العولمة والخصوصيات الثقافية والمشترك الانساني العام …………. عبد الله الحوراني

جدلية العولمة والخصوصيات الثقافية
والمشترك الإنساني العام
عبد الله الحوراني

أصبحت العولمة واقعا تعيشه المجتمعات قبل أن يصاغ لمفهومها تعريف واضح، وقبل أن تصاغ لها مقولات نظرية. وهكذا، كان على التعريف والتنظير ملاحقة تطورات الظاهرة وطرح تفسيرات لها، مما أدى إلى تضارب التعريفات والتفسيرات على حد سواء.
لكن المتفق عليه أن العولمة ظاهرة مرتبطة بتطورات غير مسبوقة في المجالات الفكرية والتكنولوجية والاقتصادية، دفعت في اتجاه ترابط العالم وتواصله وانكماشه وربما تنميطه.
العولمة بصيغة أخرى عنت لدى معظم الباحثين، دخول العالم مرحلة تاريخية جديدة أهم سماتها: تقارب المسافات الجغرافية والموضوعية أو حتى زوالها بين المجتمعات أو الشعوب أو الدول، وترابط المجتمعات وصعوبة الانعزال أو العزلة، وسرعة التحولات والمستجدات. وهي تعني أيضاً إضافة أبعاد جديدة لما هو محلي أو خاص، بحيث يصبح العالم الخارجي بنفس حضور العالم الداخلي في تأثيره على الأفراد والمجتمعات، اجتماعيا وثقافيا وإعلاميا واقتصاديا وسياسيا…..الخ.
ومع هذا الاتفاق العام، فثمة منظورات مختلفة للعولمة، إذ يعتبرها البعض عملية يتم السعي لتحقيقها، وينظر إليها آخرون على أنها حالة مبتغاة، وعند غيرهم أيديولوجيا جديدة.
وما ينطبق على مفهوم العولمة بعامة، ينسحب بشكل أكثر وضوحا على مفهوم العولمة في أبعادها الثقافية. فجوهر العولمة يتمثل في سهولة حركة الناس والمعلومات والسلع على نطاق عالمي. وبعض هذه الجوانب يخضع للحساب والقياس والمعاينة، كتدفق السلع والناس والنقود والمؤسسات.. لكن العولمة في جوانبها الثقافية تتعلق بالأشكال التي لا يمكن معاينتها بدقة أو حسابها، كالأفكار وأشكال السلوك والقيم . إنها أبعاد أكثر عشوائية وأقل خضوعاً للتنظير والرقابة مقارنة بالجوانب الاقتصادية مثلا .
وتبدو صحة هذا التصور إذا أخذنا في الاعتبار النطاقات والمجالات التي تنتمي لما يُعد أبعاداً ثقافية. فالثقافة تتعلق بمجالات غير منظورة وعزيزة على القياس . هي تتعلق بالقيم المشتركة التي تكون أساس الرغبة في الحياة لدى أمة الأمم ، التي ينبثق منها تراث مشترك من الصلات المادية والروحية يغتني عبر الزمن . ويغدو هذا كله في الذاكرة الجماعية والفردية إرثا ثقافياً، تبنى عليه مشاعر الانتماء والتضامن والهوية المميزة.
الثقافة بهذا المعنى منتج تاريخي محدد لمجتمع أو جماعة، يتسم بالتعدد والتنوع، الذي هو خصيصة أساسية من خصائصها. ومهما تكن درجة التطور أو التقدم التي يعيشها مجتمع أو جماعة، فإن هذا المجتمع (أو الجماعة) يستحوذ على ثقافته الخاصة التي تمنحه الهوية المميزة، وذلك عبر ضفيرة من القيم والمبادئ والأفكار والسلوكيات واللغة والدين وطرق الحياة والنظرة للذات وللآخر.. والثقافة بتعريفها هذا، تبدو في حالة تنافر أو تعارض، وأحياناً تناقض كامل، مع العولمة بمفهومها الثقافي . ذلك بأن العولمة تنشد انتقال الثقافة وانسيابها عنوة وعبر أدوات اختراقية على الصعيد العالمي متخطية حدود الثقافات المحلية الخاصة، بما يؤدي التنميط والوحدانية الثقافية.
ويقصد بالأدوات الاختراقية في هذا الإطار، تلك الآليات الحاملة للثقافة، التي بوسعها تخطي حدود المحلي والخاص، غالباً بلا استئذان وبما يتجاوز قدرة المجتمعات وحتى الحكومات على الضبط والتحكم. كشبكة الانترنت وتجهيزات البث الفضائي المسموع والمرئي، وشركات صناعة الإعلام والترفيه والبحث الاختباري والحواسب، وبكلمة جامعة فإن أدوات العولمة الثقافية هي تلك التي يَسَرت، بفعل التطور التقني، عمليات الاتصال عن البعد، ناقلة معها الأنشطة غير المنظورة. وذلك يخالف الوسائل التقليدية التي كانت تفترض الاحتكاك المباشر بين المجتمعات.
