الخطاب التاريخي للدكتور جورج حبش في المؤتمر الوطني السادس للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين


الخطاب التاريخي للدكتور جورج حبش
في المؤتمر الوطني السادس للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
(عُقد في دمشق، في تموز عام 2000)

الرفيقات والرفاق الأعزاء أعضاء المؤتمر الوطني السادس
تحية الثورة : تحية فلسطين والعروبة
حديثي إليكم في هذا المؤتمر له أهمية خاصة واستثنائية، فهذه كلمتي الأخيرة التي سأتحدث بها معكم بصفتي الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الأمر الذي يفرض عليّ أن أخاطبكم بصورة تختلف عما درجت عليه العادة في مؤتمرات الجبهة السابقة. إذ لا يعقل أن أقفل ملف مهمّتي كأمين عام للحزب دون التبصر في مراجعة هذا الملف وما آلت إليه أوضاع الحزب.
رفاقي ورفيقاتي الأعزاء
أستذكر في هذه اللحظة مسيرة الجبهة الشعبية الطويلة، وأستذكر الرفاق الأوائل الذين وهبوا عمرهم في سبيل قضية فلسطين والأمة العربية ، أستذكر عشرات الوجوه لرفاقٍ أحبة سقطوا وهم يحملون بالحرية والتقدم، تاريخ مجيد حافل بالعطاء والصدق ، وفي نفس الوقت حافل بالتضحيات والآلام والدموع، أستذكر كل ذلك… فيبدوا لي كم هو قراري صعب ، إنه من صعوبة الرحلة التي قطعها على طول المسافة الزمنية الممتدة بين أيام الشباب وصولاً إلى لحظة الشيخوخة، مسافة تغمرني بالبهجة لأنني بذلت قصارى جهدي، وأعطيت قدر المستطاع، دفاعاً عن حقوق وتطلعات شعبنا وأمتنا، كما أنها تغمرني بالحزن لكل العذابات والآلام وسبيل الشهداء والجرحى والأسرى الذين تدفقوا ليحملوا راية فلسطين، ورغم ذلك وصلت الأمور إلى هذه اللحظة والمرحلة، والمرحلة، حيث التراجع والإحباط والتساوق مع المشاريع الأمريكية ــ الإسرائيلية.
ومع ذلك، ورغم كارثية اللحظة وقساوة التحديات، إلا أنني لا زلت أمسك بخيط الأمل، ليس من منطلقٍ عاطفي، وإنما لأنني أدرك طبيعة الصراع، وأدرك أصالة هذا الشعب وهذه الأمة، كما أعرف دروس التاريخ، وبأن الهزائم والإحباط ومهما امتدت زمنياً فإنها تبقى مؤقتة وعابرة، فالشعوب في نهاية المطاف هي صاحبة الكلمة والفصل، وهي قادرة على أن تطلق أحلامها وآمالها مقاومةً وصموداً ودفاعاً عن أهلها ومصالحها…
وشعب فلسطين بما يمثل من حقيقة ديموغرافية وتطلعات تحررية وعدالة قضية وبما له من عمقٍ حضاري وإنساني، ومن تجارب وتراثٍ نضالي وتضحيات، ولا يمكن إلا أن ينهض من جديد… هذه هي دروس ثورات العشرينات، والثلاثينات والأربعينات وصولاً إلى انطلاقة مقاومته الوطنية المسلحة التي توجت بانتفاضة شعبية عارمة نقشت صفحاتها في سفر التاريخ.
كما أن شعب فلسطين بكل هذا العمق العربي والحضاري، لا بد إلا أن يكون شعب المستقبل… شعب الحياة، مهما بدت الأمور صعبةً وقاسية في هذه الأيام . فالأمة العربية ليست مجرد قبائل متناحرة، أو أمة ولدت على هامش التاريخ، وإنما أمة كان لها مأثرة في قيادة العالم على مدار قرون متتالية، أمة عريقة ذات تراثٍ ومنجزات إنسانية غطت كافة مجالات حقول العلم بلا استثناء، أمة عاشت قمة الازدهار في وقت كانت تغرق أوروبة فيه في ظلمات العصور الوسطى، أمة امتدت من الصين إلى إسبانيا، إن لم نقل العالم أجمع، ولم يكن ذلك الدور ليكون لولا امتلاكها هذا الدور. وهي بما تختزنه من إمكانيات بشرية واقتصادية واستراتيجية إنما هي مجبرة على مواجهة المخططات التي تستهدف وجودها اتصالاً بتطلعاتها المستقبلية.
الرفيقات والرفاق الأحبة في الوطن والشتات
لقد اتخذت قراري بعدم ترشيح نفسي للأمانة العامة بعد دراسة وتفكير عميقين، وتفاعل واسع مع العديد من الرفاق.
ومن الطبيعي أن يدور في ذهن كل واحد منكم السؤال التالي: لماذا أيها الحكيم؟ هل بسبب المرض؟ جوابي بالطبع كلا، إن الوضع الصحي لم يحُلْ يوماً دون قدرتي على قيادة الجبهة الشعبية، ولم يؤثر على عزيمتي وإصراري على مواصلة الكفاح طيلة هذه السنوات. وإن مقياس الصحة بالنسبة لي هو القدرة على أداء الواجبات والمهام المطلوبة مني كأمين عام.
إذن هل هو التعب؟ إنني وبكل صدق رفاقي لم أحاكم يوماً في حياتي النضال باعتباره عملاً متعباً، وإنما كنت أتعامل معه كنمط حياة، لأنني كنت أدرك طبيعة الصراع ومتطلباته وشروطه، لم يكن العمل النضالي بالنسبة لي هواية، وإنما كان مسؤولية وطنية وقومية كبرى، تحتاج إلى تحشيد الطاقة وتكثيف الوقت والعمل، وتوفير العقل.
أم هو بسبب الأوضاع والإحباط والحالة العامة السيئة التي يعيشها الجميع؟! جوابي بالطبع كلا. إن أحد أهداف كلمتي هذه هو الإسهام في مواجهة الأسئلة الكبرى التي يطرحها الواقع، في محاولة للإسهام معكم للوصول إلى إجابات أو بدايات إجابات لمجابهة هذا الواقع السيئ.
