لماذا ولمصلحة من محاربة الفكر القومي العربي ؟ .. شبلي العيسمي

لماذا ولمصلحة من محاربة الفكر القومي العربي؟

شبلي العيسمي

1ـ نماذج من تسفيه الفكر القومي ومحاربته:

بعد انتكاس وحدة سورية ومصر، ووقوع الانفصال عام 1961 م، ظهرت حملة قوية من الكتابات استهدفت تسفيه الوحدة العربية والطعن في الدعوة لها، معتبرة انها طوباوية وخيالية وعبث لا جدوي فيه، وكان هدفها الأول تحميل أخطاء المسؤولين في دولة الوحدة إلي فكرة الوحدة نفسها، ما يؤدي إلي تكريس واقع التجزئة والضعف القائم في الوطن العربي، هذا الوطن الذي أصر الإعلام الغربي علي تسميته بأسم الشـــــرق الأوسط مع أن التسمية ليست صحيحة جغرافياً، ولكن تم تبنيها لأنها تخدم هدف الإضعاف والطمس للهوية العربية في الوطن العربي الكبير.

أما في هذه المرحلة التي ظهر فيها عجز الأنظمة العربية عن تفعيل الجامعة العربية باتجاه الاتحاد، وعن حماية الأمن القومي العربي، والفشل في مواجهة التحديات والازمات المتفاقمة، والرضوخ غير المسبوق للضغوط الأمريكية، ولا سيما بعد الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق، واطلاق يد شارون بالقتل والتنكيل والتنكر لاتفاقيات السلام مع الفلسطينيين، في هذه المرحلة ظهرت حملة جديدة لتسفيه الفكر القومي وشل مفعوله ومن ثم محاولة إستئصاله، نلحظها في بعض الصحف وأجهزة الإعلام المختلفة ولا سيما الرسمية منها، وفي بعض الندوات والمؤتمرات والمقالات، بل وفي محاولة تكوين أحزاب مغرقة في القطرية والتنكر للعروبة، كأحزاب عراقية في ظل الاحتلال (حزب الأمة العراقية) أو محاولة تشكيل حزب في مصر علي أساس فرعوني نابذٍ بصراحة للعروبة، أو الترويج لشعارات قطرية في جوهرها كالأردن أولاً ومصر أولاً والجزائر أولاً.. الخ. وكذلك العمل علي تفليش الجامعة العربية، والتصريح احياناً بالتخلي عن العروبة والأمة العربية والتحليق في فضاء أفريقي أو عولمي… وهناك مشاريع جديدة كمشروع أمريكا الجديد عن الشرق الأوسط الكبير لطمس الفكر القومي العربي وشل الحركات القومية المنبثقة عنه والمستندة إليه، ومن ثم تكريـــــس التجزئة العربية والتعامل مع كل قطر عربي بمفرده، وترسيخ الكـــيان الصهيوني واعطائه دوراً فاعلا وربما قائداً من خلال هذا المشروع.

وبعد: فإننا نود هنا أن نحصر حديثنا في تفنيد بعض ما ورد في مقالات لكتاب وصحفيين عرب حول ما نشروه وزعموه عن سلبيات القومية العربية وكوارثها وظلامها وانتهاء دورها . ولكي نبعد احتمالات الظن بأننا نتحامل ونسئ فهم العبارات، أو نتعمد التشويه لما يقصدونه، نضع أمام القارئ الكريم عبارات مقتبسة من ثلاثة نماذج من التصريحات:

آ ـ يقول الدكتور جمال عبد الجواد في صحيفة نهضة مصر بتاريخ 7/1/2004 ان الفكر القومي إياه قد أتي لشعوب هذه المنطقة بكارثة ومهانة جديدة (عند حديثه عن العراق). وان أنصار الفكر القومي كان موقفهم مدافعاً عن صدام حسين عند احتلاله الكويت، مصدقين انه قام بالغزو لصالح الأمة العربية وتحرير فلسطين، [ لاحظ المبالغة والتعميم، وفهم القومية العربية من خلال تصرفات صدام حسين الذي تفرد بغزو الكويت لكونها جزءاً من العراق كما أعلن ولم يغزها تطبيقاً لهدف الوحدة العربية ]. ثم يعرج علي ليبيا ويقرر ان قرار ليبيا بالتخلي عن أسلحتها النووية قرار صائب سيعود بالفائدة المؤكدة علي الشعب الليبي (وللقارئ الكريم أن يستنتج ما وراء هذا المنطق الذي لم يذكر لنا هل امتلاك اسرائيل للأسلحة النووية سيعود عليها بالضرر أم بالفائدة؟!) ويستطرد الدكتور جمال ليقرر ببساطة متناهية ان الفكر القومي ينطلق من تصور خيالي لأمة عربية افتراضية لا صلة لها بالشعوب العربية ـ كذا….