ولأن معظم أدوات العولمة الثقافية المذكورة تقع في حيز السيطرة الأمريكية ، فقد وصف البعض هذه العولمة بالأمركة.
فهذه الأدوات تتحكم في صناعة القيم والرموز والأذواق، وبسبب المدى الذي بلغته الثقافة الأمريكية من الانتشار عبرها، بات مفهوم الأمركة قريباً جداً من مفهوم العولمة الثقافية. وغالباً ما يأتي مفهوم الأمركة هذا في سياق سلبي، باعتبار أن أدوات العولمة ثبت الثقافة الشعبية الأمريكية المتدنية ، أكثر بكثير مما تروح لثقافة النخبة.
ولعل النظرة السلبية لكل من العولمة الثقافية بمعنى الأمركة تبدو مبررة في ضوء الانتشار واسع النطاق للمضامين الثقافية الأمريكية بمستواها الأكثر تدنيا بالفعل ، على صعد المأكل والملبس والفهم الأمريكي للغة الإنجليزية، والإعلانات، وبرامج السينما والتلفزيون.
الخصوصية الثقافية بين العالمية والعولمة:
في الواقع العملي للتفاعلات الثقافية بين الأمم والشعوب، تظهر العولمة كظاهرة مغايرة للعالمية. فبالنسبة للبعض، تعتبر العولمة فعل اغتصاب ثقافي وعدوان رمزي على سائر الثقافات . إنها رديف أو نظير لعمليات الاختراق الذي يجري بالعنف المسلح بالتقنية ، فيهدد السيادة الثقافية للمجتمعات التي تبلغها العولمة.
العولمة، طبقاً لهذا الرأي، ليست خياراً تنتقل وفقاً له المجتمعات من حقبة الثقافة الوطنية والقومية الخاصة إلى مرحلة أعلى هي الثقافة أو العالمية.
ويفرق هذا الرأي بين التثاقف والعنف الثقافي . التثاقف هو التفاعل الثقافي الإرادي على الصعيد العالمي، وهو الذي يغني العالمية الثقافية . ومضمونها ، الإصغاء والتدبير المتبادل الحر بين الثقافات وبعضها البعض والاعتراف المتبادل بينها ، الاعتراف بحق الاختلاف والتميز والحفاظ على الهوية الثقافية الذاتية بلا إكراه .
هذا في حين تنطوي العولمة على العنف بما ينكر المعنى المذكور للعالمية.
التثاقف يجري على قاعدة الندية ، ويحرم اختراق الثقافة المحلية أو القومية وحرمتها الذاتية. بينما العولمة، تفنيد وجود نظرة دونية تجاه الآخرين وخصوصياتهم.
العولمة، تفضي، أو هي تسعى إلى سيطرة ثقافة الأقوياء الذي يتحكمون في مكتسبات العلم والتقانة، وهؤلاء ينتمون في معظمهم إلى دائرة الحضارة أو الثقافة الغربية. وهذه العملية تمثل التتويج التاريخي لمرحلة مديدة من السيطرة التي بدأت قبل قرون. وأدت إلى مسخ ثقافات الجنوب، (في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية).
يمثل هذا التمييز بين العولمة والعالمية من المنظور الثقافي، تبدو العولمة أميل إلى مفهوم الغزو الثقافي بمعناه التقليدي الذي يفيد التغريب. فيما تظل العالمية الثقافية نوعا من التلاقح والتفاعل الإيجابي، الذي ينتخب أفضل ما في الخصوصيات الثقافية، ويطرحها كنتاج للتجربة الإنسانية العامة.
وقد تتضح الأبعاد السلبية للعولمة الثقافية من وجهة نظر العاطفين على التنوع والتعددية الثقافية، من هذا النفور والتخوف الذي تبديه قوى تنتمي إلى الحضارة الغربية ذاتها، لا يمكن وصفها بالضعيفة. ففي أوروبا يتحدثون عن علاقة سيطرة ورغبة في الهيمنة داخل العولمة بمفهومها الأمريكي. وهناك نزوع متنام بين جيوب ثقافية أوربية لمقاومة هذا المفهوم، باعتباره خطرا إستراتيجيا على الاستقلال الثقافي والهويات الثقافية الأوربية الخاصة. وقد عبرت أوساط فرنسية بالذات عن هذه المقاومة تحت مسمى الاستثناء الثقافي.