إذن مادام الأمر ليس كل هذا، فما هي الأسباب الحقيقية وراء مثل هذا القرار المصيري؟ بالنسبة لي كإنسان أسهم في النضال الوطني والقومي ومن موقع المسؤولية الأولى، سواء في أيام حركة القوميين لعرب، أو أثناء مسيرة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين؟
هناك سببان رئيسيان يقفان وراء قراري التاريخي هذا:
أولاً: رغبة صادقة لدي تبلورت في أواخر الثمانينات بتقديم مثل ونموذج للآخرين، بأن الإنسان المناضل والقائد يستطيع أن يستمر في العمل والعطاء حتى بدون مواقع قيادية رسمية، هذا من جانب ومن جانبٍ آخر إعطاء مثل نقيض للحالة العربية للحالة العربية والفلسطينية، والتي تتجسد في تشبث المسؤولين في مواقعهم مهما طال بهم العمر، حيث لا مجال لتداول السلطة إلا تحت وقع الموت أو الانقلابات. قد يبدو للبعض أن هذا الكلام جاء متأخراً، ومع ذلك فهذا سبب حقيقي، كان ينضج في فكري ويتبلور باستمرار، ولم يكن استمراري في منصبي كل هذه السنين بأي حال من الأحوال تحت ضغط الامتيازات، أو الحفاظ على المركز، أو تلبية نداء التمسك بالكراسي، بل كان نابغاً من نداء الضمير وواقع الجبهة وتطورها أولاً وعاشراً.
ثانياً: في ضوء الوضع العام والإجمالي، أشعر وأدرك أنه من الأفضل لي في السنوات المتبقية من عمري، التركيز في عملي على مهمات وطنية وقومية، أعتقد أنها تحظى بمكانة محورية ومركزية في العمل الوطني والقومي أكثر من ممة استمراري في الأمانة العامة، دون أن يعني هذا الكلام أي انتقاص أو مساس بهذا المنصب الذي يتطلب كل الجهد والطاقة والعطاء. ولكنني كجورج حبش وفي ظل الوضع المحيط والخاص أصبحت على قناعة بأنني سأفيد أكثر بإحداث هذه النقلة الجديدة في حياتي… دون أن يعني ذلك بأي حال من الأحوال الابتعاد عن الجبهة التي أعطيتها عمري ، أو عن العمل السياسي والمهمات النضالية الأشمل وطنياً وقومياً كما ذكرت.
في ضوء ما تقدَّم، ما هي المهام والميادين التي أعتقد أنني وبما أملك من تجربة وخبرات وما تبقّى لي من عمر أستطيع العطاء فيها، ومواصلة النضال لكن بأشكال جديدة؟
هناك أولاً توثيق وتسجيل تجربة حركة القوميين العرب، وتجربة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وتجربتي الشخصية والنضالية لتستفيد منها الأجيال القادمة.
أيها الرفاق، إن ما عشته وراكمته طوال هذه العقود النضالية ليس بالأمر البسيط، وبالتالي فإن من حق الرفاق والأجيال القادمة أن تقف على مضامين ودروس هذه التجربة بكل ما حفلت به من نجاحات وإخفاقات. إذ لا يمكننا أن نقتحم المستقبل دون أن نكون قد قرأنا تاريخنا جيداً، ليس بهدف التسمر عند ذلك التاريخ، ولكن بهدف استثمار الخبرة والتجارب كشرط ضروري للتعامل مع المستقبل، فالحاضر هو امتداد نوعي للماضي وفي نفس الوقت هو المقدمات المادية والفكرية التي تؤسس للمستقبل. وبهذا المعنى فإن لديّ ما أقوله، وبإمكاني قوله بصورة أفضل وأنا متحرر من قيود المناصب القيادية، فقراءة التاريخ تشترط الموضوعية، وهذا غير ممكن مادام الإنسان منغمساً في تفاصيل الحياة الحزبية اليومية بكل أثقالها.
وهناك ثانياً، مهمة تأسيس مركز للدراسات؛
عند استعراض تجربتي الماضية بصورة شمولية وبروح نقدية أشعر أن هناك العديد من الثغرات الجديدة التي رافقت تلك التجربة. فالأحزاب أحياناً، والأفراد أيضاً، وفي غمرة العمل والنضال والصراع والاشتباك المستمر، وخاصة في ظل صراع مثل الصراع الذي خضناه ونخوضه كشعب فلسطيني، تفقد إمكانية الهدوء والمراجعة، وإن حدثت المراجعة فإنها تجري فإنها تجري في سياق الأحداث وتحت ضغط الانفعالات وحرارة الاشتباك، فتأتي جزئية أقرب إلى ردود الفعل منها إلى قراءة ومراجع نقدية في العمق… فعلى سبيل المثال، وبنظرة عميقة لتجربة الماضي، ورغم كل التضحيات والإنجازات التي راكمناها، وهي ليست قليلة، إلا أنها تجربة تميزت بتغليب الشعارات والعاطفة في مفاصل ومواقف كثيرة، هذه الشعارات ورغم صحتها ومشروعيّتها، إلا أنها لم تُقرن بشرط نجاحها وتحقيقها ألا وهو الأداة الحاملة لهذه الشعارات والساعية لتحقيقها.
ومعروف علمياً أن شعارات الأهداف الإستراتيجية لوحدها غير كافية لإدارة الصراع وتحقيق الانتصارات، بل إن ذلك يشترط تكثيف استخدام العقل والفكر في تحليل حقائق وحركة الواقع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وبما يشمل ليس فقط الذات كشعب وأحزاب، وإنما أيضاً متابعة للمتغيرات التي يعيشها ويراكمها الطرف النقيض لمعرفة أسباب وعناصر قوته وانتصاراته وعناصر ضعفه… وصولاً إلى موهبة الإمساك بالحلقة المركزية ومقدرة بناء الأداة الطليعية القادرة على حمل الفكر والبرنامج والشعار.
