتعلمين والمثقفين وأصحاب القرار السياسي في هذه المجتمعات، وذلك بعد عقود عديدة من الاستقلال. وبالتأكيد، فإن استمرار انتشار ظاهرة التخلف الآخر اليوم في الأقطار المغاربية، تفند في وضح النهار، وبكل شفافية، مقولة كاتب ياسين: “لغة المستعمر غنيمة حرب “.
2- وكنتيجة لما ورد أعلاه، يمكن القول إن المجتمع التونسي يشكو من قصور تطبيع علاقته بالكامل مع اللغة العربية، لغته الوطنية. وهذا يعني أن يصبح استعمال اللغة العربية شاملاً لكل القطاعات في المجتمع التونسي، وليس مقتصراً على بعض القطاعات فقط ، كما هو الحال اليوم بعد اكثر من نصف قرن من الاستقلال. فالمجتمعات المتقدمة، على سبيل المثال، نجدها ملتزمة بالكامل باستعمال لغاتها الوطنية في كل شؤونها، كما هو الأمر في فرنسا وألمانيا وايطاليا وإسبانيا واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها من المجتمعات المتقدمة.
3- أما الشرط الثالث ذو العلاقة بالشرطين السابقين، فهو موقف نفسي وفكري يعطي اللغة العربية المكانة الأولى في قلوب وعقول جميع التونسيات والتونسيين، بحيث يصبحون بطريقة عفوية جماعية كاسحة متحمسين للغيرة والدفاع وحماية اللغة العربية من التهميش والإقصاء من الاستعمال في قضاء شؤون الأفراد ومؤسساتهم في المجتمع التونسي الحديث. فدون كسب المجتمع التونسي لرهان تلك الشروط الثلاثة بطريقة كاملة، يبقى استقلال المجتمع التونسي منقوصاً في أهم معالم الاستقلال الحق، والمتمثل في التحرر الكامل من رواسب الاستعمار اللغوي الثقافي الذي يجعل عقول التونسيات والتونسيين ومؤسساتهم سجينة، كما أكد ذلك عالم الاجتماع سيد حسين العطاس، إذ تشير الدراسات إلى أن العقول السجينة هي عقول ينقصها التأهل للابتكار والإبداع واكتشاف التصورات والحلول البديلة للأشياء المطروحة، انطلاقاً من تراثها الفكري والعلمي والثقافي لهويتها الحضارية.
ومع استمرار غياب تلك الشروط الثلاثة بدرجات مختلفة في المجتمع التونسي اليوم، لا يجوز بكل المقاييس اعتبار حضور اللغة الفرنسية غنيمة للتونسيات والتونسيين، كما صرح بذلك وتسرّع كاتب ياسين بالقول: “اللغة الفرنسية غنيمة حرب “. ومن ثم، فالمجتمع التونسي فاقد كثيراً لأعز معالم الاستقلال من الاستعمار الفرنسي. ويمثل استرجاع التحرر اللغوي الثقافي الكامل الاستقلال الثاني في مسيرة المجتمع التونسي الحديث.
وفي الختام، يتطلب كسب رهان الاستقلال اللغوي الثقافي/ الاستقلال الثاني مقاومة جادة، تنشر أولا الوعي المكثف بضرورة التحرر اللغوي الثقافي بين التونسيات والتونسيين في كل الطبقات والقطاعات في المجتمع التونسي . ثانياً ، يصعب أن تفوز تلك المقاومة دون اتخاذ قرارات سياسية ملتزمة، ومقاومة بالعمل والكفاح الملموس بالساعد والقلم لصالح اللغة العربية وثقافتها. ثالثاً ، وحتى تتوّج كل جهود المقاومة بالفلاح والنجاح لا بد من تأسيس نظام تعليم جديد تتصدر فيه اللغة العربية/ اللغة الوطنية وثقافتها المكانة الأولى في قلوب وعقول واستعمالات التونسيات والتونسيين ومؤسساتهم، مع التفتح الملتزم والواسع على اللغات الأجنبية وثقافاتها وعلومها الحديثة على الخصوص !
………………………………………….

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s