وبالطبع لنا أن نقدر والحال كذلك ، مدى المخاوف التي تنتاب منظومات ثقافية واسعة، في الدول الأقل نموا وقدرة على مجارات العولمة في العالم النامي .
على سبيل التوضيح نلاحظ مثلا، أن العولمة فيما يتعلق بثقافة حقوق الإنسان، باتت تعني تعميم مفاهيم حقوق الإنسان في الثقافة الأمريكية، باعتبارها ثقافة الأمة الصاعدة ، الأقدر على الترويج لهذه المفاهيم .
لكن العالمية والتثاقف في هذا المجال ، مجال حقوق الإنسان ، تعني بتقديم المفاهيم التي تقاسمت كل أو معظم الثقافات الإنسانية إنتاجها وبلورتها عبر تاريخ التجربة الممتدة للأمم والشعوب.. عالمية حقوق الإنسان بكلمات أخرى، تتأتى من صياغة ما ينسجم مع الأساس الأخلاقي والقانوني الذي أبدعته الثقافات المختلفة. الأمر الذي يتعارض وقولبة حقوق الإنسان وضمانات هذه الحقوق في مصطلحات الثقافة الأمريكية.
طبقا لهذا الفهم، فإن نشدان العالمي والعالمية في المجال الثقافي، هو طموح مشروع وواجب ورغبة في الأخذ والعطاء واستخلاص الأفضل، بهدف الارتقاء بالإنسانية عموما. ومن المؤكد أن هذه العملية التفاعلية تنطوي على إغناء للهويات الثقافية. وعكس ذلك هو ما يحدث على صعيد العولمة الثقافية، كونها مدخلا لتغيير إدراك الآخرين ونفي تميزهم، وهي بهذا المعنى تحل بالفعل محل الصراع الأيديولوجي وتسعى لإلغائه من الأصل.
هذه الملاحظة مهمة لمن أراد معرفة مغزى الصراع الأيديولوجي مقارنة بمغزى العولمة الثقافية بالنسبة للهويات الثقافية الخاصة. ففي زمن الصراعات الأيديولوجية، كالذي كان بين الاشتراكية والرأسمالية ، يتاح للأمم والشعوب ، الاختيار بين بدائل وتصورات مختلفة للحياة الإنسانية والتفكير، بيد أن العولمة تلغي مثل هذا الاختيار، وتسعى لإعدامه، إنها لا تطرح على الجميع سوى خيار واحد. هو ذلك الذي تتمكن أدوات العولمة ومن يملكونها، من الترويج له ونشره.
ومع يقينهم بالفرق بين وقوع الثقافات الخاصة أو الخصوصيات الثقافية في إسار العولمة وتحت ضغوطها وأدواتها الغازية الجبارة، وبين التلاقح الثقافي الذي طرحته فكرة العالمية مطولا، فإن البعض لا يرى في العولمة ظاهرة مستحدثة تماما. فالغزو الثقافي قديم قدم الظاهرة الاستعمارية. فما فعله المهاجرون الأوائل في القارة الأمريكية مثل غزوا ثقافيا للهنود الحمر وإن كان قاسيا. وكذا فعل المستوطنون في سائر أنماط الاستعمار السكني. إن محاولات إحلال ثقافة محل ثقافة أخرى بالقهر مسألة قديمة. وقد كانت الحجج والذرائع دائما متوفرة، كتمدين الآخرين أو تعمير الأرض ونشر الحضارة، كذلك كانت هناك دوما مقاومة لهذا الغزو.
لكن الفرق بين أزمنة الغزو السابق والعولمة الحالية ، يتأتى من التقدم التكنولوجي الذي يمكن للغرب الأمريكي بالذات، من محاربة الهويات الثقافية بسهولة أكبر. التكنولوجيا هي التي سمحت، بنظر هؤلاء، بممارسة عمليات الغزو الثقافي بشكل عاجل ومفتوح وشامل وبتكلفة أقل. فالقولبة والنمطية في المأكل والمشروب والملبس والأذواق العمرانية وكيفية التعامل مع الوقت والانشغال بقضايا محددة، هذه الأمور جميعا التي تطمس الهويات الثقافية للأمم والجماعات والأفراد، باتت مهيئة بفضل أدوات الاتصال والتواصل السريع السمعي والبصري والمكتوب التي تقع في حوزة الأقوياء في الغرب، الأمريكي نحو خاص.
