ماذا حدث للتيار القومي العربي .. عبد القادر النيال

ماذا حدث للتيار القومي العربي
عبد القادر النيال
ليس أشق على النفس بالنسبة للجيل الذي تفتح وعيه السياسي في الخمسينيات من القرن الماضي من المقارنة بين الأوضاع العربية آنذاك وبين ما آل إليه الحال الآن .كان كل شيء ينبيء بأن الشعوب العربية قاب قوسين أو أدنى من تحقيق أهدافها في التحرر والتوحد والتقدم .
كانت بلدان عربية عديدة قد نجحت في انتزاع استقلالها السياسي , وبلدان عربية أخرى تسير على الطريق المفضي إلى الاستقلال . وبدا تحقيق الوحدة العربية مسألة وقت , وطغى الشعور القومي العارم على النزعات الاثنية والطائفية والمذهبية . وخطت بلدان عربية عديدة خطوات ملموسة على طريق التقدم الاقتصادي والاجتماعي .
لماذا حصل ما حصل؟ لماذا عادت القواعد العسكرية الأجنبية إلى بلدان عربية عدة بعد أن تم إخراجها ؟
لماذا استيقظت النزعات الاثنية والطائفية والمذهبية بعد أن خيل إلينا أننا تجاوزناها ؟ لماذا يجري تغليب المصالح القطرية الفئوية الضيقة على المصلحة القومية؟ لماذا حلت الفرقة والصراع بين البلدان العربية محل التعاضد والتعاون ؟ لماذا استعيدت الافكار والقيم الظلامية واستبعدت أفكار التنوير وقيمها ؟ لماذا جوفت المجتمعات العربية بعد أن كانت تضج بالقوى الحية الفاعلة ؟ لماذا فقدت الحياة السياسية غناها وحيويتها ؟ لماذا حل التشاؤم والاحباط محل التفاؤل والآمال العريضة ..
أين مكمن الخطأ الذي حصل ؟ هل يعود إلى تراجع التيار القومي العربي أمام سطوة المال النفطي المفعم بنكهة سلفية والمعزز بتحالفات خارجية ؟ هل يعود انكفاء التيار القومي العربي لقصور في منطلقاته الفكرية أم لأخطاء في تجاربه؟ هل يعود لكون المشروع النهضوي العربي مغال في طموحاته أم لعجز الانسان العربي عن الارتقاء إلى مستوى تلك الطموحات ؟ هل يعود إلى عجز الأنظمة العربية أم لتبعيتها للخارج ؟ هل يعود إلى تدخلات القوى الخارجية أم إلى الثغرات ونقاط الضعف المستحكمة في الأفراد والقوى السياسية والأنظمة الحاكمة التي نفذت منها ؟ هل يعود إلى استهانة الأنظمة العربية ذات التوجه القومي بقدرات القوى الخارجية وخطورة مشاريعها ؟ أم إلى استعدادها للوصول إلى تسويات معها . وهل أسهمت الصراعات العبثية على السلطة داخل الأحزاب القومية وفيما بينها فيما آلت إليه الأوضاع العربية ؟
تلك أسئلة شائكة ومؤلمة وممضة ؟! وغيرها كثير , يتعين الاجابة عليها لفهم لماذا حصل ما حصل , وكيف يمكن تجاوز الواقع العربي المأزوم .
من أجل البحث عن أجوبة لتلك الأسئلة , اتخذت عدة مبادرات على صعيد الوطن العربي من قبل شخصيات وهيئات وقوى شعبية مؤمنة بالمشروع النهضوي العربي , في هذا السياق يندرج المؤتمر الذي عقد في دمشق خلال الفترة 15-20نيسان/ابريل 2008 تحت عنوان تجديد الفكر القومي العربي , شاركت فيه كوكبة من المفكرين السوريين والعرب المرموقين .
سبق لهذه المبادرة لقاءات تداعت إليها نخبة من الممارسين السياسيين السابقين القوميين في أوائل شهر ايار /مايو 2005 تدارسوا فيما بينهم الأسس والشروط لتفعيل التيار القومي العربي . وانبثقت عن هذه اللقاءات لجنة مصغرة ناقشت خلال اجتماعاتها التي استمرت لفترة ثمانية أشهر عددا من الأوراق والمشاريع التي قدمت من قبل بعض أعضائها , وانتهت إلى إعداد صياغة أولية لمشروع نظري للتيار القومي العربي . وكان من المفترض أن تعرض هذه الصيغة الأولية للمشروع على الدائرة الأوسع من المشاركين في اللقاءات , الأمر الذي لم يتحقق لأسباب لا مجال لذكرها الآن .