من هنا، ترسّخت في ذهني وعقلي فكرة تأسيس مركز للدراسات، للمساهمة في مواجهة هذه الثغرات، دون أي مبالغة في أن هذا المركز سيجيب على كل الأسئلة، ولكنها خطوة، أعتقد أنها جديرة بالجهد والوقت، علماً بأن نجاح المركز مشروط بتوفر الإمكانيات المالية والفكرية والتنظيمية، وآمل أن أنجح في محاولتي لتوفير مقومات إنجاح هذا المشروع. وأنا أتعامل مع هذه المسألة كجزء عضوي من مكمل للعمل الوطني السياسي والنضالي، وكجهد جديد يضاف إلى جهد المؤسسات العربية والفلسطينية المشابهة. مع إضافة ضرورية هنا وهي أن هدف هذا المركز سيتكثف في دراسة التجارب الوطنية والقومية السابقة، مع تركيز خاص على أسباب الإخفاق والهزائم، إلى جانب تركيز مماثل على تجربة الحركة الصهيونية وأسباب استمرارها وانتصارها.
أما المهمة الثالثة: فمحورها العمل القومي، وهي ترتبط بالعمر والصحة، فإذا ما أتيحت لي سنوات أطول، وما دمت قادراً على العمل والفعل، فإنني لن أدخر جهداً في هذا الميدان.
ولا أقصد هنا بطبيعة الحال تأسيس حزب جديد، أو العودة لحركة القوميين العرب، وإنما بذل الجهد العقلي والعملي لإقامة نواة جبهة قومية واسعة تواجه المشروع الأمريكي – الصهيوني في هذه المرحلة.
تركيزي على البعد ليس أمراً وجدانياً أو اعتباطياً، بل يعود إل رؤية عميقة وقراءة تستند للواقع وموازين القوى، ومعرفة لطبيعة العدو ومشاريعه التي نجابهها، في فلسطين أو على مستوى الوطن العربي، وهنا تطرح أسئلة كبيرة ومتعددة تفرض التفكير والدراسة حول واقع الحال العربي، وخصوصاً ما يتعلق باستناد المشروع القطري لطاقته التقدمية منذ زمن، وتعرض منجزاته للضرب والتفكيك، وتحول برجوازيات المشروع الوطني الاستقلالي إلى برجوازيات تابعة كومبرادورية تدور في فلك المركز الإمبريالي، وضرورة الرؤية العلمية لأسباب الضعف وعوامل الاستنزاف الداخلي، وترابط الأهداف الوطنية والقومية ببعديها السياسي والاجتماعي انطلاقاً من أهداف المشروع الصهيوني، الذي يتجلى بنزعة توسعية جغرافية في فلسطين واقتصادية على الصعيد العربي، والهادف إلى فرض التطبيع العام بغرض تسرب روح الهزيمة وتحقيق الاختراق المتعدد الأشكال، الأمر الذي يفتر وبنفس القدر تحقيق شروط تفعيل ممكنات النهوض القومي، وإعادة الاعتبار لهذا البعد في الصراع ضد المشروع الصهيوني، وخاصة مناهضة التطبيع بما يمثله من ثقل وموقع في التخطيط الإسرائيلي لاختراق العمق العربي سياسياً واقتصادياً وثقافياً.
أيها الرفاق الأعزاء
هذه هي عناصر المحور الأول في كلمتي إليكم والتي تتناول دوري ومهامّي بخطوطها القادمة، وفي هذا المجال أود أن أقول لرفاقي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ولأصدقائي ورفاقي في حركة القوميين العرب، والذين يعرفونني جيداً كما يعرفون أن الظروف الذاتية والموضوعية هي التي ستتحكم في قدرتي أو عدم قدرتي على على إنجاز هذه المهمات، ولكن الدافع الرئيسي وراء تسجيلي لهذه المهمات وطرحها عليكم إضافة لما سبق ذكره، هو أنني أريد أن تتحول هذه المهمات إلى دليل عمل لكم وللأجيال القادمة. وسأبذل من طرفي كل جهد ممكن على هذا الطريق، وأتمنى أن أملك القوة والوقت للسير نحو تحقيقها، أو بصورة أدق لضمان إطلاقها وإرساء دعئم استمرارها.
المحور الثاني
يتركز حديثي في هذا المحور حول سؤال أساسي جوهره :
ماذا مثلت الجبهة أثناء وجودي كأمين عام لها؟
لقد عشت تجربة الجبهة منذ إرهاصات تأسيسها الأولى وحتى اللحظة، عشتها منذ أيام صعودها، عشتها في أيام صعودها، وعشتها في لحظات الأزمات والصعوبات، فماذا كانت تعني الجبهة وفق رؤيتي؟
هل مثلت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين فعلاً قضية واحتلت مكانة مرموقة في وجدان وتاريخ الشعب الفلسطيني على مدار عمرها الذي يزيد عن اثنين وثلاثين عاماً؟
لقد مثلت الجبهة وفق حقائق التاريخ والواقع، بتضحياتها، بدماء شهدائها، وصمود أسراها، وعطاء أعضائها، ورؤيتها السياسية، وممارستها النضالية قضية كبيرة تجلت في التفاف قطاعات شعبية واسعة حولها على المستويين الفلسطيني والعربي. فلماذا كان هذا الالتفات، ولماذا احتلت الجبهة هذا المكانة المتقدمة في التاريخ الفلسطيني المعاصر؟ هل يعود السبب يا ترى إلى شخصية جورج حبش؟ قطعاً الجواب بالنفي. إذن هل السبب بعض العمليات العسكرية المعينة؟ أم بسبب طبيعة الحياة التنظيمية التي حكمت بنيتها الداخلية؟ أم بسبب طبيعة ومواصفات الكادر الذي شكل نموذجاً مميرزاً مقارنة بغيره؟ أم بسبب طبيعة العلاقة مع الجماهير…؟ أم هل يعود ذلك للهوية الفكرية للجبهة، والتي حاولت دائماً الربط الخلاق بين الوطني والاجتماعي، بين المرحلي والاستراتيجي، بين الوطني والقومي؟ أم هل يعود ذلك للتجربة المميزة للجبهة في ممارستها للقيادة الجماعية وإيجادها للمؤسسات الناظمة للعمل؟ أم غير ذلك؟
بعيداً عن التقليل من قيمة وأهمية هذه العوامل المذكورة، إلا أن هناك عواملاً أكثر أسياسية وجوهرية، فما هي هذه العوامل؟
وفق قناعتي ورؤيتي فإن العامل الأساسي في تميّز تجربة الجبهة الشعبية وخصوصيتها التي نالت كل هذا الإعجاب وهذا الدعم والتأييد، ولعبت كل هذا التأثير فلسطينياً وعربياً ودولياً، يعود بالأساس وبالدرجة الأولى إلى تشابك الخط السياسي الذي مثلته الجبهة مع المشروع الوطني التحرري بالخط القتالي… والسير في خطوات ملموسة في بناء الأداة التنظيمية – الجذع الذي يحمل هذين الفرعين؛ وهنا أستذكر أجب الثورات الحديثة التي أكدت عبر تجاربها وانتصاراتها المرموقه على هذا الجانب، وتحديداً في الصين وفيتنام، حيث لعب الخط السياسي دوراً حاسماً، إضافة بالطبع إلى الخط العسكري السليم المنسجم مع الخط السياسي.
