الدور القومي للدكتور جورج حبش .. عبد الله الحوراني

الـدور القـومي للدكتـور جـورج حـبش
عبد الله الحوراني

يرتبط اسم وتاريخ الشهيد الدكتور جورج حبش بالحركة القومية العربية عموماً، وحركة القوميين العرب خصوصاً.
كما يرتبط اسمه بالبعد القومي للقضية الفلسطينية، وربط تحريرها بتحرر جميع أقطار الوطن العربي ، والأمة العربية ، من الوجود والنفوذ الاستعماري، ووحدة الأمة العربية .
كان الفكر القومي العربي موجوداً في أوساط العديد من المثقفين والمفكرين العرب منذ مطالع القرن العشرين، أي مع بداية التفكير في التحرر من الهيمنة القومية التركية على الدولة العثمانية، وتأثير هذه الهيمنة سلبياً على تراث الأمة العربية وحضارتها وتاريخها ولغتها .
شهدت تلك المرحلة نشوء جمعيات وهيئات تطالب وتعمل على إحياء التراث القومي، والفكر القومي العربي، لكن لم تكن هناك حركة حزبية أو تنظيمية لترجمة هذا الفكر إلى حركة شعبية وجماهيرية لها برنامجها النضالي الذي تعمل على أساسه من أجل تحرير الوطن العربي وتوحيده .
وبعد نهاية الحرب العالمية الأولى التي كان من أخطر نتائجها تقسيم الوطن العربي من خلال معاهدة سايكس بيكو 1916، وإطلاق وعد بلفور 1917 لإقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين تمهيداً لاغتصابها ، …. ومع تزايد الهيمنة الاستعمارية الغربية على الوطن العربي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وارتباط الحكومات العربية وخضوعها للقوى الاستعمارية ….ازدادت الحاجة والرغبة في الأوساط القومية لإنشاء حركة قومية جماهيرية تتصدى لهذا الواقع الاستعماري الذي بات يهيمن على المنطقة العربية .
وكان هناك عامل ثان حفز المفكرين القوميين على إنشاء حركتهم القومية هو وجود تيارات سياسية أخرى لكل منها أيديولوجيتها غير القومية، بدأت تنمو في الوطن العربي . وتمثلت هذه التيارات في التيار الماركسي الذي انطلق في عدد من البلدان العربية تحت مسمى الأحزاب الشيوعية ذات الأيديولوجية الماركسية.
والتيار الإسلامي الذي حملت رايته حركة الإخوان المسلمين . وكان لكل من التيارين حركته السياسية وأيديولوجيته وبرنامجه الكفاحي . بينما لم يكن هناك تنظيم قومي بالمعنى الشمولي يترجم الفكر القومي إلى برنامج نضالي عملي .
أما العامل الثالث الذي شكل أكبر دافع لانطلاق الحركة القومية العربية هو اغتصاب فلسطين وتهجير أهلها وإقامة الكيان الصهيوني بما يشكله من خطر تدميري على المنطقة وعلى الأمة العربية جمعاء.
وكان لتزامن نشوء الحركة القومية مع نشوء المشكلة الفلسطينية نتيجة الاحتلال الصهيوني ، وفهم طبيعة هذا الاحتلال كمشروع استعماري غربي للسيطرة على المنطقة، وتكريس انقسامها ومنع وحدتها ، وتهديده للأمن القومي العربي ، أثر هام في صياغة المشروع القومي وبرنامجه النضالي . وربط تحرير فلسطين بتحرير أقطار الأمة العربية من الوجود الاستعماري، وتوحيد الأمة .
وقد انعكس هذا البعد على كل أطراف الحركة القومية العربية. فقد رأينا حزب البعث العربي الاشتراكي الذي تأسس عام 1947 يصوغ شعاراته تحت عنوان (وحدة حرية اشتراكية). وحركة القوميين العرب التي بدأ التحضير لها منذ عام 1951 وأعلن عن قيامها عام 1956 تطلق شعار (وحدة تحرر ثأر) . والحركة الناصرية ترفع شعار (حرية اشتراكية وحدة) . وهكذا كان شعار الوحدة والحرية هما القاسم المشترك بين كل أطراف الحركة القومية العربية .