على أي حال , عرضت في إطار هاتين المبادرتين مجموعة من الأوراق والأبحاث الجادة والهامة تناولت تعاطي الفكر القومي العربي مع عدد من القضايا , من بينها الوحدة العربية ومسألة الهوية والدولة القطرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتحديث والصراع العربي الإسرائيلي والقضية الفلسطينية والعلمانية ومسألة الأقليات والعولمة .
ودون التقليل من أهمية الجهد الذي بذل في إطار هاتين المبادرتين , فقد ظل في نطاق التنظير دون أن يتخطاه لوضع استراتيجية متكاملة للتيار القومي العربي لاستعادة دوره في الحياة السياسية العربية , تنطلق من مراجعة موضوعية ومعمقة للتجربة الناصرية ولتجربتي حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق وسورية , وتأخذ بالحسبان المستجدات الراهنة , وتحدد بوضوح موقف التيار القومي العربي من مختلف القضايا وآليات تحقيق المشروع النهضوي القومي .
ان استعادة التيار القومي العربي لدوره في الحياة السياسية العربية تتطلب إعادة الاعتبار له أكثر مما يستدعي اعادة النظر في منطلقاته الفكرية الأساسية. ولا يعني ذلك بطبيعة الحال عدم القيام بأي جهد نظري لاغناء الفكر القومي العربي ومواكبته للتقدم الحاصل على صعيد الفكر الإنساني , بقدر ما يعني فك الارتباط بينه وبين الظواهر السلبية في تجارب الأنظمة ذات التوجه القومي .
وما من شك ثمة جوانب مضيئة عديدة في تجارب أنظمة الحكم ذات التوجه القومي لكنها لم تكن تخلو من جوانب معتمة أيضا . ومن شأن المراجعة الموضوعية والمعمقة لتلك التجارب أن تسلط الضوء على الجوانب المضيئة للبناء عليها , وأن تميط اللثام عن العوامل والدوافع والظروف التي أدت إلى حدوث جوانب معتمة لتفاديها ولتجنب تكرارها في المستقبل .
وليس الغرض من المراجعة إصدار الأحكام بقدر ما هو محاولة لفهم لماذا فشلت الأنظمة ذات التوجه القومي التي تنادي بالوحدة العربية في تحقيقها , ولماذا عجزت تلك الأنظمة التي تدعو للحرية والديمقراطية عن تجسيدها على أرض الواقع ؟ ولماذا انتهت إجراءاتها الاشتراكية إلى تمهيد الطريق لعودة الرأسمالية الليبرالية في أبشع صورها وتجلياتها ؟.
ولا تقع تبعات ما حصل على طرف دون آخر ضمن أنظمة الحكم ذات التوجه القومي , فما حصل يتحمل تبعاته كل الأطراف بدرجات متفاوتة. كذلك كان لأطراف عربية وإقليمية ودولية دورها في دفع الأمور إلى ما آلت إليه . في كل الأحوال , لا يعزى ما حصل لخطأ في المنطلقات الأساسية للفكر القومي العربي بل لعدم التقيد بها والخروج عليها .
إذا استثنينا المحاولات القليلة التي قام بها بعض الكتاب والشخصيات السياسية العربية لتسليط الضوء على جانب أو مرحلة من إحدى التجارب القومية , فإنه يمكن القول أنه لم تجر حتى الآن مراجعة شاملة موضوعية جريئة للتجارب العربية القومية المعاصرة . كانت هذه المحاولات في معظمها شهادات شخصية هامة كشفت خبايا وأسراراً لم تكن معروفة على النطاق الواسع , لكنها لم تكن تخلو من انحيازات لجهة تقويم الأحداث . وبدلاً من الانصراف لدراسة وتحليل التجارب العربية المعاصرة للكشف عن العوامل والظروف التي أفضت إلى عجزها عن تحقيق الأهداف التي نادت بها , ما أسهم في إضعاف التيار القومي العربي وتراجع حضوره في الحياة السياسية العربية , اتجه تفكير بعض الدارسين العرب نحو البحث فيما اعتبروه ثغرات اعتورت الفكر القومي العربي .