ومما يترتب على ذلك غياب احتمال التلاقح الثقافي ببطء وتروي بين الأمم . وهذا يقلل فرص عالمية الثقافة لصالح عولمتها. العولمة الثقافية ، في الوقت الراهن، لا تتوقف عند ما يملكه الآخرون من ثقافات خاصة يمكن أن يغتني بها الجميع، أو يتم استخلاص مشترك إنساني منها، أنها غزو كاسح بلا بصيرة ينفي التميز بين فرد وفرد وجماعة وجماعة وأمة وأمة. وهي لا تفرق أيضا بين أغنياء وفقراء أو بين متقدمين ومختلفين، أو بين أهل الشمال وأهل الجنوب.
الدفاع عن الخصوصيات الثقافية .. الاتجاه المعاكس للعولمة :
في الوقت الذي تبدو فيه العولمة الثقافية إتجاها بغيضا لدى الكثيرين، ينبغي محاربته والتصدي لخصائصه، دفاعا عن التنوع الثقافي الإنساني، وصولا إلى بلورة أبعاد ثقافية إنسانية مشتركة عبر التثاقف العالمي الحر، كما سنرى، في هذا الوقت تجد العولمة من يتبناها ويدعو إليها في مقر دار الخصوصيات الثقافية في كل مكان .
يقول أصحاب هذه الدعوى التي تبشر بالعولمة الثقافية، بأنه تتدافع على الساحة الثقافية العالمية نزعتين موضوعتين، كلتاهما تسعى لنفي الأخرى : نزعة العولمة التي تثمل الاتجاه نحو المستقبل وتتحرك بدنياميات تكنولوجية واقتصادية قوية . ونزعة الخصوصيات العرقية والدينية. والإقليمية والمحلية الضيقة.. التي تمثل جيوبا للماضي ، تقاوم ولا تريد الزوال أو التآكل بسرعة. وهذه النزعة الأخيرة ، تتحرك محفوزة بقوة أيديولوجية وعقيدية وقومية ثقافية وسياسية ماضوية.
ويمضي هؤلاء إلى أن هذه الخصوصيات محكوم عليها بالسير في طريق من اثنين : فأما التشرنق والانكماش بهدف الحفاظ على الذات ، أو التوسع نحو الغير . وكلا الطريقتين يجعل منهما عنصرا مشاكسا للعولمة ، لكنهما لا يحولان دون الانخراط في اتجاه العولمة والذوبان في هياكلها، ولو بعد حين .
ويخشى أنصار العولمة الثقافية في كل الأحوال ، مخاطر المبالغة في رد الفعل على هذه العولمة. فقد تذهب بعض الخصوصيات إلى الارتداد الشديد نحو الانعزالية والتقوقع . بحيث تصبح المواجهة في هذا الإطار ما بين العولمة والقبيلة. ولكن هذه الجماعة المتعولمة إذا صح التعبير، لا تتمتع بروح الإنصاف في بعض الأحيان. وذلك حين تصف الحفاظ على الخصوصية الثقافية بأنها قضية تدعو للسخرية. فالهوية الثقافية عند هؤلاء لا تعني سوى التخلف والجهالة والأمية والفقر والعقم الفكري والقعود والاستسلام لتقاليد بالية، لم يعد لها دور في العصر الحديث.
بناء على هذا التكييف والفهم ، يطالب هؤلاء بالانفتاح على العولمة الثقافية ، والتجرد من الولاءات المتعصبة ضيقة الأفق إلى عالم خال من التحيز الثقافي والأيديولوجي . وزعمهم في هذا أو العولمة هي الخيار الثقافي الوحيد المتاح أمام الجميع ، طال الزمن أم قصر. فمن الأفضل والحال كذلك، الانخراط فيها لإيجاد مكان أو حجز مقعد بدلا من التهميش الذي ينتظر المتأخرين.
وبين التأثيرات الإيجابية التي تذكر للعولمة لصالح الثقافات الخاصة في كل مكان، يشير أنصار العولمة الثقافية إلى:
• أدت العولمة الثقافية بتقنيتها المتقدمة، إلى تغييرات في أنماط الخدمات الإجبارية التي تقدمها وسائل الاتصال المرئي والمسموع والمقروء، واتساع نطاق هذه الخدمات وتغطية الأحداث وتقديمها أو عرضها في الجهات الأربع أولا بأول.
• اكتسبت وسائل الاتصال المحلية المسموعة والمرئية بعدا دوليا. حيث يمكن متابعة البحث المحلي بمضامينه الثقافية الخاصة في العوالم الثقافية الأخرى خلف الحدود.
• رفعت العولمة الثقافية مستوى الخدمة الإعلامية والثقافية على جميع الصعد والأنماط.
• ظهرت في ركاب العولمة الثقافية ما يمكن تسميتها بدبلوماسية الأقمار الصناعية والبث الفضائي والثقافي الاليكترونية. وهو ما سمح ببث الثقافات المحلية أو المنافسة برؤى هذه الثقافات على نطاق كوني.