ب ـ في آواخر نيسان من عام 2004 يصرح السيد أحمد جلبي السياسي البارز في النظام العراقي في ظل الاحتلال إن إعادة البعثيين إلي أجهزة الدولة والجيش كإعادة النازيين في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية وفي الوقت نفسه صرّح بريمر الحاكم الأمريكي الفعلي للعراق قائلاً لم يعد ثمة مجال لايديولوجية حزب البعث المجرمة (لاحظ التركيز علي الفكر الأيديولوجي، وان وصفه يالاجرام يكفي للعمل علي استئصاله).

جـ ـ يقول الكاتب محمد الرميحي في صحيفة الحياة بتاريخ 5/1/2005م وتحت عنوان ظلام القومية، ما يلي: باسم الدين والقومية ارتكبت حماقات ضخمة… وأصبحت القومية تشكل عبئاً من جانبين. الأول علي تطور الدولة العربية (ويقصد القطرية القائمة حالياً في الوطن العربي) والثاني الوقوف أما العولمة باتصال العرب مع العالم الحديث… والقومية فات زمنها… وهي حالة فاشية إلي أن يقــــول باسم القومية نظر إلي الدول العربية وكأنها مؤقتة وأجّلت التنمية باشكالها المختلفة سياسية واقتصادية في انتظار الخلاص القومي… هذا الوهم الكبير (لاحظ هذه الأحكام القاطعة البتارة فات زمنها… فاشية… وهم كبير).

ـ لقد اقتصرنا علي هذه المقتطفات مع أن ثمة مفاهيم أخري مغلوطة عن القومية العربية وتقويمات سلبية شديدة لها تدعو إلي التساؤل والاستغراب. ولا تفسير لها فيما نعتقد سوي إنها نوع من الإسقاط أو سوء الفهم، أو لغرض في نفس يعقوب، أو بفعل الأغتراب الثقافي، أي التشبع بالثقافة الغربية والانبهار بها ومن ثم تبنيها و التنظير لها. وبغض النظر عن الدوافع والاسباب لتسفيه الفكر القومي العربي ومحاربته فأن النتيجة تصب في مصلحة الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية الرامية لابقاء العرب ضعفاء ومجزئين لتسهيل الهيمنة علي بلادهم واستغلال ثرواتهم وفرض التبعية عليهم.

بما ان تفنيد الآراء التي أوردنا بعض منها في النماذج الثلاثة المذكورة متعذر في مقال واحد، فأننا نحصر البحث هنا في توضيح مفهوم القومية العربية، وفق أصول منهجية، وكما فهمناها وعملنا لها منذ الأربعينيات من القرن الماضي، ونزعم انها حقيقية حية تدل عليها اثارها ونتائجها في حياة الأمة، وبعض هذه الآثار والنتائج واضح وملموس لا يخطئه ذو بصر وبصيرة. يتجلي فيما يسمي بالحركة القومية العربية ونشاطاتها الفكرية والتنظيمية والنضالية، وفي التجارب الأتحادية المتكررة بين قطرين عربيين أو أكثر وفي الجامعة العربية علي ضعفها. ومن المؤسف أن يري أعداء الأمة العربية حقيقة القومية العربية وخطر دعوتها لتوحيد العرب ويعملوا علي طمسها أو شل قدرتها علي إقامة اتحاد عربي، بينما يتنكر لها عدد من ابنائها. ومن المناسب والمفيد في هذا المقام أن نذكر القارئ الكريم بأمثلة من التصريحات لقادة إسرائليين مع استراتيجة لهم صريحة ومعلنة. ففي بداية الخمسينيات أجاب بن غوريون علي سؤال حول خطر الوحدة العربية: فقال لو كنا نعلم أن العرب يمكنهم أن يتحدوا لما فكرنا بالاقدام علي ما اقدمنا عليه. واننا لن نسمح للعرب بأن يتحدوا وفي اواخر عام 1966 م قال رئيس وزراء إسرائيل ليفي اشكول ان سياسة إسرائيل منذ قيام وحدة سورية ومصر هي ان نحول ولو بالقوة دون أي تغيير يحدث في الوضع القائم في الدول العربية . وبعد عامين يصرح آبا إيبان قائلاً يجب أن يكون واضحاً أن مصير المنطقة العربية لا يمكن أن يكون الوحدة، بل العكس. إنه الاستقلال القائم علي التجزئة.