وفي غياب مراجعة جدية وموضوعية لتلك التجارب , وجد كتاب غربيون فرصة مؤاتية للتركيز على الجوانب السلبية في التجارب العربية , واعتبار التيار القومي العربي مسؤولاً عنها. وفي سياق مخططها لتفتيت بلدان المشرق العربي إلى كيانات صغيرة لإحكام سيطرتها عليها , شنت الإدارة الأمريكية حملة شرسة على التيار القومي العربي وفكرة العروبة والقومية العربية بهدف نزع الهوية العربية عن شعوب المنطقة وإذكاء النزعات الاثنية والطائفية والمذهبية مستغلة في ذلك الممارسات الخاطئة في التجارب العربية القومية .
لن نقف عند التخرصات والافتراءات التي تطلقها أبواق الإدارة الأمريكية بوصف القومية العربية بالشوفينية والعنصرية والتعصب والانغلاق . فخلف تلك الافتراءات تكمن قوى خارجية تجهد للإبقاء على البلدان العربية في حالة تخلف وتبعية وتجزئة للحفاظ على مصالحها , ولتحقيق ذلك لم تتوان تلك القوى عن القيام بكل ما من شأنه اضعاف الشعور القومي لدى الشعوب العربية باعتباره محرك نهضتها وعامل توحدها , وذلك عن طريق تشويه الفكر القومي العربي وتزوير التاريخ العربي والتهجم على الثقافة العربية وإحياء الولاءات مادون القومية وإثارة الفتن الطائفية والمذهبية واذكاء الخلافات بين الدول العربية , على أن ما أود التأكيد عليه في هذا المقال هو أن الأخطاء التي أفرزتها التجارب العربية القومية المعاصرة , هي ليست نتاج الفكر القومي العربي , وإن منطلقاته الأساسية ما زالت راهنة , وان التمسك بها والعمل على تحقيقها اليوم أشد ضرورة وإلحاحاً من أي وقت مضى .
لم تكن المنطلقات الأساسية للفكر القومي العربي مستمدة من نظرية شاملة جاهزة , بل جاءت تشخيصاً لواقع عربي مجزأ ومتخلف ومقهور , وتعبيرا عن رغبة كامنة لدى الشعوب العربية بضرورة تغيير الواقع . لذلك جرى توصيف المنطلقات الأساسية بكلمات قليلة وبسيطة تجسدت في الوحدة والحرية والعدالة الاجتماعية . ولأن المنطلقات الأساسية للفكر القومي العربي وجدت لها صدى في نفوسنا , فقد تلقفتها الشعوب العربية بسرعة وآمنت بها وناضلت من أجلها .
كانت جهود الرواد الأوائل من المفكرين القوميين العرب منصرفة لإيقاظ الوعي القومي لدى الشعوب العربية , والتأكيد على هويتهم القومية بعد خمسة قرون من السبات تحت الحكم العثماني . لذلك حفلت كتاباتهم بالحديث عن الوشائج التي تربط الشعوب العربية بعضها ببعض وتجعل منها أمة واحدة , وعن أمجاد الماضي ورموزه , وعن ضرورة توحدهم وتحررهم لاستعادة دورهم في الحضارة الإنسانية . واكتست كتاباتهم بمسحة رومانسية كانت ضرورية آنذاك لاكتشاف الذات وتعزيز الثقة بها واستنهاض الهمم .
ولم يكن في التوجهات الرئيسية للفكر القومي العربي ما يوحي بتعصب عرقي أو نزعة شوفينية كما كان الحال في الفكر القومي الغربي .
فالأمة العربية لاتقوم على أساس عرقي أو اثني , بل على قاعدة من الشعور أو الرغبة بالانتماء إليها . لقد احتضنت الأمة العربية في الماضي جماعات من أصول غير عربية اعتلت مواقع مهمة في الدولتين الأموية والعباسية وكذلك تحتضن الأمة العربية اليوم جماعات من أصول غير عربية , أسهمت في تحرير البلدان العربية من السيطرة العثمانية والفرنسية والانكليزية , وشاركت شخصيات منها في قيادة الحركات الوطنية تحت راية العروبة متجاوزة أصولها العرقية والاثنية . ويتضح من نتائج مشروع استشراف المستقبل العربي الذي نفذه مركز دراسات الوحدة العربية أن العرب لغة وثقافة وأنماط سلوك يشكلون 88% من المواطنين من المحيط إلى الخليج .