• وسمحت أدوات العولمة بخدمة ثقافية متنوعة وعاجلة في الوقت ذاته.
وعود إلى المتربصين بالعولمة الثقافية، الحذرين من تداعياتها، نجد أن هؤلاء يطرحون أسبابا وجيهة لتحفظهم منها:
• أن العولمة الثقافية تخطى بل وتحطم درجة التناسب الطبيعي بين الثقافي والاجتماعي في المجتمعات المختلفة. وعلة ذلك أنها تزخ فيضا من الأفكار والأنماط السلوكية والقيم، التي لم تكن نتاجا طبيعيا للبيئات الاجتماعية الاقتصادية في هذه المجتمعات. العولمة بهذا المعنى نتاج رحم آخر وبيئة أخرى. وحلولها في غير هذه البيئة يؤدي إلى نوع من الخلل الثقافي يهدد الخصوصيات ويدفع بها إلى الخلف بلا وازع. وفي التحليل الأخير هناك ما يدعو للتحذير من خطر التجافي بين البنى الثقافية والاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات المتلقية للعولمة.
• أن الثقافة التي تبثها ادوات العولمة، ثقافة زائفة سطحية، من شأنها توليد تولد شعور بالاستلاب وفقدان الهوية والاتجاه في المجتمعات الأضعف قدرة على التفنيد والنقد الثقافي.
• ثقافة العولمة تخضع لاعتبارات التسويق والتجارة، شأن أية سلعة اقتصادية، وهو ما يثير قضية تصدير الثقافة الأكثر ابتزالا وتفاهة بغرض التسلية الترفيه وبمرور الوقت تقضي هذه الثقافة على شحنات الإبداع الذاتي الأصيلة في المجتمعات المتلقية. ومبعث ذلك أن ثقافة العولمة مواد جاهزة معلبة للجميع، تتحرك حسب الطلب وبغير طلب، وليس حسب الهدف أو الحاجة المحلية. وغالبا ما يؤدي الطابع الترفيهي لهذه المواد إلى إدمان النمطية وعدم التنوع، مع أن هذه المواد ذاتها تستقطب أكبر المستهلكين للثقافة.
• بقدر ما تتعارض العولمة الثقافية مع الثقافات المحلية والخصوصيات، فإنها قد تسهم بشكل موجه ومقصود في تنمية بعض الثقافات المحلية المتعصبة، بهدف تعزيز الانقسام الوطني أو القومي كثقافات الأقليات في مجتمع معقد التركيب طال به التعايش تحت بثقافة جامعة.
• التأثر بثقافة العولمة يؤدي غالبا إلى عدم توازن بين المتلقين، إذ تنمو ثقافة معولمة للصفوة وثقافة أكثر إغراقا في المحلية بتياراتها المختلفة. وغالبا ما ينجم عن ذلك إحياء التيارات السلفية التي تتطلع للحفاظ على التراث والخصوصيات العرقية أو الدينية أو التاريخية أو القبلية.
وقد يقال إن نموذج الحضارة الغربية، هو المشترك الإنساني المرشح للسيادة الكونية الثقافية. لكن هذا النموذج لا يصلح بنظر الكثيرين لمهمة جليلة كهذه. ذلك بأنه غير قادر على تحقيق الانسجام مع البيئات لمحلية ولم يحقق التوازن العادل للثروة والدخل وصيانة التعددية الثقافية البناءة. وهو نموذج متهم عن جدارة بتصدير فكر عنصري وممارسات استعلائية واستغلالية استعمارية ضد الآخرين. هذا مع الاعتراف بقوته العلمية وبوجود جوانب إيجابية فيه.
ومن الواضح أن التحفظ يتعلق ليس فقط بشعوب عانت وما تزال من عيوب هذا النموذج في العالم النامي، ولكننا نجد قوى من داخل الحضارة الغربية ذاتها تستريب منه. وذلك بحكم العولمة الثقافية باتت ـ كما أشرنا ـ ترتبط بالأمركة أو بالنموذج الثقافي الأمريكي.
فمنذ وقت مبكر حذر وزراء الثقافة في الاتحاد الأوروبي خلال بيان لهم صدر عام 1988، من خطر التهميش الذي تتعرض له الثقافة الأوروبية، في إطار عالم توحده ثقافيا الصور والرسائل الأمريكية التي تذاع عبر الأقمار الصناعية.
وفي أواخر عام 1991 تحدث رولان دوما وزير خارجية فرنسا محذرا الولايات المتحدة من نزعة الهيمنة عقب انهيار الاتحاد السوفيتي.