ورغم أهمية الخط العسكري وإستراتيجيته بالنسبة للتجربة النضالية الفلسطينية إلا أنني أود هنا التأكيد على الخط السياسي . والسبب في هذا التأكيد يعود إلى حقيقتين أفرزتهما التجربة الفلسطينية المعاصرة:
1- أن الخط العسكري يأتي في صُلب الخط السياسي، أي أنه جزء مكون من الرؤية السياسية… وبالتالي إذا كانت الرؤية السياسية سليمة وعملية وثورية فإنها بالتأكيد ستمارس الشكل النضالي الملائم مع تلك الرؤية السياسية.
2- إن إخفاق الحركة الوطنية الفلسطينية، وارتداد قيادتها الرسمية ممثلة بفريق أوسلو لا يعود بالأساس إلى اخفاقها العسكري، أو لغياب كفاحية قواعدها التنظيمية أو الشعبية، وإنما يعود في هذه لمرحلة إلى انهيار الخط السياسي لهذه القيادة، الذي تُوّج بانقلابها على البرنامج الوطني التحرري، وانخراطها في المشروع الأمريكي- الإسرائيلي للتسوية. اتصالاً بالتغيرات الطبقية – الفكرية – المعنوية – التي طرأت على النخب القيادية أولاً وقبل كل شيء آخر.
ارتباطاً بذلك يبرز السؤال: ما هو الخط السياسي الذي انتهجته الجبهة الشعبية؟ وإلى أية درجة راكمت شروط القيادة الثورية المجسدة لهذا الخط؟
الخط السياسي التي سارت على أساسه الجبهة كما أراه، وأعطاها كل هذا التميّز، يتمثل بأربعة مفاصل رئيسية:
المفصل الأول: امتلاك الجبهة لرؤية عملية واقعية للعدو وتحالفاته.
وتبرز قيمة هذا الوعي بصورة أعمق عندما نستذكر حالة الخلط التي رافقت تجارب شعبنا التاريخية على هذا الصعيد، إبان العشرينات والثلاثينات والأربعينات. لقد طرحت الجبهة وبوضوح شديد فهمها ورؤيتها لمعسكر الأعداء، وكشفت الأسس الاقتصادية والسياسية التي تكمن وراء الحزب المعادي، وبينت خصائص المشروع الصهيوني كمشروع امبريالي استيطاني، كل هذا وسواه أوصلنا إلى استنتاج محوري مفاده: أن حالة الاشتباك التاريخي بيننا وبين المشروع الصهيوني ستتواصل وتستمر بحكم طبيعة التناقض الذي يحكم الصراع باعتباره تناقضاً تناحرياً حصيلته النهائية: إما نحن أو المشروع الصهيوني. هل هذه الرؤية مغامرة أو متطرفة أو غير واقعية كما يحلو للبعض وصفها في هذا الزمن، زمن الارتداد والانهيار؟ أم إنها رؤية علمية دقيقة وواقعية لإسرائيل وما تمثله هي وحلفائها باعتبارها ذراع امبريالي وجزء بنيوي من مشروع امبريالي تأسيساً مساراً وراهناً؟. اسرائيل التي قامت تأسيساً على أنها دولة للشعب اليهودي المسكين والمضطهد، دولة للشعب الذي تعرض للإبادة الجماعية، وإنها الحل الأمثل لما كان يسمّى بالمسألة اليهودية، ليأتي قيامها على حساب اضطهاد وطرد الشعب الفلسطيني من أرضه ووطنه، وعن طريق أبشع المذابح وعمليات الاقتلاع، لتنتهي راهناً وعبر تحالفها العضوي مع الامبريالية الأمريكية، دولة إقليمية عظمى تمتلك ما يزيد عن 200 رأس نووي وجيش حديث يتفوق على الجيوش العربية مجتمعةً، وتشكل تهديداً ليس على الشعب الفلسطيني فقط، بل على الأمة العربية جمعاء، وعلى المنطقة بأسرها.