وفي دراسة عن استراتيجية إسرائيل أعلنت في الثمانينيات نطالع ما يلي: إن الخيار الوحيد أمام إسرائيل في صراعها مع العرب هو تفسيخ وتجزئة الأمة العربية وإنهائها بنشر الفوضى والحروب الأهلية وإثارة النزعات الطائفية والعنصرية في جميع الأقطار العربية (لمزيد من التفاصيل عن هذه الاستراتيجية انظر كتابنا ـ لماذا الوحدة العربية وكيف ـ في جزئيه الأول 1993 والثاني 2004م).

وباستعراض سريع لسياسة الدول الغربية الاستعمارية ولا سيما بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية بالتحالف مع الصهيونية وإسرائيل، نجد أن هذه الاستراتيجية المشتركة في تقسيم الوطن العربي وتجزئته قديمة متجددة، وما تزال مستمرة. فمنذ القرن التاسع عشر برزت في الاستعمار الأوروبي للوطن العربي وتقسيمه، وتجلت في القرن العشرين باتفاقيات سايكس بيكو عام 1916 م وفي وعد بلفور عام 1917 م وفي غرس إسرائيل في فلسطين عام 1948 م وحروبها المتكررة ضد الأقطار العربية المجاورة بهدف التوسع والسيطرة، وآثارها الآن بادية للعيان في العراق والسودان…، وفي وسائلها الإعلامية والأقلام المأجورة الناشطة والمبثوثة في الأقطار العربية.

بعد هذا التمهيد وقبل الانتقال إلي تفنيد ما ألصق ظلماً بالقومية العربية من سلبيات وسوءات، نود التأكيد علي أننا نحترم الرأي والرأي الآخر. وهدفنا من الحوار هو الوصول إلي الحقيقة أو أقرب ما يكون إليها، وليس مباراة في الدفاع عن أفكار وقناعات مسبقة ثابتة.

2 ـ الوطنية والقومية والحركة القومية:

القومية العربية في أوضح التعريفات وأبسطها حب القوم وكلمة القوم وردت في 383 آية من القرآن الكريم وكلها بمعني جماعة اجتماعية تشد افرادها روابط معينة تميزهم عن غيرهم . والتمييز هنا ليس عرقياً ولا شعوراً بالتفوق والاستعلاء والتقوقع، بل مجرد تعبير عن هويتهم التي تجعلهم مختلفين عن غيرهم من الجماعات والشعوب في بعض الأمور كالثقافة والعادات والمعتقدات والمصالح… وهذه الجماعة تعرف بإسم الأمة، وافرادها يربط بعضهم ببعض شعور مشترك من التعاطف ومن الانتماء لهذه الأمة والولاء لها، والاستعداد للدفاع عنها والعمل لإعلاء شأنها. وهذا الشعور يتكون من وحدة اللغة والتاريخ والتراث الحضاري والثقافي والمصلحة المشتركة والمعتقدات وعوامل أخري مختلفة من أمة إلي أخري.. وقد تكون الأمة في دولة واحدة أو مجزأة في عدة دول كما هو حال الأمة العربية. أما الوطنية فهي حب الوطن (الأرض والجغرافيا)، ويسري هذا الحب علي أبناء هذا الوطن، وبذلك تلتقي الوطنية مع القومية ولا تتناقض معها إذا كانت الأمة في دولة واحدة.أما إذا كانت مجزأة في أكثر من دولة، فأن الوطنية قد تتحول إلي إقليمية ضيقة بحجم الدولة. وقد تُصطنع التناقضات بين الوطنية والقومية بفعل عاملين أساسيين، الأول وهو الأخطر، وجود فئات حاكمة تريد الحفاظ علي مكاسبها وامتيازاتها في القطر الذي تحكم فيه، وتعتبر أن الاتحاد مع الأقطار الأخري يفقدها الكثير من هذه الامتيازات من جهة، وقد يجلب لها من جهة أخري المتاعب ووجع الرأس وزعزعة الحكم من الدول الكبري الطامعة بالهيمنة علي المنطقة العربية. والعامل الثاني هو أن الدول الأوروبية الاستعمارية والولايات المتحدة المتحالفة مع إسرائيل وتمدها بكل وسائل القوة، تبني استراتيجيتها علي ابقاء العرب مجزئين لتسهيل السيطرة عليهم وفقاً للمبدأ الاستعماري الشهير فرّق تَسُد . وهنالك تصريحات ومواقف عملية كثيرة لقادة أوروبيين وأمريكيين تلتقي مع تصريحات ومواقف إسرائيل التي ذكرنا نماذج منها.

وبعبارة موجزة: فإن القومية العربية للفرد العربي هي بمثابة هويته الثقافية والحضارية، ولا يستطيع الانفكاك منها أو التخلي عنها متي شاء، لأنها تشبه هويته الشخصية المتمثلة في ملامح وجهة وبصمات يده.

عند الحديث عن القومية العربية ترد إلي الذهن الأسئلة التالية: هل هي حديثة، مستحدثة أم قديمة؟ وما هي صلة الإسلام بها ودوره فيها؟ وما دامت القومية عاطفة حب وولاء للأمة فهل يمكن أن يكون للفرد أكثر من ولاء وحب؟

آ ـ القومية العربية حسب فهمنا لها، ليست وليدة مرحلة معينة وظروف تاريخية خاصة تنتهي بانتهائها، بل هي قديمة قدم الأمة التي تجسدها، بغض النظر عن ضعف هذه الأمة وقوتها أو عن تقلصها أو توسعها في مراحل التاريخ المتعاقبة. لقد اثير جدل حول العروبة ومن هو العربي مع ظهور الحركة الشعوبية في نهاية حكم بني أمية في القرن الثامن للميلاد، وهذه الحركة أخذت أسمها من كلمة الشعوب الواردة في الآية 13 من سورة الحجرات يا ايها الناس، إنا خلقناكم من ذكر وأنثي وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله اتقاكم ـ ان الله عليم خبير . وقد بدأت في المطالبة بالمساواة والعدالة بين المسلمين العرب وغير العرب، ولكنها انتهت بدوافعها السياسية، إلي الهجوم علي العرب والتصغير من شأنهم وماضيهم، فانبري عدد من الكتاب للرد عليهم وتفنيد ادعاءاتهم بما يشبه الأدلة التي طرحها دعاة القومية العربية ومفكروها في هذا العصر الحديث عندما فندوا وردوا علي الأفكار والطروحات التي تسفه القومية العربية وتعاديها كالمنظمات والأنظمة القطرية، والماركسية الأممية، والإسلاميين الذين تحمســـــوا لعالمية الإسلام واهملوا عن جهل أو تجاهل صلته بالعروبة، وابرزهم من باكستان المودودي ومن إيران الخميني وبني صدر.