ونظراً لكون الدكتور جورج حبش مناضلاً فلسطينيا عاش نكبة الاحتلال والهجرة، وتجرع مرارتهما….وهو من لعب دوراً رئيسياً في تأسيس حركة القوميين العرب، وكان معه أيضاً عدد من المناضلين الفلسطينيين أمثال هاني الهندي ووديع حداد…فقد حظيت القضية الفلسطينية بتركيز كبير في شعارات وأهداف حركة القوميين العرب وبرنامجها النضالي. ولنسمع ما قاله الدكتور جورج حبش: “إن قرار تقسيم فلسطين أحدث ردة فعل حادة في المنطقة، ووجدت نفسي أنني مع بداية السنة الثانية في كلية الطب أعيش في جو سياسي سببه قرار التقسيم…..كانت مشاعري تتركز حول نقطة واحدة. هي أن ((القرار)) يجب ألا يمر. ووجدت نفسي أشارك في تظاهرة جرت تستنكر قرار التقسيم …. وبعد ذلك تصاعد النشاط السياسي في الجامعة، وأصبحنا في الفترة التي سبقت 15/5/1948 ـ عندما صدر إعلان تأسيس إسرائيل ـ مشدودين إلى المعارك التي كانت تخوضها داخل فلسطين مجموعات تابعة للهيئة العربية العليا، ونتيجة لذلك رفعنا في الجامعة مطلب التجنيد”.
ومما يؤكد تأثير القضية الفلسطينية في تشكيل حركة القوميين العرب ، ودور الدكتور جورج في ذلك. هو أن تأسيس الحركة استبق بقيام مؤسستين سيطرت القضية الفلسطينية على جوهرهما. ومنهما انطلقت الحركة.
الأولى : تأسيس كتائب الفداء العربي من مجموعات من الشباب من سوريا ولبنان وفلسطين في العشرينات من أعمارهم . وكان الدكتور حبش والأستاذ هاني الهندي (فلسطيني) من أبرز مؤسسي هذه الكتائب . وكانت أهداف الكتائب هي العمل على تدمير المؤسسات، وقتل الزعماء المسؤولين عن ضياع فلسطين. وقد نفذت الكتائب بعضاً من هذه العمليات ….لكنها كشفت كمنظمة سرية فحلت قبل بداية عام 1950. وقد أدى حل كتائب الفداء إلى انصراف الدكتور جورج إلى التفكير في اعتماد أسلوب جديد هو الاتجاه صوب الجماهير وزجها في المعركة. وقد كان لوجوده في الجامعة الأمريكية، بما تضمه من نخب ثقافية وسياسية ومكانته المميزة بينهم دور في استقطاب عدد كبير من المؤيدين مكنه ورفاقه من النجاح في انتخابات جمعية العروة الوثقى وسيطرتهم عليها. وهي جمعية ثقافية عروبية تضم عدداً كبيراً من طلاب الجامعة العرب. وكان يشرف عليها الدكتور قسطنطين زريق، وهو شخصية وطنية تؤمن بالفكر القومي . وعمل من خلال ندواته ومحاضراته عن القومية العربية والأمة العربية وكيفية نهوضها على تحويل هذه الجمعية إلى بؤرة للفكر السياسي القومي. مما لعب دوراً هاماً في فكر الدكتور جورج حبش.
الثانية : تحويل نشاط جمعية العروة الوثقى من نشاط ثقافي إلى نشاط سياسي تحتل القضية الفلسطينية ببعدها العربي المكانة الأساسية في هذا النشاط . وشكل الدكتور جورج حبش وعدد من رفاقه الفلسطينيين والعرب الذين كانوا يقودون جمعية العروة محوراً خاصاً رفع شعار “الثأر” وعرفوا بـ”شباب الثأر” ومن بعد غيروا هذا الاسم إلى “الشباب القومي العربي” . ونهجت الجمعية منهاجاً سياسياً يؤكد محاربة إسرائيل، ورفض الاعتراف بها، أو إجراء أية مفاوضات مباشرة معها. واتفق “الشباب القومي” في إطار العروة على إنشاء هيئة “مقاومة الصلح مع إسرائيل” التي أصدرت نشرة حملت اسم الثأر، ووضعت تحتها ثلاث شعارات هي “الوحدة التحرر، الثأر”. وأطلقت معها أيضاً ثلاث كلمات أخرى : (دم . حديد . نار) . هذه الشعارات هي التي أصبحت لاحقاً شعار حركة القوميين العرب. ولنلاحظ هنا كم كان تأثير القضية الفلسطينية على أهداف وشعارات حركة القوميين العرب، وذلك عندما اختلفوا عن شعار حزب البعث الذي أطلقه قبلهم ونص على الوحدة والحرية والاشتراكية. فأحلوا كلمة الثأر محل الاشتراكية. وقد فسر قادة العروة الوثقى من خلال كتاباتهم هذا التغيير باعتقادهم أن الاشتراكية تولد صراعات داخلية تعيق عملية الصراع مع اليهود .