على أن هذه التحذيرات تحولت إلى إجراءات عملية لاحقا. ففي فرنسا صدر قانون توجيهي، أطلق عليه “تلفزيون بلا حدود” وقد أقر هذا القانون بالفعل عام 1997. وهو يفرض على القنوات الفرنسية أن تكون غالبية برامجها (60%) التي تبثها من أصل أوروبي. وتم تغريم بعض القنوات التي لم تلتزم بهذا القانون. وكان من الواضح أن مثل هذا الإجراء موجه ضد الإنتاج السينمائي والتليفزيوني الأمريكي، ويمثل اتجاها داخل المجتمع الفرنسي والأوروبي يدعو لإيقاف مسيرة أمركة الثقافة الأوروبية.
وفي الاتجاه ذاته، قامت مجموعات إعلامية أوروبية بالتضامن المشترك لبث الثقافة الأوربية، والحفاظ على التنوع والخصوصيات الثقافية الأوربية في مواجهة المجموعات الاتصالية الأمريكية الضخمة. وجرت الشكوى والتحفز في دول غير أوروبية أيضا مثل كندا واليابان. ويذكر في هذا السياق ما أثاره بعض الخبراء الكنديين من أن “الأطفال في كندا باتوا من كثرة ما يشاهدونه من برامج أمريكية، يحسبون أنهم أمريكيون”. ومضى أحد رؤساء الوزارات السابقين الكنديين إلى أنه “لئن كانت الاحتكارات أمرا سيئا في صناعة استهلاكية ما، فهي أسوأ بكثير في صناعة الثقافة، حيث لا يقتصر الأمر على تثبيت الأسعار وإنما على تثبيت الأفكار أيضا”.
وإذا كان هذا هو حال بعض أكثر الدول والمجتمعات تقدما، فإن الرفض يطاول شرائح أوسع بكثير في الدول النامية، ومنها العالم العربي. فالعولمة الثقافية لدى هذه الشرائح، ما هي إلا المفهوم المستحدث للتغريب الذي يستهدف محق الهوية الوطنية والقومية والحضارية للأمم والشعوب. إنها ظاهرة غير محايدة بالمرة، وليست أيضا الخيار الوحيد كما يزعم المتعولون.
ومهما بلغت الثقافة الغربية أو الأمريكية من انتشار فإنه لا يمكن وصفها بالعالمية أو الإنسانية. فهذا الانتشار لا يعني أحقبة اكتساح العالم كضرورة حتمية. ولابد أن هناك تصورات ورؤى ثقافية أخرى، تتمتع بمساحة للحركة والاختيار.
وتتساءل تيارات الرفض، كيف يتأتى لثقافة تدخل في مكوناتها الانحدار الاخلاقي مثل انتشار المخدرات والجريمة والعنف وأفول دور الأسرة وما يرافق ذلك من تفكك اجتماعي وارتفاع معدلات الطلاق. والمواليد غير الشرعيين وحمل المراهقات وغياب المثل العليا والاحتكام للقوة العارية وتقديس الفردية والأنانية.. كيف يمكن لثقافة هذه بعض مكوناتها أن تزعم أولويتها وسيادتها الصعيد العالمي؟.
تعزيز لهذا الموقف الانتقادي إزاء العولمة الثقافية، راحت التيارات المدافعة عن الخصوصيات الثقافية تطرح اقتراحات مختلفة للمقاومة والدفاع عن هوياتها. ومن ذلك ليس على سبيل الحصر:
• تقوية اتجاه التحويل الديمقراطي وفتح السبل أمام القوى المحلية التي تسعى للحفاظ على خصوصيتها الثقافية.
• إذكاء الحافز الوطني والقومي والمحلي على نحو ما فعل النموذج الإيراني أو بالتقنين كما فعل النموذج الفرنسي.
• تشجيع الإنتاج المحلي على الصعيد الثقافي والإعلامي وطرحه عبر أدوات نشر الثقافة بما يستجيب لحاجات الأفراد والجماعات وبما يجمع بين المتعة والاستفادة.
• الاتصال الواعي بالإرث الثقافي والأصيل الانفتاح في الوقت ذاته على التقدمي والمفيد والإنساني في الثقافات الأخرى. (من الأمثلة التي تستدعي التأمل هنا أن النخب العصرية التي احتكت بالثقافة الغربية، هي التي قادت حركات التحرر الوطني والقومي ضد الاستعمار الغربي ذاته..).