ـ وفي القرن الثامن الميلادي كان تعريف العربي والعروبة (اي القومية العربية في لغة هذا العصر) متأثرا بنسبة قليلة بالحسب والنسب والعرق، أو بالأرض والجغرافيا. ولكن الأكثرية أو التركيز السائد كان علي اللغة والثقافة والعادات والتقاليد. فالجاحظ 255 هـ (علي سبيل المثال يقول لقد جعل اسماعيل وهو ابن اعجميين، عربيا، لأن الله فتق لهاته بالعربية، ثم حباه من طبائعهم ومنحه من اخلاقهم وطبعهُ من كرمهم وأنفتهم وهممهم (رسائل الجاحظ ـ مكتبة الخانجي بالقاهرة ـ الجزء الأول ـ تحقيق وشرح عبد السلام هارون ـ سبتمبر 1964 ص 31) ـ وعن الأمام مالك ان الرسول قال: يا ايها الناس أن الرب واحد والأب واحد، وليست العربية باحدكم من أب ولا أم، وإنما هي اللسان فمن تكلم بالعربية فهو عربي (ولمزيد من الأمثلة يمكن مراجعة كتابنا عروبة الإسلام وعالميته الطبعة الخامسة لعام 1993 من ص 214 ـ 248).

ب ـ اما بالنسبة لصلة الإسلام بالعروبة ودوره فيها فهي اشبه ما تكون بصلة الشجرة بالأرض التي انبتتها، رغم كونه دينا سماويا وعالميا أو انهما كاللحمة والسدي في الثوب. وآية ذلك أن العرب كما قال عنهم عمر بن الخطاب هم مادة الإسلام فالنبي الأعظم عربي ( وما ارسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم الآية 4 من سورة إبراهيم)، ولغة القرآن الكريم هي اللغة العربية إنا انزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون (الآية 2 سورة يوسف) ـ وعندما توضحت أهداف الإسلام واكتملت تعاليمه وترسخت نواته في صدر الإسلام، ويوم لم يكن لغير العرب دور في نشره والنضال من أجله، نزلت الآية في حجة الوداع لمخاطبة المسلمين يومذاك اليوم اكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا (الآية 3 سورة المائدة). هذا ومن السهل علي أي عربي أن يجد العروبة في قراءته للقرآن وفي الصلاة والحج والآذان والفقه فضلا عن الحضارة والتراث والتاريخ. ولكن الذين لا تروق لهم هذه الحقيقة، اي العلاقة الوثيقة بين العروبة والإسلام يسعون للتفريق في المعني بين العروبة والقومية بنوع من الحذلقة اللغوية، فيزعمون انهم ليسوا ضد العروبة لأن العرب مادة الإسلام ولغتهم لغة القرآن، ولكنهم ضد القومية العربية وما نجم عنها من حركات وتنظيمات قومية لأنها في نظرهم مماثلة للحركات القومية في أوروبا، ثم يلصقون بها ما ليس فيها، ويتهمونها بالتعصب والتقليد والاغتراب وتبني العلمانية الملحدة، أو ما شاكل ذلك من سلبيات. أي أنهم يلبسونها قناعا بشعا مخيفا لتنفير المسلمين العرب منها، ويسعون لإفتعال التعارض والتناقض بينهما. وبالمقابل فإن الإسلام أمد العروبة بأسباب القوة والنمو والبقاء واثراها بتعاليمه وقيمه الإيجابية والإنسانية، وأصبح هو في موضع القلب من الجسم أو اللب من الثمرة، وهذا يعني ان المسلم غير العربي، إذا فهم الإسلام علي حقيقته فلا بد له أن يتعاطف مع العرب من خلال عقيدته الإسلامية. أما المسيحي العربي فأنه يحمل شيئا من روح الإسلام وتعاليمه من خلال صلته بالعروبة، فما دام الإسلام عربيا بلغته ونبّيهِ وبيئته الاجتماعية التي نشأ فيها وفي ابطاله ورجاله الأوائل الذين نصروه ونشروه وأنشأوا أول دولة عربية إسلامية في بداية حكم الخلفاء الراشدين وما دام الإسلام قد وحد العرب وافصح عن العروبة وأغناها وعززها وحماها، وكان لها تراثا انسانيا عالميا ضخما فقد اصبح من حقه كعربي ولو كان مسيحيا أن يتفهم الإسلام ويتزود من تراثه ويعتز به بوصفه تراثا ثقافيا وحضاريا له (لمزيد من التفاصيل أنظر كتابنا عروبة الإسلام وعالميته ط 5 لعام 1993 م ص 171 وما بعدها) ويكفي أن نتذكر كيف ان الاستعمار الغربي للاقطار العربية ولا سيما في اقطار المغرب العربي كان يسعي لتمزيق العرب في سبيل الهيمنة عليهم من خلال محاربة الإسلام واللغة العربية الفصحي وتشويه التاريخ العربي الإسلامي، وهي المقومات أو المكونات الأساسية للترابط بين العروبة والإسلام.