إن نظرة جديدة وعميقة للصراع ولمخططات وممارسات إسرائيل وسياستها تبين جوهر المشروع الصهيوني كمشروع استيطاني عنصري يستهدف الهيمنة السياسية والاقتصادية على فلسطين والأمة العربية وكل ذلك تحت مظلة عسكرية تستند إلى تفوقها المطلق سواء في الأسلحة التقليدية أو النووية، وبإسناد كامل من الولايات المتحدة الأمريكية. وبهذا المعنى يأخذ حل التناقض التناحري مفهوم حل الصراع على أساس التصفية السياسية للقضية الفلسطينية ولحقوق الشعب الفلسطيني الوطنية والتاريخية وفرض الرضوخ والاستسلام على الأطراف العربية وإجبارها على التساوق مع المشروع المعادي والانزلاق فيه. غير أننا نعتقد، بالنظر إلى طبيعة التناقض التناحري ودوام الاشتباك التاريخي،أن المشروع التسووي لا يتعدى إدارة الأزمة دون حل لها ،بما يتيح للتحالف الأمريكي- الإسرائيلي تحقيق انتصارات ونجاحات توسعية استعمارية. وبالرغم من كثافة الحملة الإعلامية، العالمية والعربية، والتي تحاول ترويج العملية الجارية على أنها “عملية سلام”، هذه الحملة والتي تجد لها صداً وتأثيراً على شعوبنا العربية، في الوقت التي تثبت فيه حقائق التاريخ والواقع أن مايجري ليس سلاماً حقيقياً، بل تسوية مؤقتة بالمعنى التاريخي، لأنها تأتي في ظل التغييرات الدراماتيكية الهائلة التي عصفت بالعالم وبالوضع العربي في العقد الأخير من القرن الماضي، كما تأتي في ظل التحولات النوعية التي طالت القيادات الفلسطينية المهيمنة. ولأنها أيضاً تسوية لا تلبي الحد الأدنى من الحقوق المشروعة والتاريخية لشعبنا وأمتنا.
قد تكون الجبهة في سنواتها الأولى ركزت على رؤيتها الإستراتيجية، ولكن من خلال التجربة التي توصلت إلى أهمية وضرورة الربط ما بين الإستراتيجيا والتكتيك السليم، حيث أكدنا باستمرار على الترابط الوثيق بينهما، ولكن في نفس الوقت لم نقوض أسس إستراتيجيتنا السياسية لصالح السياسة الجارية، وهذا ما عكسته وثيقة طرابلس التي أكدت على العلاقة الجدلية بين ما بين الاستراتيجي والمرحلي في النضال، ما بين البرنامج السياسي وإعادة البناء الديمقراطي لمؤسسات م.ت.ف.
المفصل الثاني: رؤية وقناعة الجبهة بضرورة تحشيد الجماهير الفلسطينية بدون استثناء (الفئات، الشرائح، الطبقات)؛
وذلك استجابة لطبيعة ومهمات مرحلة التحرر الوطني، غير أن الجبهة كانت تحرص دائماً على أن تكون قيادة الثورة قادرة على حشد وتعبئة كل طبقات الشعب، كون هدفها هو المصلحة الوطنية العليا لعموم الطبقات، وحتى تتمكن من ذلك فإنها (أي القيادة) يجب أن تكون معبرة عن تلك المصالح وقادرة عن الدفاع عنها وحمايتها، وهذا غير ممكن عندما تكون القيادة فردية ونخبوية وتعبر عن مصالح الطبقة البرجوازية الكومبرادورية كما هو حاصل حالياً. من هنا كان تركيز الجبهة على أهمية أن تكون القيادة قادرة من حيث رؤيتها وفكرها وممارستها الطبقية على حماية مصالح وحقوق الشعب. وعندما كانت الجبهة تشعر بأن قيادة الثورة الرسمية أو السائدة تنحو بالثورة باتجاه الانكفاء على مصالحها الضيقة كما هو حاصل الآن، وتجيير النضال الفلسطيني واستثماره في خدمة الامتيازات والثراء الغير مشروع للبيروقراطية المهيمنة المتحالفة مع البرجوازية الكومبرادورية التي تميل باستمرار للتضحية بمصالح الشعب والأمة لصالح أهدافها الطبقية الخاصة، كانت تتمرد وتثور في مواجهة تلك القيادة وخياراتها السياسية التفريطية.
هذا ما يمثل موقف الجبهة عند انعقاد مجلس عمان عام (1984) ورفضها المشاركة فيه، وهذا ما يفسر إقدامها على إقامة تشكيلات للمواجهة والممانعة مثل جبهة الرفض، والقيادة المشتركة، والتحالف الديمقراطي، ورغم أية انتقادات يمكن تسجيلها على مثل هذه التجارب، إلا أن الدافع وراءها كان باستمرار الشعور بالمسؤولية الوطنية، واستشعار جدية المخاطر التي تكمن في الخط السياسي للقيادة البرجوازية. وقد استطاعت الجبهة في بعض المراحل أن تلعب دوراً رئيسياً إن لم يكن الدور في فرض التراجع على تلك القيادة وإرغامها بالعودة عن مواقفها، كما حصل بالنسبة لاتفاق عمان في المجلس الوطني التوحيدي في الجزائر.
إن ما نشهده الآن من حقائق ومآسي لحقت بالحركة الوطنية الفلسطينية والقضية الوطنية هو برهان حي على جدية هذه المسألة العملية، ولعل أحد أسباب إخفاقاتنا أننا لم نستطع عند اللحظة المناسبة أن نكون بمستوى ترجمة هذا الخط الصائب فأضعنا الفرصة التاريخية السانحة لمواجهة انحرافات البرجوازية وخط سيرها المتهافت سياسياً.
وهذا التحدي يتواصل راهناً وتتضاعف قيمته يعد أن أصبحت تلك القيادة تملك سلطة وأجهزة أمنية في أرض الوطن، ومندرجة في مشروع سياسي متساوق مع مخططات وأهداف الاحتلال الإستراتيجية، إضافة إلى تبلور شريحة من السماسرة والوكلاء والمافيا المتحالفة مع القضية الرسمية التي أخذت تعزز سلطتها السياسية والأمنية بسلطة اقتصادية تابعة ومرتبطة بالاقتصاد الإسرائيلي، ناهيك عن الفساد والإفساد المستشريين في هذه السلطة وأجهزتها المختلفة. دعوني ألمس الجرح، هل أصبنا دائماً في قرائتنا للقيادة اليمينية وخط سيرها، أم أن تفاوت اجتهاداتها الداخلية قد أضعفت قراءتنا العلمية وصوابية تحليلنا، فكنا نعارض وننقد ولا نلبث أن نخفف وتيرة النقد ونتحد تحت لواء القيادة اليمينية، هذا يتطلب مراجعة وتقييم. وأكبر مثال هو ما يجري الآن حيث خيار القيادة اليمينية الواضح ارتهانها الواضح، ومع ذلك تم ويتم، في بعض الأحيان، ممارسة تكتيكات خاطئة، باعتقادي تساهم في إضعاف صدقية موقفنا.