• الإيمان بأن تجديد الثقافة الوطنية والقومية وإحياء المفيد من التراث الذاتي عموما وعصرنته، هو الطريق الآمن لتحصين هذه الثقافة.. هذا دون الانعلاق على مستلزمات العصر وثقافته، التي ليست كلها شر بالمطلق. (هذا ما فعلته اليابان منذ عصر ميجي الشهير عام 1868 وما تتابع السير فيه اليوم. وهو ما تحاول أيضا الصين والهند محاكاته الآن. فقد اتخذت هذه الأمم جميعها من تعاليم البوذية والكونفوشيوسية والهندوسية وسواها من الثقافات الآسيوية، ومن تراث الأجداد وقيمهم وأنماط سلوكهم الفردي والجماعي، منطلقا لصنع حداثة خالية من عقد الاستلاب والانسلاخ عن الذات).
• الاستعصام بثوابت ثقافة الأمة. فلكل أمة ثوابت ثقافية ليس من اليسير إزاحتها بقوة سطوة العولمة الثقافية. وبالنسبة للأمة العربية مثلا، هناك اللغة والعقائد الدينية والقيم الاجتماعية الراسخة (كدور الأسرة) وهذا يستدعي اتخاذ هذه الثوابت تكئة للحفاظ على الخصوصية الثقافية. ومن ذلك تعريب العلوم ليس بمفهوم النقل والترجمة فقط، ولكن باتخاذ اللغة واسطة للتعليم والبحث والكتابة والتواصل عبر الأجيال والأماكن. علما بأن اللغة العربية هي عمود الهوية العربية، وهي تنطوي على أساليب التفكير ومجموعة القيم والمفاهيم وطرائق الإبداع الذاتي.
نحو مشترك ثقافي إنساني عام :
واضح والحال كذلك، أن قوى مقاومة التجانس الثقافي السلبي وتلقين ثقافة واحدة ونموذج حداثى واحد، مازالت حية، وأن التوجه نحو المحافظة على عناصر الاختلاف الثقافي الإيجابي وتجديدها، مازال فاعلا، لكن تيار العولمة أو الأمركة ماض في طريقه أيضا.ب وهذا يعني أننا ثقافيا، بصدد تدافع كبير بين العولمة والخصوصية. ومن الصعوبة بمكان أن تستمر هذه الحالة على النطاق العالمي من دون أن تترك ندوبا أو حتى خسائر كبيرة على مسيرة التطور الإنساني.
فتقدم الإنسانية وتطورها، لن يتأتى إلا بتفاعل حصاد الثقافات المختلفة، وتبادل التجاوب الفكرية وإخصاب بعضها البعض. وبدلا من العولمة التي تعني القولبة والنميط، فإن الثقافات العالمية يمكنها، بتفاعلها المشترك، أن تفضي إلى مجموعة من الثوابت العالمية الثقافية إذا جاز التعبير، ونعتقد أنه يجوز. وهذه الثوابت يمكن انتخابها من كل الثقافات. وهو أمر ممكن عبر الحوار الحقيقي، عوضا عن محاولات فرض ثوابت ثقافية معينة، يدعى أصحابها أنها وحدها القابلة للتعميم.
ومثالنا في هذا السياق، يمكن استلهامه من خصوصيات الثقافة العربية الإسلامية، التي تتصور أنها تصلح لإثراء المشترك العالمي الثقافي. فهذه الثقافة تشتمل على أبعاد أخلاقية وعلمية وثقافية واقتصادية واجتماعية، يكاد يجمع الباحثون على رقيها ونزوعها الإنساني.
فمن الأبعاد الأخلاقية ، أنها تنطوي على المسئولية والحوار السلمي والعدالة والتوحيد والمساواة.. وهي علميا، تحض على طلب العلم وتجعله فريضة دينية وكفى بهذا رفعه لشأن العلم. وعلى الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، نجد مجموعة من القيم التي يعز على أية ثقافة إنسانية سوية إهمالها كتكافؤ الفرص والدعوة للعمل والإخلاص فيه وإكبار العلم وإرادة التغيير والتقدم وإنكار السير الأعمى على سنن الأولين والتدبر في شؤون الدنيا، ورعاية الآخرين واحترام المسنين والتراحم الاجتماعي وضرورة التماسك الاجتماعي والتكافل بين أعضاء المجتمع الذين ينبغي أن يشد بعضهم بعضا..
والواقع أن الدعوى إلى مقاومة العولمة الثقافية ليست دعوى رجعية، تستهدف قطع أواصر التفاعل الثقافي العالمي. بل هي طريقة للقول بأن الثقافة العالمية الحقيقية هي ثقافة سائر المجتمعات، إنها مجموع الخصوصيات الثقافية، وقد استثنى منها الضار والشاذ وغير النافع.