هذا التنوع الاثني هو مصدر غنى للأمة العربية من خلال تفاعل ثقافتها مع ثقافة المجموعات غير العربية . وما كان لهذا التنوع أن يتحول إلى مشكلة أقليات اثنية لولا التدخلات الأجنبية ولاسيما الأمريكية التي عملت على اثارة النعرات الاثنية لتفتيت المنطقة مستغلة الأخطاء التي ارتكبتها الأنظمة العربية في تعاملها مع المجموعات ذات الأصول غير العربية , وليس من سبيل لاحتواء هذه المشكلة سوى الاعتراف بالحقوق الثقافية لتلك المجموعات ومنحها حقوق المواطنة دون تمييز .
العروبة هي ليست هوية اثنيه أو عرقية , بل هي رابطة لغة وثقافة ونمط سلوك , هي انتماء إلى تراث وتاريخ وأرض , وهي مصالح مشتركة ووعي بمصير واحد . بهذا المفهوم استطاعت العروبة استيعاب التنوع الاثني والعرقي والطائفي والمذهبي والديني . وبهذا المفهوم تستطيع العروبة الحؤول دون تحول التنوع إلى انقسامات تؤدي إلى تشظي المجتمعات العربية . وكل دولة عربية تتنكر للعروبة كإطار جامع , ينتهي بها المطاف إلى فقدان وحدتها الداخلية .
ليست العروبة عامل توحيد داخل المجتمعات العربية فحسب , بل هي عامل توحيد بين البلدان العربية أيضاً.
وبالنظر لدورها المركزي في عملية النهوض العربي , فقد شدد الفكر القومي العربي على ضرورة تحقيق الوحدة العربية , فالبلدان العربية بما تتمتع به من موقع استراتيجي هام , وما تمتلك من ثروات طبيعية هائلة وموارد مالية ضخمة وكتلة بشرية كبيرة ونشطة مؤهلة في حال توحدها لأن تجتاز حالة التخلف والتبعية وأن تشكل قوة هامة على الصعيد العالمي قادرة على درء المخاطر الخارجية عنها والمساهمة في التقدم الانساني ..إذا كانت تجربة الوحدة السورية ـ المصرية قد انتهت بالانفصال الذي تم بدعم خارجي واقليمي وتنفيذ القوى السياسية والاجتماعية السورية التي تضررت مصالحها بصدور قوانين تموز 1961 مستغلة أخطاء دولة الوحدة التي اعتمدت على الأجهزة الأمنية وأقصت القوى السياسية المؤمنة بالوحدة, فالوحدة العربية تظل المدخل الوحيد لنهوض العرب , إذ لاتنمية حقيقية , ولاسيادة وطنية حقيقية , ولا استقلالاً سياسياً حقيقياً , ولا أمناً قومياً حقيقياً بدون وحدة عربية . وفي ظل العولمة التي لامكان فيها للكيانات الصغيرة يغدو تحقيق الوحدة العربية مطلباً أشد ضرورة والحاحاً. وما لم يدرك العرب شعوباً وأحزاباً وحكاماً ونخباً هذه الحقيقة ويعملون على تحقيقها فلا مستقبل لهم . وفي ضوء تجذر الدول القطرية واتساع الفوارق فيما بينها , فقد يكون الاسلوب الأنجع لتحقيق الوحدة العربية هو باتباع الصيغة الاتحادية بحيث تحتفظ كل دولة قطرية بسلطات محلية لاتتعارض مع سيادة دولة الوحدة يكون لها مجلس نيابي قطري وحكومة تكون مسؤولة أمامه ,وأن يتم ذلك وفق نهج ديمقراطي ينطلق من الواقع القطري وينتقل تدريجياً بالتنسيق فالتوحيد نحو الأهداف القومية الاجتماعية والاقتصادية العربية .