المفصل الثالث: ترابط العمل الوطني الفلسطيني مع العمل القومي العربي؛
والذي يعكس رؤية الجبهة لخصوصية الصراع وموازين القوى وللبعد القومي كحاضنة للبعد الوطني، أما الصيغة التنظيمية لهذا الترابط فقد شهدت حراكاً دائماً امتد على مساحة التجربة النضالية (حركة القوميين العرب، حزب العمل، التفكير في جبهات قومية متعددة).
لقد كان هذا المفصل حاضراً باستمرار في رؤية القيادة والكادر والقاعدة، وهو مفصل ميّز باستمرار برامج وسياسات الجبهة ومواقفها دون أن يعني ذلك عدم ظهور أو وجود أخطاء وتقصيرات عديدة رافقت هذه المسيرة في تجاربها ومحطاتها المختلفة، وخاصة على مستوى الممارسة العملية التي لم ترتق إجمالاً إلى مستوى استحقاق عملية الربط ما بين البعدين الوطني والقومي، من هنا فإن أحد أهم أسباب الهزيمة التي يعيشها شعبنا الفلسطيني الآن يكمن في عدم الإمساك الصحيح بهذه المعادلة الأساسية في علاقة الوطني بالقومي، الأمر الذي توَج في أوسلو بفصل القضية الفلسطينية عن عمقها القومي العربي. حريّ هنا إبراز خلل كبير يتمثل في طغيان الطابع الفلسطيني على عملنا في العقدين الأخيرين إلى درجة عدم إنفاق جهد يتوازى مع أهمية الخط القومي الشعبي، فيما نلمس بجلاء تعذر انتصاراتنا دون عمل عربي شعبي، في الوقت الذي كان يتوجب فيه أن لا نكف عن الحوار والتنسيق مع كل التيارات التي تشاركنا الهم والهدف.
المفصل الرابع: البعد الدولي؛
حيث سعت الجبهة نظرياً وعلمياً لحشد أوسع إطار دولي لنصرة القضية الفلسطينية إلى جانب بعديها الفلسطيني والعربي، وذلك إدراكاً منها لحجم معسكر العدو وما يملكه من إمكانات. هذا الخط كان يعكس أيضاً رؤيتها لوحدة معسكر الثورة على المستوى العالمي ونتيجةً لهذا الخط شكلت الجبهة وعلى مدار سنوات عنواناً جاذباً حيث التحق بها المناضلون من مختلف الجنسيات والبلدان. لقد كانت مدرسة ثورية استطاعت إقامة شبكة علاقات تحالفية واسعة النطاق، تتبادل العون والمساعدة مع حركات التحرر القوى التقدمية والديمقراطية على المستوى العالمي.
علينا أن لا ننسى تلك الأعوام والتجارب المجيدة من تاريخ الجبهة، إنها ذخيرة تمدنا بالعزيمة والإصرار.
واليوم صحيح أن المعسكر الدولي المناصر لقضيتنا قد تعرّض لزلزال عنيف ومدمّر بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، إلا أن ذلك لا يلغي ولا يمس جوهر هذا الخط، فقوى الثورة والتقدم لا يمكن أن تنتهي مهما كانت قساوة الهزائم والتراجعات، بل وفي عصر العولمة الرأسمالية بقيادة القطبية الأمريكية، حيث السيطرة على السوق الدولية ونهب ثورات بلدان المحيط عبر اتفاقيات الجات وخليفتها منظمة التجارة العالمية والمديونية المتسارعة والتبادل اللامتكافئ، المصحوبة بثورة تقنية وهيمنة إعلامية وتفكيك للمشروع القومي والمجتمع المدني، كلها تستدعي تساند وتعاضد القوى والطبقات الشعبية، وهنا يتوجب علينا نقد أنفسنا على إفراطنا في الراهن على الاتحاد السوفييتي السابق والتأثر المبالغ فيه بمدرسته النظرية.
ولهذا علينا التأكيد على صحة هذا الخط نظرياً وعملياً، ولكن آخذين بعين الاعتبار حقائق الواقع الجديد وما برز منه من أشكال جديدة للعمل والفعل. والإمكانيات على هذا الصعيد قائمة وموجودة وبإمكاننا أن نخاطب هذه القوى الصديقة بالاستناد لقرارات الشرعية الدولية، بهدف استعادة فاعلية البعد الدولي المساند لقضيتنا في مواجهة حالة التفرد الأمريكي في رسم وفرض المخططات على شعبنا وأمتنا.
هذه في تقديري أهم العوامل التي جعلت من الجبهة قضية مميزة في تاريخ الشعب الفلسطيني المعاصر، والآن هل فقدت هذه العوامل صحتها وحيوتها؟ وهل بالإمكان استعادة دور الجبهة ومكانتها بدون إعادة تحديد هذه المفصل الرئيسية التي ميزت خط الجبهة السياسي على مدار سنوات نضالها؟
إنني على قناعة تزداد عمقاً سواء بالمعنى الفكري أو كدروس للتجربة بأن هذه النواظم تشكل معياراً واختباراً في العمق إذا ما أردنا أن تغادر الجبهة دوائر ركودها وتراجعها وأزمتها نحو الفعل والمبادرة والتجدد واستعادة ثقة الحركة الشعبية بها وبمشروعها الوطني والقومي التحرري.
المحور الثالث
المرحلة السياسية الراهنة
إني أدرك بأن الحديث حول اللحظة السياسية الراهنة متشعب وواسع، ولهذا فإنني سأركز على الجوانب الأساسية. بطبيعة الحال لا يمكن علمياً تناول الأحداث والمتغيرات السياسية بدون رؤية إطارها الدولي والمتغيرات التي يشهدها العالم ككل، وتلقي بظلالها على كافة نواحي الحياة. هذه المستجدات والظروف التي يمكن تكثيفها بكلمة واحدة: العولمة.