وإذا كان البعض يستشعر خطرا على التنوع الحيوي للأحياء، من جراء إنقراض بعض أنواع الحيوانات والطيور..، فإنه حري بالإنسانية جمعاء أن تستشعر التهديد على وجودها من جراء محاولة العولمة للقضاء على ثقافات ثرية بالمضامين المفيدة، ولذلك ليس صحيحا ما تروج له الثقافة الأمريكية من أن الرافضين للعولمة يقومون على أبنية ثقافية تتسم بالانغلاق والجمود وعدم التسامح. وأنه ينبغي عزل هؤلاء ودولهم وثقافاتهم. لأن مقاومي التنميط الثقافي هم حراس التنوع الإنساني والإثراء الثقافي الذي يترتب عليه، تماما مثلما يحرس البعض التنوع في الأحياء البيئية.
وفي كل الأحوال، سوف ينتهي هذه التدافع بين أنصار العولمة ودعاة الخصوصية الثقافية، في وقت ما، إلى وضعية يرجى أن تكون وسطية. لكن هذه الوضعية قد تأخذ وجهتين:
الوجهة الأولى : أن تنتج العولمة قواسم مشتركة في المجال الثقافي على المستوى العالمي، تتجاوز، وربما تتحاور مع الخصوصيات الثقافية. بمعنى أن تكون هناك مجموعة من القيم العالمية التي ترتبط غالبا بالعلم والتكنولوجيا والديموقراطية، تعرفها كل المجتمعات ونشترك فيها إلى جانب ما يحتفظ به كل مجتمع من خصوصية ثقافية. ويستند هذا التوجه (السيناريو بنظر أصحابه) إلى حقيقة أن تكنولوجيا الاتصال والمعلومات، لابد أن تنجح في بث هذا الحد الأدنى من المشترك الثقافي. وأن المجتمعات ذات الخصوصية الثقافية لن تمانع من قبول ذلك ولن تحبذ العزلة. لكنها لن تفرط أيضا في خصوصيتها أو في جانب كبير من ثقافتها الذاتية التقليدية. وأنها ستنتقي من الثقافة العالمية ما يفيدها في عملية التطور، وسوف تخضع تراثها لمفرزة وسوف تنجح في التمييز بين المجالين.
الوجهة الثانية : هي أن ينشأ مخلق ثقافي جديد، وربما مخلوقات ثقافية جديدة مشوهة لا تنتمي للثقافات أو الخصوصيات الثقافية تماما، ولا ينتمي إلى ثقافة عالمية تماما.. ولا إلى النموذج الغربي الأمريكي بالتحديد الذي تحاول العولمة فرضه بالضرورة. وينطلق هذا التصور من أن الثقافة ليست سلعة مادية يمكن استبدالها. ومن المستحيل أن يجري اقتلاع الثقافات التقليدية بالكلية وإحلالها بنموذج ثقافي غربي يقوم على المركزية الثقافية، ويطرح ذاته كنموذج أمثل، وكذا من المستحيل على الثقافات التقليدية مهما بلغت من الرفض، ألا تتأثر بالنموذج المطروح. وهكذا استحدث عملية تلاقح ثقافي، قد لا تخضع لضوابط معينة ولا يمكن التحكم فيها تماما. لكنها ستأتي بثقافة هجينة جديدة. وسوف يختلف هذا الهجين الثقافي من حالة لأخرى، تبعا لطبيعة الثقافة المحلية.
وبنظرة مقارنة، يبدو أن المرحلة الحالية من التدافع بين العولمة والخصوصيات في المجال الثقافي تتحرك في إطار الوجهة الثانية. فالهجين الثقافي المتصور أصبح موجودا بالفعل في مجتمعات مختلفة. ومع ذلك لا يمكن استبعاد حدوث الوجهة الأولى، أي الاستقرار على مشتركات وثوابت ثقافية إنسانية عامة، في الأجل الممتد. وفي تقديرنا أن بلوغ هذه الوجهة هو هدف ينبغي تبنيه والسعي إليه عبر سياسات مقصودة للتفاعل الثقافي البناء، من جانب الغيورين على ثقافة إنسانية تجمع بين التعددية والتنوع من جهة والوحدة على ثوابت بناءة من جهة أخرى.

من مصادر البحث :
– هربرت أ. شيللر، المتلاعبون بالعقول، (مترجم). عالم المعرفة، والكويت 1986.
– عبد الله عبد الدايم ، العرب والعالم بين صدام الحضارات وحوار الحضارات، المستقبل العربي، العدد 203، يناير 1996.
– العالم ومستقبل الثقافة العربية، المستقبل العربي، العدد 222، أغسطس 1997.
– سيار الجميل، العولمة .. اختراق الغرب للقوميات الآسيوية.. ، المستقبل الغربي. العدد 217، مارس 1997.
– محمد عابد الجابري، قضايا في الفكر المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1997.
– جلال أمين، العولمة والهوية الثقافية

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s