اعتماد النهج الديمقراطي للوصول إلى الوحدة العربية يتوافق مع التوجهات والمنطلقات الرئيسية للفكر القومي العربي . فالديمقراطية تشكل أحد المرتكزات الأساسية للفكر القومي العربي , إذ لايمكن بناء الانسان العربي المبدع والمتحرر من الولاءات التاريخية العشائرية والقبلية والطائفية والمذهبية التي تأتت من عهود الانحطاط والسيطرة الأجنبية , والقادر على استيعاب حقائق العصر وحمل رسالة حضارية إلى العالم خارج إطار النظام الديمقراطي , وإذا كانت التجارب العربية القومية قد قيدت الممارسة الديمقراطية تحت مختلف الذرائع فذلك خروج على الفكر القومي العربي دفعت الشعوب العربية ثمنه غالياً . كان غياب الديمقراطية من بين العوامل التي أدت إلى ضياع الوحدة السورية ــ المصرية , وإلى احتلال العراق وتدميره , وإلى حدوث هزيمة حزيران 1967 . فالديمقراطية ليس من شأنها أن توسع الخيارات أمام المواطنين وتمكنهم من تنمية قدراتهم الذاتية فحسب , بل أن تصون النسيج الوطني وتحصن الجبهة الداخلية وتقلل من احتمالية الخطأ في التقدير وتصويب القرارات وتكفل الأمن الوطني والاستقرار السياسي والاجتماعي لأن المنطلقات الأساسية للفكر القومي العربي ذات توجه ديمقراطي , فهي بالضرورة علمانية إذ يصعب تصور ديمقراطية بمعزل عن العلمانية أو علمانية بمعزل عن الديمقراطية فالعلمانية تعني توفير الحريات وضمان الحقوق والمساواة بين الجميع أمام القانون واستقلال القضاء وفصل السلطات . والعلمانية ليست في حالة عداء مع الأديان , لكنها ترفض تسييس الدين وتدعو إلى تحريره من السياسة . انها صيغة تكفل حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية لجميع المواطنين .
والعلمانية ليست في صدام مع الاسلام , فالاسلام كدين وثقافة هو المكون الأساسي في شخصية الانسان العربي , فالاسلام ثقافة وحضارة إلى جانب كونه دين . وغني عن القول أنه ثمة تلازم وثيق بين العروبة والاسلام . فالرسول الكريم (ص) كان عربي النسب . وظهر الاسلام في أرض عربية و ونزل الوحي بلسان عربي , وكذلك الحديث النبوي وكل تراث الاسلام الديني وأصول التشريع الاسلامي كان باللغة العربية , وحمل العرب لواء الدعوة ونهضوا بعبء نشر الرسالة إلى العالم . بالاسلام تحول العرب من قبائل متناحرة تصل بينها رابطة النسب والدم إلى أمة وحدتها فكرة كبرى , وبالاسلام تمكن العرب من انتاج حضارة عريقة أسهمت في تقدم البشرية .
لكي يتاح للفرد العربي اطلاق مواهبه وطاقاته الكامنة , نادى الفكر القومي العربي بالعدالة الاجتماعية فبتوسيعها الفرص أمام الأفراد وتأمين المساواة في الحقوق بينهم وتوفير الشروط المادية الضرورية لهم لاستخدام قدراتهم, تتيح العدالة الاجتماعية لمواهبهم التفتح والانطلاق وتمكنهم من تحقيق ذواتهم وضمان كرامتهم في الحياة .
لم تكن العدالة الاجتماعية في منظور الفكر القومي العربي منفصلة عن الديمقراطية السياسية , بل هي جزء مكمل لها . فالديمقراطية السياسية تظل منقوصة ما لم يتحرر الفرد من العوز والحاجة . كما يتعذر تحقيق العدالة الاجتماعية في غياب الديمقراطية وتحرر الفرد العربي من ضغوط الحاجة ومن القيود السياسية شرط أساسي لتحريك المجتمع العربي وإخراجه من حالة الجمود , فالمجتمع السليم لايقوم إلا على الأفراد الأحرار .
العدالة الاجتماعية في منظور الفكر القومي العربي هي نظام اقتصادي يفسح المجال للمبادرة الفردية الحرة ويوجهها لتحقيق المصلحة العامة …. وهي نظام لايلغي حق التملك والارث , ولكنه يخضعها لضوابط تزيل المحاذير التي قد تنجم عنهما , وإلى جانب كونه ينشر العدالة الاجتماعية عن طريق اعادة توزيع الثروة والدخل ورفع مستوى المعيشة للأفراد , فهو يحفز التنمية الاقتصادية ويمكن من تحقيق استغلال أفضل للموارد الوطنية المتاحة ويوسع الطاقات الانتاجية بما يؤدي إلى رفع معدلات النمو. إذ تؤكد الدراسات الاقتصادية الحديثة وجود ترابط وثيق بين توزيع الدخل والثروة , وبين معدلات النمو الاقتصادي , فكلما تحسن مؤشر العدالة في توزيع الدخل والثروة كلما ارتفع معدل النمو الاقتصادي .