والعولمة مسألة كبيرة تمتد تأثيراتها لتشمل كافة الجوانب والميادين، فهي مفهوم شمولي له أبعاد وتجليات اقتصادية، سياسية، واجتماعية، إيديولوجية وثقافية، والأمثلة على ذلك كثيرة، وقد تضمنتها نظرية نهاية التاريخ لفوكوياما وشهد عليها الانهيار الاقتصادي في دول جنوب شرق آسيا والحصار المفروض على العراق وكوبا وضرب كوسوفو… الخ. إذن نحن أمام ظاهرة كونية يحاول عبرها الرأسمال العالمي والأمريكي خصوصاً فرض معاييره وقيمه وشروطه على العالم أجمع.
في ظل هذا الوضع يمكن إدراك طبيعة المشروع الأمريكي للتسوية في الشرق أوسط الجديد. واختباره الأول إسرائيل – الأردن- مناطق السلطة.
في الذهن أيضاً أن هذه الكلمة ليست كلمة سياسية شاملة، لأن هذا من مهمّات وموضوعات المؤتمر الوطني، ولكن من حقي وواجبي أن تناول الموضوع السياسي بهدف التأكيد على بعض الجوانب الهامة ارتباطاً بالرؤية السياسية الراهنة.
فما هي أبرز معالم رؤيتي للحظة السياسية الراهنة ارتباطاً باتفاقات أوسلو وانتهاءً باتفاق “واي2″ و”شرم الشيخ”؟!.
إن الساحة الفلسطينية والعربية فيها خندقان واضحان لمن يريد أن يرى ذلك.
خندق أمريكا، أي خندق الإمبريالية والصهيونية وإسرائيل، ويؤسفني هنا القول أن القيادة الرسمية لـ م.ت.ف قد انضمّت لهذا الخندق بعد اتفاق أوسلو، مع إدراكي ووعيي للتناقضات القائمة بين تلك القيادة الرسمية وإسرائيل، ولكنها تناقضات أخذت شكل التعارضات الثانوية، التي يمكن حلها والتعامل معها تحت السقف والرعاية الأمريكية. وما يزيد الأمر سوءً أن الاختلال في رؤية حقيقة قوى هذا المعسكر المعادي أصبح سائداً عند العديد من القوى والأفراد، الأمر الذي يشوه قراءة التناقضات وإدارة الصراع، ويخلق وعياً مزيفاً ووهماً عاماً بأن الصراع قد انتهى أو أنه على طريق الانتهاء. هذا ما نجد تعبيره في مرادفات الخطاب السياسي السائد والمهيمن حل النزاع، العملية السلمية، التطبيع، التعايش، إن إسرائيل أصبحت نهاية حقيقية في المنطقة، المصالح المشتركة… الخ).
في ضوء كل هذا، وفي ضوء حقائق الواقع، وطبيعة الأهداف الأمريكية الإسرائيلية، هل هذا صحيح؟ هل تغير فعلاً مشروع الحركة الصهيونية من حيث الجوهر أم أن من تغير هو من تخلى عن أهداف شعبه وأمته عبر الرضوخ والقبول بمعادلات القوة والإنصياع لإرادة الحزب المعادي؟
يقابل ذلك الخندق الذي يعبر عن مصالح أهداف الجماهير الفلسطينية والعربية، خندق الصمود والمقاومة، خندق قوى الثورة التي تواصل طريق الحرية والاستقلال لتحقيق أهدافنا العادلة. الخندق الذي يسعى لتحقيق مصلحة كل طبقات الشعب الفلسطيني، الخندق الذي يعرف حقيقة إسرائيل والصهيونية وحقه في النضال المستمر حتى دحر الصهيونية بالكامل.
الخندق الذي يؤمن بأن الدولة وتقرير المصير والعودة أهداف مرحلية وليس نهاية المطاف أو الصراع، وبالتالي فإنه يواصل النضال لتحقيق الدولة الديمقراطية العلمانية، الخندق الذي تؤمن قواه السياسية والاجتماعية بضرورة أن تكون هذه الدولة العلمانية جزء من مشروع إقامة المجتمع العربي الجديد، الخندق الذي يقدم حلاً إنسانياً وديمقراطياً للمسألة اليهودية.
صحيح أن هذا الخندق يمرّ في هذه المرحلة من الضعف والارتباك، ولكن هذا الحال مؤقت كون شعبنا الفلسطيني وجماهير أمتنا العربية تموج بالتناقضات ولن يستطيع أحد خداع أو السيطرة على كل هذه الملايين للأبد.
هذا الخندق بكل ما له وعليه يجب أن يكون خندقاً كجبهة شعبية، رغم أنني أدرك جملة الصعوبات التي تعاني منها الجبهة وتعترض مسيرتها، وأعتقد أن مهمّة المؤتمر الوطني أن يعيد التأكيد على موقع الجبهة في هذا الخندق وأن يرسم شروط استعادة الجبهة لدورها المبادر والفعّال على هذا الصعيد.
بعد هذا التأكيد لنحاول الآن استقراء المخطط المرسوم من قبل معسكر العدوّ (أمريكا وإسرائيل) للقضية الفلسطينية بهدف تصفيتها.
يدرك الحلف المعادي حقائق الواقع ويدرك حجم وعمق حالة الاختلال التي يعيشها العالم والمنطقة في المرحلة الراهنة، كما يدرك تهافت القيادة الرسمية الحالة لتحقيق أية منجزات في ظل قيادتها ومهما كان الثمن وخاصة تحقيق شظايا دولة اسمية وهمية مع بعض الشكليات (حرس شرف، بساط أحمر، أجهزة أمن الرئاسة..)، المهم أن تؤمن مصالحها في الهيمنة الاقتصادية كوكلاء الاحتكارات الأمريكية والإسرائيلية، إنها تسعى بسرعة لبلورة مصالح الطبقة البرجوازية الكومبرادورية وضمان مكانة متواضعة لها في خارطة الأخطبوط الرأسمالي العالمي كخادم وسمسار له. ولهذا فليس من مصالحها الآن الصراع مع معسكر الأعداء.