وهكذا نرى أنه من العروة الوثقى كان ظهور شباب الثأر، ومن هؤلاء كان بروز الشباب القومي العربي. ومن نشرة الثأر كانت الدعوة لشعارات الوحدة والتحرر والثأر . ومن هذه كلها قامت حركة القوميين العرب .
وكان الدكتور جورج حبش هو الرأس في الدعوة لتحويل الشباب القومي إلى حركة. ونتيجة لهذا التوجه قام القادة المؤسسون بالإسراع في تكوين برنامج سياسي على مرحلتين.
المرحلة الأولى : وتهتم بالنضال السياسي الذي يهدف إلى التخلص من الصهيونية والإمبريالية في الوطن العربي ، وإلى خلق دولة عربة موحدة تضم الشعب العربي من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي.
والمرحلة الثانية : وتهتم بالنضال الاقتصادي الذي يمهد الطريق إلى الاشتراكية العربية والديمقراطية.
وقد عبر الدكتور جورج نفسه عن ذلك بقوله : “من السابق لأوانه رفع شعار الاشتراكية الذي كان البعث أول من رفعه . ومنطلقنا في ذلك هو أن الثورة العربية تمر بمرحلتين متشابكتين ومتمايزتين في الوقت نفسه :
المرحلة الأولى : مرحلة الثورة السياسية .
المرحلة الثانية : مرحلة الثورة الاجتماعية .
……والشعار الذي رفعناه وهو وحدة ـ تحرر ـ ثأر . كان من أجل تحقيق الثورة السياسية ، ولم نهتم بالثورة الاجتماعية ….والتحرر في مفهومنا آنذاك لم يكن التحرر الاجتماعي، وإنما التحرر السياسي ….. إننا اعتبرنا أن الإيمان بالأمة العربية، وحقها في التحرر واسترداد فلسطين، هو الحد الأدنى من الأمور الذي يجب أن تلتف حوله القوى التي تتألف منها الجبهة.”
وقد أدركت الحركة فيما بعد أن عملية الفصل هذه بين النضال السياسي والنضال الاجتماعي، عملية شلت النضال السياسي، وأفرغته من المحتوى الاقتصادي الذي لابد من وجوده من أجل توسيع رقعة النضال السياسي، وزج طبقة العمال والفلاحين في صفوفه. وأن النضال ضد الاستعمار والصهيونية، وفي سبيل الوحدة التحرر ، لا يمكن أن يعزل عن النضال الاشتراكي. وأن ربط النضالين ربطاً جدلياً هو الذي يعطي النضال السياسي دفعة قوية، ويجعله مرتكزاً على قاعدة واسعة، ويدفعه صوب أهداف كبيرة هي ذاتها أهداف الشعب الذي يريد الوحدة والحرية ، ويطمح إلى تحقيق العدالة الاجتماعية.
وقد أحدث إدراك الحركة لهذا النقص الأيديولوجي الذي لازم منطلقاتها تطوراً سياسيا وفكريا في مسيرة الحركة منذ عام 1951، مروراً بمؤتمرها القومي عام 1964 حتى الوثيقة التي صدرت عنها في تموز (يوليو) 1967. وهو ما يكشف عنه الدكتور جورج بقوله: “إن الحركة عاشت مرحلة تطور، أو عملية تطور متصلة في اتجاه اليسار . بدأت الحركة بطرح شعار وحدة، تحرر، ثار، وتصاعد التطور إلى حد وضع وثيقة تموز عام 1967 التي هي في تقديري وثيقة “نظرية” وضعتنا على أبواب تنظيم ثوري جذري ، بحيث أصبحت الحركة الآن جزءً أساسياً من اليسار العربي الثوري” .