جـ ـ ما دامت القومية حبا وولاء فهل يمكن أن يكون للمرء أكثر من ولاء وحب؟! وجوابنا علي ذلك نعم إذ يمكن أن يحب أسرته وابناء قريته واعضاء حزبه وبني وطنه وأمته وعقيدته الدينية، ويمكن فوق ذلك أن يكون ذا ميول ومشاعر انسانية، يتعاطف مع الشعوب الضعيفة، ويقدم لها المساعدة الممكنة. وهذا يعني ان العربي القومي يستطيع ان يخدم أمته العربية والقطر الذي يعيش فيه ضمن اطار الدولة، وعقيدته الدينية، وعواطفه الإنسانية، دون أن يشعر بالتناقض، ما لم يقع في شراك الأفكار والتنظيرات المغرضة والتي تتعمد افتعال التناقض بين هذه المشاعر ضمن هذه الدوائر المذكورة. وهنالك ملاحظة أخري، هي أن الشعور القومي وتأثيراته قد تُمْني بالضعف والفتور في فترة معينة من الزمن، ويقوي علي حسابه الشعور الوطني او الديني العالمي، او الماركسي الأممي، أو العصبيات الطائفية والعشائرية أو الجهوية، ولكن أخطر ما يواجه الفكر القومي في هذه المرحلة يتجلي في الفئات الحاكمة في كل قطر، لأنها تعمل علي تسخير وسائل الدولة القطرية وامكاناتها لإذكاء الجانب الوطني واعطائه شرعية تاريخية وواقعية في حدود الدولة القطرية، مع طمس الشعور القومي، وبالتالي لجعل المصلحة القطرية غاية الأهداف ونهاية المطاف، من خلال القوانين والقرارات والشعارات والرموز الخاصة بالدولة كالحكومة والمجلس النيابي والجيش والعلم والنشيد الوطني والقوانين التي تقيد حرية الانتقال للاشخاص والبضاعة من وإلي الأقطار العربية الأخري باشد مما هو مع الأقطار الأجنبية. ومنع اي حزب أو حركة من النشاط أو العمل إذا كان لها صلة بحزب أو حركة في قطر عربي آخر، كما أن الصحافة واجهزة الإعلام ومناهج التربية والتعليم تركز علي شؤون القطر مع اهمال الأقطار الأخري والمصلحة القومية المشتركة.حتي الجامعة العربية في ما آلت اليه، لم تعد قادرة علي جمع الحكام العرب حول أبسط القضايا القومية لأنها تمثل سياساتهم المغرقة في القطرية والذاتية والانصياع للضغوط الأمريكية. ولهذا كله لا نستغرب إذا ما تحول الشعور الوطني الايجابي بفعل سياساتهم إلي نزعة قطرية سلبية متعارضة مع النزعة القومية، في الوقت الذي كان بالامكان ان تسير النزعتان أو الشعوران جنبا إلي جنب، وعلي سبيل المثال فان الفئات الحاكمة في القطر السوري بعد جلاء القوات الفرنسية عنه قد جمعت بين المحافظة علي حكمها في القطر مع بقاء التوجه القومي ورعايته، ففي الأربعينيات من القرن الماضي، كنا نردد في المدارس الابتدائية والثانوية النشيد القومي الشهير بلاد العرب أوطاني، من الشام لبغدان ـ ومن نجد إلي يمنٍ إلي مصر فتطوان ـ فلا حد يباعدنا ولا دين يفرقنا ـ لسان الضاد يجمعنا بغسان وعدنان.