تدرك إسرائيل وأمريكا هذه الحقائق كلها، وبالتالي يقولون لتلك القيادة حسناً فليكن هناك دولة! هذا نظرياً، أما عملياً فما يحدث هو إعادة انتشار على جزء بسيط من مساحة الضفة وغزة مقطعة الأوصال ودون سوق موحدة مع استمرار قضم الأراضي الفلسطينية.
ولكن عن أي دولة يتحدثون؟ هنا تبرز ثلاثة قضايا كبرى يجب أن ندقق بها:
• هذه الدولة ستكون دولة مقابل التنازل عن أجزاء واسعة من الضفة وغزة بما في ذلك القدس.
• هذه الدولة ستكون مقابل التخلي عن حقوق أربعة ملايين لاجئ فلسطيني في الشتات.
• هذه الدولة ستكون في الواقع بلا سيادة، إنها دولة كاريكاتورية بمعنى أنها لا تملك السيادة على الحدود فعلياً، ولا تملك الحق في استثمار مواردها الطبيعية وخاصة المياه، ولا تملك الحق في تعزيز قواها الدفاعية، ولا يحق لها إقامة أحلاف لا توافق عليها إسرائيل، ولا أيضا أن لا يمس قيام هذه الدولة المشاريع الاستيطانية الصهيونية. وبالتالي قطع الطريق على مشروع الدولة بمقوماتها السيادية والتنموية وروابطها العربية. إنها مجرد معازل ملحقة بالاقتصاد الإسرائيلي وجسر للسلع والثقافة الإسرائيليتين .
والأمور هنا لا تقرّرها النوايا الحسنة أو براعة المفاوضين أو الألاعيب والمناورات الساذجة. إن حسم هذه القضايا مرتبط بموازين القوى، وقد رأينا ومنذ مؤتمر مدريد عام 1990 وحتى اليوم كيف أن مجمل عملية المفاوضات تقوم بالأساس على أرضية مختلفة لصالح إسرائيل، حيث تمكنت وبإسناد أمريكي كامل من فرض مرجعية قوتها كأساس للمفاوضات بعد أن رفضت الالتزام بالشرعية الدولية.
هذا هو واقع الحال دون رتوش وألوان زاهية، وفي هذا السياق فإنني أعرف تماما مختلف المناورات التي سيطلقها عرفات لتمويه هذه الحقائق المرّة والترويج لخياره السياسي باعتباره الممر الإجباري الوحيد، وبأنها خطوة تمهد لخطوات لاحقة هدفها النهائي التمسك بحقوق الشعب الفلسطيني.
إنني أدرك إمكانية المساومة في لحظة ما، ولكن من يخوض في غمار المساومة بقناعة وبرنامج وطني، يجب عليه أن يؤمن باستمرار ويعزّز دائماً عناصر قوّته. ولكنني أعرف، وخندق الثورة يعرف، أن إقامة الدولة وفق السياق الذي أتيت على ذكره جاء لتمرير الصفقة، ويشكل غطاءً لها.
ذلك مجرد الالتحاق بأوسلو وإلغاء الميثاق وتجويف م.ت.ف وما توالد من أجواء إحباطية وتشكيك بجدوى النضال وفقدان اليقين وقوة المثال ومحاولة ضرب الذاكرة التاريخية، واستبعاد فصائل العمل الوطني الفلسطيني من قوى وشخصيات وجماهير، وضرب التنسيق العربي الرسمي في مدريد، والقبول بمرجعية القوة، والرعاية الأمريكية، هو في جوهره تخلي وضرب للبرنامج الوطني وخذلان للحركة الشعبية وأهدافها الوطنية. الأمر الذي لا يمكن تفسيره إلا بأنه انتقال للخندق الآخر. وإلا كيف نفهم كل هذا التراجع والتنسيق والتشارك السياسي- الاقتصادي- الأمني مع الاحتلال.
أنا أعرف كل هذه الظروف والملابسات والتفاصيل ومحاولات التبرير، ولكنني في نفس الوقت أعرف وأدرك النتائج العملية لما يجري، كما يدرك ذلك الكثيرون غيري، وخاصة السواد الأعظم من أبناء شعبنا الفلسطيني في الوطن والشتات الذين باتوا يلمسون حجم الخسائر وحجم التنازلات التي طالت عمق مشروعهم الوطني التحرري. وعليه يتعين تحديد موقف سياسي صحيح وصريح حول القيادة اليمينية يقوم على قاعدة والابتعاد عن التذيل لها أو السماح لها باحتواء الموقف الآخر تحت أية ذرائع. مع استبقاء الباب مفتوحاً لأية تقاطعات ميدانية ونضالات مشتركة يجري توظيفها فعلاً بما يخدم المشروع التحرري بعيداً عن المسار التسووي ونهج السلطة وتكتيكاتها. وفي ذات الوقت الاستمرار بالتحريض الشعبي وتعبئة الجماهير لمواصلة المشروع التحرري، فهدف التسوية الجارية تدمير الأهداف الوطنية الفلسطينية لا تحقيقها.
كما يجب رؤية المتغيرات الجارية نحو فرض الشرق أوسطية بإقامة العلاقات القائمة على نهب الثروات وفرض التبعية، وخاصة بين إسرائيل بإمكاناتها السياسية – الاقتصادية – التكنولوجية، وبين الأردن ومناطق السلطة الفلسطينية، حيث تتطلع الأولى لمزيدٍ من النهب والتوسّع وشراء أسهم الشركات وتصدير سلع تكنولوجية، ناهيكم عن إتمام التطبيع الاستسلامي الذي يرى في إسرائيل جاراً طيباً وفي أمريكاً صديقاً للعرب، وفي التوسّعية الإسرائيلية علاقات تجارية…إلخ؛ الأمر الذي يقتضي منا بناء وتوحيد أداتنا التنظيمية – السياسية والارتقاء بها إلى المستوى الذي يمكنها من أن تكون قادرةعلى ترجمة هذه الشعارات السياسية.

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s