ومن خلال هذا التطور الفكري والسياسي لدى حركة القوميين العرب تعززت علاقتها مع الحركة الناصرية خاصة بعد تبلور الفكر القومي والوحدوي والاشتراكي لدى عبد الناصر الذي ترجم عمليا بقيام الوحدة بين مصر وسوريا ، في شباط 1958 وبعد أن رفع عبد الناصر شعار (الحرية الاشتراكية الوحدة). فطورت الحركة شعارها عام 1959 ليصبح الوحدة التحرر، الاشتراكية، وأضافت عليه استرداد فلسطين.
التكامل بين حركة القوميين العرب والناصرية :
طرح قيام دولة الوحدة ودور عبد الناصر في قيامها ، سؤالا أمام حركة القوميين العرب، هو : لماذا نبقى بعدما تبلورت قيادة عبد الناصر وأفقها التحرري؟
وخرجت الحركة بعد النقاش بجواب ، هو : أن القيادة الحقيقية للجماهير هي عبد الناصر الذي يتفق خط الحركة السياسي مع خطه.
إلا أن الحركة استوقفها أمر مهم، وهو أن الناصرية من دون تنظيم ، باستثناء الساحة المصرية ، ومادام الأمر كذلك، فكيف ستتمكن الجماهير العربية من تحقيق الشعارات التي يرفعها عبد الناصر، وهل يمكن للجماهير أن تصبح قوة منظمة لمجرد أن تستمع إلى خطب عبد الناصر؟
وفي ضوء هذه المبررات ، اتخذت الحركة قرارا بضرورة استمرار التنظيم، على أن يعمل ضمن الاستراتيجية الناصرية لتحقيق أهداف ما أطلقوا عليه في تلك الفترة بـ”القيادة الرسمية للثورة العربية” .
وخاضت الحركة معارك سياسية، كانت تحددها القيادة الناصرية، مثل: التصدي للمخططات الامبريالية لفرض حلف بغداد، وإلى محاولة ضرب الحركة الناصرية والمشروع النهضوي العربي، ومقاومة العدوان الثلاثي على السويس، ومشروع أيزنهاور، وفضح تحالفات الرجعية العربية مع القوى الاستعمارية.
وفي عام 1963، طرح عبد الناصر شعار “الحركة العربية الواحدة”. وقد سبب هذا الشعار في نشوء خلافات داخل حركة القوميين العرب، حيث رأى اتجاه أنه حيال ما طرحه عبد الناصر يجب حل الحركة ودمجها في الحركة العربية الواحدة التي سيقودها عبد الناصر، وقابله اتجاه آخر يعارض فكرة الحل، ويرى أن الأنسب هو أن نتعاطى مع شعار الحركة العربية الواحدة ولا نحل أنفسنا .
وكان موقف الدكتور حبش هو عدم الالتحام الكامل بالناصرية وحل الحركة ، وإنما التحالف مع الناصرية، ومن خلال هذا التحالف يمكن أن نستكشف آفاق الحركة العربية والواحدة التي طرحها عبد الناصر .
وهذا ما انتهى إليه مؤتمر الحركة في شباط 1965، بأن تلتحم الحركة بالقيادة الناصرية من دون أن تحل نفسها، على أن يكون لديها الاستعداد للحل بعد أن تتطور علاقتهم بعبد الناصر والحركة العربية الواحدة .
وقد أبلغت الحركة الرئيس عبد الناصر بموقفها هذا الذي يقوم على: أن الناصرية هي المجرى الثوري لحركة الجماهير العربية وهي الأساس، وأنهم على استعداد للالتحام في هذا المجرى استراتيجيا والمساهمة في تنظيم التيار الناصري في الوطن العربي، بحيث تصبح الناصرية حركة ثورية منظمة فروعها في مختلف الوطن العربي، وتقود العمل الثوري الوحدوي التحرري .