وهذا التثقيف القومي هو الذي يفسر لنا الحماسة الشعبية الشديدة للوحدة بين مصر وسورية عام 1958 بالإضافة إلي أن الحريات العامة والممارسة الديمقراطية كانت في تلك المرحلة أفضل وأرحب مما آلت اليه فيما بعد حيث تحولت الأنظمة العربية إلي الديكتاتورية أو البولسية الأمنية وتمكنت من تقييد المنظمات الشعبية أو إلغاء دورها بعد أن كانت هذه المنظمات قادرة علي محاربة وإفشال الاحلاف العسكرية والهيمنة الاجنبية كحلف الدفاع المشترك في بداية الخمسينيات وحلف بغداد في منتصفها ومبدأ أيزنهاور لأملاء الفراغ في المنطقة العربية عام 1957، بينما في العقد الأول من هذا القرن، تحتل أمريكا بلدا عربيا (العراق) وتعبث بأمنه ووحدته ومصير شعبه ولا تستطيع الجماهير العربية التعبير عن مشاعرها القومية بالتجمهر أو التظاهر إلا ما ندر وبحجم اقل بكثير مما يجب أن يكون، وذلك بفعل الخوف وقمع الأجهزة الأمنية، أو لأن الثقافة السياسية والإعلامية في الأقطار العربية أصبحت قطرية لا قومية تمجد من هم في قمة السلطة (ملوك وامراء ورؤساء) ولا تعني بالتثقيف الوطني والقومي والديمقراطي، بل توافقت مع أجهزة الإعلام الغربية في توجيه اهتمام الأجيال العربية الجديدة نحو اهتمامات رياضية أو فنية أو لإشباع حاجاتهم المادية والاستهلاكية، ومتعهم الشخصية مع العزوف عن القضايا الاساسية المهمة في حياة الوطن والأمة، بحيث اصبحنا نجد عشرات الألوف من الشبان يحضرون أو يشاهدون مباراة في كرة القدم أو حفلات سوبر ستار، بينما لا يحضر منهم سوي عشرات لمحاضرة يلقيها سياسي أو مفكر كبير عن الديمقراطية أو الوحدة العربية أو المشروع الأمريكي عن الشرق الأوسط.

لقد كان الرئيس جمال عبد الناصر جامعا بين المشاعر الوطنية المصرية والقومية العربية والدينية الاسلامية، ويعمل فوق ذلك كقائد عالمي وانساني في منظمة الدول الداعية إلي الحياد وعدم الانحياز والتحرر من تبعية الدول الكبري الطامعة بالهيمنة، ولهذا كان عندما يلقي خطابا موجها إلي العرب ويتحدث فيه عن القومية العربية وضد الاستعمار، تتفاعل معه الجماهير العربية من المحيط إلي الخليج وتتحرك بالتظاهر إذا دعاها، بينما لا يستطيع أي زعيم عربي في هذه الأيام أن يحرك هذه الجماهير ولو في قطره الذي يحكم فيه إلا بأجهزة الدولة ومخابراتها وبشكل مفتعل وذلك لسبب بسيط هو كونه واحدا من المسؤولين في الأنظمة القائمة بطبيعتها القطرية المستبدة المستسلمة للضغوط الأمريكية، والفاشلة في تحقيق أهداف الجماهير في التحرر والتقدم والازدهار.

ـ عندما تعمم ثقافة الديمقراطية الحقيقية، وثقافة التوازن والمواءمة بين المشاعر الوطنية والقومية والدينية والإنسانية، ويستبعد افتعال التناقض أو أو التعارض بينها، تصبح الأهداف القطرية والقومية المنشودة في التحرر والتقدم قابلة للتحقيق، بل يصبح ما يبدو لبعضهم معجزة، قابلاٍ للتحقيق أيضا، وعلي سبيل المثال نشير إلي انتصار شعب فيتنام علي أعتي دولة واقواها في هذا العصر، الولايات المتحدة الأمريكية. وانتصار الجزائر علي فرنسا ومن ورائها حلف الأطلسي، وكذلك صمود المقاومة الفلسطينية طوال نصف قرن بفضل التلاقي والتعاون بين التيارات الوطنية والقومية والماركسية والدينية والعلمانية، ومـــــثل هذا في المقـــــاومة العراقية التي تتلاقي فيها وتغذيها المشاعر الوطنية والقومية والإسلامية، وعندما تلاقـــــت كلها وتضافرت علي مقاومة الاحتلال استطاعــــت أن تقترب من المعجزة في تمريغ انف الإدارة الأمريكــية في التراب، وهي التي تراها الفئات العربية الحاكمة قوة لا تقاوم ولا تقهر.