وتتلازم المسألة الاجتماعية ــ الاقتصادية في الفكر القومي العربي مع القضية القومية , فالمصالح الفئوية الضيقة لاتعيق تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية على الصعيد القطري فحسب , بل تشكل عقبة في وجه إعادة توزيع الدخل والثروة وتحول دون تحقيق تنمية اقتصادية حقيقية مستدامة على الصعيد القومي أيضاً, للحفاظ على مصالحها الفئوية , تعارض القوى الاجتماعية والسياسية القطرية أية خطوة وحدوية بين البلدان العربية , فالوحدة من شأنها أن تمكن من استغلال الموارد المالية والثروات الطبيعية العربية على أفضل وجه , ومن تحقيق تنمية اقتصادية عربية حقيقية ومستدامة .
لذلك دعا الفكر القومي العربي إلى إعادة النظر في توزيع الثروة بين البلدان العربية عن طريق قيام البلدان العربية التي تتمتع بفوائض مالية بالاستثمار في البلدان العربية التي تعاني من نقص في الموارد المالية .
إن استثمار الدول العربية لفوائضها المالية في القطاعات المنتجة للدول العربية التي تعاني من نقص في الموارد المالية لايساعد هذه الدول على تنمية اقتصاداتها فحسب , بل يمكن الدول العربية ذات الفوائض المالية من المحافظة على مواردها من الضياع والتآكل , ولعل في تداعيات الأزمة المالية العالمية الراهنة على اقتصادات الدول العربية الخليجية ما يؤكد ذلك .
يتضح مما تقدم أن الفكر القومي العربي في منطلقاته الأساسية هو فكر قومي عربي غير عنصري يقوم على مفهوم المواطنة بصرف النظر عن العرق أو اللون أو الدين والطائفة أو المذهب … هو فكر وحدوي يناضل لاقامة وحدة اتحادية متدرجة بالطرق الديمقراطية , باعتبارها السبيل الوحيد للنهوض العربي … هو فكر ديمقراطي يدافع عن حرية الانسان وحقه في حياة حرة كريمة , ويعتمد صندوق الاقتراع طريقا للوصول إلى السلطة وتداولها … هو فكر علماني يرفض تسييس الدين وينبذ النزاعات الطائفية والمذهبية , ويتيح للأفراد حرية ممارسة شعائرهم الدينية … هو فكر ينشد العدالة الاجتماعية باعتبارها توفر للأفراد الفرص الكفيلة بتحقيق مواهبهم وامكاناتهم … هو فكر انساني يناهض جميع أشكال الهيمنة والاستغلال والقهر , ويدعو إلى عالم تتعايش فيه الشعوب بسلام وحرية وتتعاون فيما بينها لتقدم البشرية .
لاأعتقد أن في التوجيهات الأساسية للفكر القومي العربي التي سبق ذكرها ما يستدعي إعادة النظر .. ما تدعو الحاجة إليه حقا هو العمل على استعادة التيار القومي العربي لدوره في الحياة السياسية العربية . إن استعادة التيار القومي لدوره هي ضرورة ملحة ليس لتفعيل الحياة السياسية العربية فحسب , بل لاعادة التوازن والرشد إلى العمل السياسي العربي والنأي به عن كل أشكال التطرف والعنف والمزايدات الطفولية والصراعات العبثية . ويستدعي ذلك مبادرة فصائل التيار القومي العربي الى اجراء حوارات فيما بينها لتجاوز أخطاء الماضي وحساسياته , وإرساء أسس عمل مشترك على قاعدة مشروع نهضوي يرتكز على المنطلقات الأساسية للفكر القومي العربي و ويستوعب في إطاره التغيرات العلمية والاستراتيجية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية المستجدة في العالم و ويقدم اجابات على التساؤلات المتعلقة بالقضايا الراهنة .

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s