واستمرت مرحلة عمل حركة القوميين العرب مع النظام الناصري من الوحدة 1958 إلى هزيمة 1967. وبعدها دخلت الحركة في مرحلة جديدة حول علاقتها مع عبد الناصر، وفي منطلقاتها الفكرية. حيث عادت الحركة إلى منطلقاتها الفكرية التي كانت قبل علاقتها بالناصرية، إلى مفاهيم الجماهير والتنظيم والبندقية وحرب التحرير الشعبية وحسم التناقض مع الأعداء عن طريق العنف. ومن هنا، ونتيجة لهزيمة الجيوش العربية في حرب عام 1967 انطلق داخل الحركة سؤال: لماذا لا يبادر الشعب الفلسطيني، معتمداً على نفسه، بالعمل على تحرير وطنه، مسانداً من الأمة العربية ، بدل أن يترك المسألة لاتفاق الأمة العربية ووحدة جيوشها. خاصة وأن المسؤولين العرب أنفسهم وعبد الناصر بالذات رأوا أن ربط عملية تحرير فلسطين بتمرير الأمة وتوحيدها وبناء قوتها، قد يأخذ وقتاً طويلا، ولذلك طرح فكرة إعطاء الشعب الفلسطيني دوره الطليعي، والعمل على إعداده وتنظيمه . وبالتالي تم إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية في مايو (أيار) 1964.
كما أن حركات ثورية فلسطينية مسلحة كانت قد انطلقت ، وفي مقدمتها حركة فتح في أول يناير 1965.
هذه العوامل مجتمعة دفعت بحركة القوميين العرب إلى البدء في الإعداد لعمل ثوري فلسطيني جذوره حركة القوميين العرب، ومن هنا انطلقت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، حاملة الفكر القومي والثوري واليساري . وكانت أول حركة فلسطينية تحمل هذه التوجهات .
“وعن العلاقة العضوية بين الجبهة الشعبية وحركة القوميين العرب يقول د. جورج حبش: “موضوع الجبهة الشعبية مرتبط بالقوميين العرب ولا يمكننا الفصل بينهما … وإن إنشاء حركة القوميين العرب مرتبط بنكبة 1948. وفي عام 1951 – 1952 بدأنا ندفع بمجموعات إلى أراضي فلسطين تضرب أهدافاً إسرائيلية وتنظم عرب فلسطين في الداخل…اندمجنا في حركة التحرر الوطني العربي من عام 1954 حتى 1961 ـ أي أمضينا ست سنوات كحركة قوميين عرب نعمل لفلسطين من خلال عملنا العربي…. وفي عام 1961 إلى 1962 كان في الساحة الفلسطينية حوالي 36 تنظيماً ليست الجبهة الشعبية بينها وليست ـ فتح ـ بينها….بدأنا في حركة القوميين العرب نناقش المسالة… هل نستمر في التعاطي مع القضية الفلسطينية من خلال نضالنا كحركة قوميين عرب أم أنه آن الأوان لمراجعة موقفنا والتفكير بعمل فلسطيني ضمن حركة القوميين العرب؟… وانتهى الأمر إلى اتخاذ خطوات….فصلنا الأعضاء الفلسطينيين من فروع الحركة في لبنان والكويت وسوريا ووضعناهم في قطاع تنظيمي معين ليتمكنوا من تلقي مادة تثقيفية فلسطينية تمهد لإعدادهم عسكرياً….استمر الوضع على هذه الحال حتى مؤتمر القمة العربي الأول الذي تقرر فيه إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية….وفي عام 1964 كان هناك فرع فلسطيني وقيادة فلسطينية مهمتها العمل الفلسطيني والتهيئة للكفاح المسلح في الساحة الفلسطينية وإعداد مقاتلين وتدريبهم. وفي العام 1964 بدأنا العمليات. تسلل عدد من الرفاق وسقط لنا الشهيد خالد وهو الشهيد الأول من الفرع الفلسطيني لحركة القوميين العرب….وبدأنا ننظر بجدية إلى مسألة العمل الفلسطيني المسلح..وأنا شخصيا من الذين كانوا يرون أن الجهد الرئيسي يجب أن ينصب في الساحة الفلسطينية.”
علاقة الدكتور جورج حبش مع الرئيس جمال عبد الناصر :
التقى الدكتور جورج الرئيس عبد الناصر للمرة الأولى في مطلع عام 1964، ودار الحديث بينهم عن الأوضاع في سوريا ، وعن تجربة الوحدة وفشلها ، وعن إحياء حركة الجماهير ، ومسألة الكفاح المسلح في الجنوب العربي (اليمن)، والثورة المسلحة من أجل استرداد فلسطين.