ـ أما الحركة القومية فهي مانتج عن الشعور القومي من فعل ونضال وتنظيم وفكر يحدد الاهداف والمبادئ المرحلية والبعيدة التي تجسد آمال الأمة وتطلعاتها، ومن هنا كانت حركة القومية العربية حية متجددة وتعبر عن نفسها في كل مرحلة بأهداف وشعارات معينة. وكلما كانت هذه الاهداف والشعارات معبرة بصدق وعمق عن حاجات الأمة وتطلعاتها، ومنسجمة مع منطق العلم والتطور، ومع القيم الانسانية في الحق والعدل والمساواة، وتوائم بين الحداثة والتراث، كانت أكثر قدرة علي الاستقطاب الشعبي والنجاح، شريطة أن يتبناها تنظيم في مستواها يتوفر في قياداته الوعي والأيمان والقدرة علي النضال والتضحية والمثابرة. وبعبارة واحدة: فان الحركات والتنظيمات والنشاطات القومية تتغذي من الشعور القومي كما تتغذي الشجرة من نسغها ومن التربة التي تعيش فيها.

وأخيرا وليس آخرا، من المناسب ان نشير إلي أهم الأهداف التي تنشدها وتناضل من أجلها الحركات القومية في هذه المرحلة، مدفوعة بالشعور القومي علي النحو التالي:

1 ـ الدعوة والعمل لإقامة اتحاد بين العرب وفق صيغة اتحادية مرنة لا مركزية، لأن في الاتحاد قوة وفي التجزئة ضعفا وتخلفا، وهذا ما يؤكده الواقع العربي الملموس والمعاش، وتؤيده كل الدراسات والبحوث العلمية من خبراء ومختصين عرب وأجانب. والدليل علي ان في الاتحاد قوة في المثل السائر ان عشرة متفرقين لا يستطيعون بناء بيت واحد، بينما إذا اتحدوا بنوا عشرة بيوت وكذلك في قول الشاعر العربي:

تأبي الرماح إذا أجتمعن تكسرا وإذا افترقن تكسرت آحادا

والهدف الثاني، هو الحرية واقامة نظام ديمقراطي يضمن وجود هذه الحرية واسلوب ممارستها. وبين الوحدة الاتحادية والديمقراطية صلة حية وعضوية وتُعدْ هذه من اقرب الطرق المؤدية إلي تلك لأن تطبيق الديمقراطية يعني السماح لأبناء الأمة العربية كي يعبروا عن آرائهم بحرية، وهذا التعبير لن يكون لتكريس التجزئة أو التباعد بين العرب وانما للتعاون باتجاه الاتحاد، ولا سيما ان حركة التطور المعاصرة تسير باتجاه المزيد من اقامة الاتحادات والتجمعات الاقتصـــادية والسياسية لمصلحة الذين يشتركون فيها.

اما الهدف الثالث والأساسي لحركة القومية العربية المعاصرة فهو العدالة الاجتماعية والأقتصادية بحيث تحقق مبدأ تكافؤ الفرص وتمنع استغلال الانسان لأخيه الانسان، أي محاربة الرأسمالية المتوحشة المستشرية التي ترعاها العولمة وقوانين السوق الحر والتجارة العالمية والدول الكبري المتقدمة المهيمنة علي أسلحة الدمار الشامل ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية مع استهتارها بالقوانين والشرعية الدولية التي تصون السلام والأمن والعدالة بحدودها الدنيا، وتحد من تغول الأقوياء للضعفاء وفق شريعة الغاب. وكما أن الاشتراكية الماركسية فشلت في الاتحاد السوفييتي لغياب الديمقراطية، فأن الديمقراطية في أمريكا ستمني ولو بعد حين، بالفشل لغياب العدالة الاجتماعية والاقتصادية، ولسيطرة اقلية من الرأسماليين في شركات متعددة الجنسيات على اقتصاد العالم ومصائر الشعوب بشكل لا يعرف الرحمة والعدالة والقيم الإنسانية.

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s