وأبدى عبد الناصر استعداده الكامل لأي مؤازرة بالنسبة إلى ما يتعلق بالجنوب العربي، والاتفاق على الإعداد للثورة المسلحة ضد إسرائيل.
وبعد هذا اللقاء ، بدأ الدكتور حبش مع الجهات المختصة في مصر في تنفيذ ما اتفق عليه مع الرئيس عبد الناصر.
ويؤكد د. جورج أن عبد الناصر كان مؤمنا إيمانا حقيقيا بإمكانية استعادة فلسطين بالكفاح المسلح. وفي أحاديثه معنا كان يشير إلى هذه المسألة ويركز عليها، ومن هنا جاءت حماسته للإعداد لهذا الكفاح المسلح . كذلك كان يشير إلى قدرة الأمة العربية على إزالة إسرائيل مستقبلا. وهو لم يتخذ مثل هذا الموقف مسايرة لنا وتجاوبا مع حماستنا للعمل الفلسطيني المسلح، وهو لو كان غير مقتنع بما يقوله لما قال شيئا، أن عبد الناصر رجل ثوري لا يؤمن بالمسايرات.
رؤية الدكتور جورج للوحدة العربية وتحرير فلسطين :
قبل عام 1967، كان د. جورج حبش وفي خضم النضالات القومية يرى أن تحرير فلسطين يأتي عبر الوحدة العربية الكاملة.
أما بعد الهزيمة والتحولات التي جرت في حركة القوميين العرب، فإنه يرى أن الانتصار على المشروع الصهيوني مرتبط بالوحدة على أساس تراكمي، وليس بالضرورة أن تأتي الوحدة العربية الكاملة دفعة واحدة. وعلينا أن نأخذ بموضوع تراكم وتكامل العوامل والمراحل، أي تركيم الإنجازات في الاتجاه الوحدوي خطوة خطوة ، ودعمها وتطويرها، سواء أكانت اقتصادية أم اجتماعية أم ثقافية ….
إنني أتصور الوحدة العربية الآن ، مثلا، على النحو التالي: وحدة السودان ومصر ، وحدة دول المغرب العربي ، وحدة بلاد الهلال الخصيب ، وحدة الجزيرة والخليج . وبهذا يتم تقارب وتوحيد كل منها، من دون أن يكون هذا مرهونا بخطوات مماثلة على مستوى غيرها من المواقع، ومن دون أن يمنع الاتفاق على بعض الخطوات الوحدوية على المستوى القومي، كحرية التنقل للأفراد، أو حرية انتقال الكتاب، وتشجيع التبادل التجاري، والتنسيق بين الجامعات. وبعض الإجراءات المدنية. ثم بعد ذلك ، يمكن التقدم خطوة أخرى إلى الأمام من نوع قيام اتحاد بين هذه الوحدات .
عودة لحلم الوحدة والقومية :
هل اكتشف الدكتور جورج حبش بعد ستين عاما من النضال ، أنه فقد التوازن بين ماهو وطني فلسطيني ، وبين ماهو قومي عربي؟. لهذا أخذ في إعادة ترتيب الأولويات باتجاه العودة إلى المربع الأول، ومنح القضية القومية موقعها الأساسي والمركزي في تفكيره، وأنه لا إمكانية لتحرير فلسطين، ولا لتحقيق الاستقلال العربي ، ولا القيام بنهضة عربية، إلا بعمل قومي شامل، وبحركة قومية عربية جديدة.
فأعلن في المؤتمر السادس للجبهة الشعبية عام 2000، أنه قرر التنحي عن قيادة الجبهة، لكي يتفرغ لمهام بحثية من خلال توثيق تجربة حركة القوميين العرب، وتأسيس مركز أبحاث ودراسات هدفه دراسة التجارب الوطنية الفلسطينية والعربية (مركز الغد الفلسطيني).
وكانت أخر الكلمات التي قالها جورج حبش وهو في مستشفى الأردن، قبل رحيله، بعد سؤاله عن أخبار قطاع غزة والحصار المفروض عليهم، ولما أخبره “ماهر الطاهر” أن الناس اقتحموا المعبر، ابتسم قائلا: “سيأتي اليوم الذي تزول فيه الحدود بين الدول العربية ويتحقق حلم الوحدة”.

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s