أصل الغدر في مرثية النهضة العربية .. مطاع صفدي

أصل الغدر في مرثية النهضة العربية
مطاع صفدي
هل يصل العرب أخيراً إلى مرحلة استعصاء الحلول لمشاكلهم الحيوية على أنواعها. سواء منها المصنَّفة في خانة الهموم السياسية العامة أو قضايا المعيشة والاقتصاد ومستقبل العائلة، وقضايا التربية والتعليم والصحة الخ… فليست هي حالة استنفاد الحلول. لأنه لم تكن هناك حلول أصلاً.
وإن توفَّر بعضها فلا إرادة تتناولها، ولا أجهزة حكومية أو أهلية تتولى أمورها. وإذا ما أُقيمت مؤسسات حاملة لعناوينها، على مستوى وطني أو قومي، وحتى (ديني) يكون مصيرها إلى العديد من الإدارات المكتبية المنتجة للأوراق والملفات فحسب. كأنما وُضعت القضايا الكبرى وحلولها المنشودة قيد المعالجة والتنفيذ، لكن دون أن تخترق جدران المكاتب المرفَّهة، وتجد لها طريقاً إلى معيشة الناس والتفاعل مع شجون حياتهم اليومية .
ومع ذلك يجري الحديث دائماً عن عصر النهضة. لا يزال زمانه ومكانه مفقودين، لكنهما ماثلان بطريقة ما في مخيلة متفائلة يتناقلها جيل بعد جيل، مصرين على التعلق بألفاظها على الأقل. فلا يسأل أحد منهم عن مدى مسؤوليته فيها وعنها، مفترضاً أنها قائمة لذاتها، حادثة هكذا بفعل قوتها الخاصة. إنها موجودة حقاً، إلى درجة الاعتقاد بأن كل بصيرة تشهد لها ومعها، إنما بانتظار أن تبصرها العيون ذات يوم تملأ شوارع المدينة. فالبصيرة هي ملكة استكشاف المستقبل، آتياً أو غير آت. أما العين أو البصر فلا يرى إلا ما هو حاضر قائم أمامه. والرؤية النهضوية تتأرجح بينهما، البصر والبصيرة . لكن عندما يفرغ الواقع إلا من وقائعه، أشيائه القديمة المعهودة، فإنه يجفِّف من حوله كل أفق مستقبلي، يحوله إلى سراب. يجعل عمل البصيرة ضرباً من التنجيم والسحر. يلغي (علم التغيير) من خارطة المدنية. استعصاء الحلول لا يعني استحالتها، علمياً موضوعياً، بقدر ما يفضح هشاشة الإدارة كمحور مركزي لمؤسسة الدولة الحديثة إجمالاً، والعربية خاصة. فقد كان ثمة حيادية عجيبة متنامية، طيلة حقبة الاستقلال الوطني، بين الدولة كإدارة والواقع الهرمي الاجتماعي الذي تلتصق به في قمته. فلا شأن للدولة بالمجتمع الذي تحكمه، لا تدري، ولا تريد أن تدري به، إلا من حيث أنه مبعث كل الأخطار الموجهة إليها كسلطة، وإلى أصحابها كمالكين لهذه السلطة. قد يكون السبب في ذلك، هو أن الدولة الموروثة عن أصلها كأجهزة إدارة استعمارية تابعة للمحتل الأجنبي، لم يُتح لها أن تتحرر من ماضيها ذاك، أو تتقدم نوعياً عن تلك النشأة، وذلك طيلة عهد الاستقلال وتنمية الوطن السيد الحر. كما كان أمل المحررين الأوائل. لقد بقيت الدولة كأنها خصم مخيف لشعبها.
إن التسليم باستعصاء الحلول الوطنية والتنموية، راح يتفاقم طرداً مع مفاقمة كل دولة لخيار العزلة عن شعبها؛ والإمعان في استبدال مجتمعها بحفنة الزبائن من متسلطي المال والنفوذ والنفاق السياسي. في الوقت الذي تلاحقت فيه الانكسارات القومية الشاملة، بالهزائم العسكرية وأشباهها، لكن دون أن تتحمل أعباءَها أنظمةُ الحكم إلا في القليل من المتغيرات الفوقية، دون المس العميق ببنية الدولة أو آليتها المتكلسة. فكما سقطت الدولة في امتحان وطنيتها، أو على الأقل أخفقت في معظم محاولاتها لإثبات بعض هذه الوطنية، خاصة في أوقات الشدائد المسيطرة وحدها تقريباً على إيقاع الزمن العربي، كذلك فشلت في استثمار إمكانيات التنمية، وتوظيفها في خدمة حداثة متكاملة الشروط الانسانية والمادية. فقد تجاهلت الاحتكام لمفاهيم تخص (التنمية الرشيدة)، وتمردت بغباء منقطع النظير على ضوابطها ومعاييرها المتعارف عليها. كأنما حكم على أغنياء العرب أن يتكفلوا بتبديد ثروات وطن لا يملكونها أصلاً، وبأسرع من الوقت الذي جنوها، بل استرقوها، خلاله، ووفق أتفه وسائل الهدر المجنون والتبذير الطفولي العابث، وبرفقة شركائهم الغربيين دائماً، لصوص الأوطان (الشرعيين).
هكذا تتصحَّر النهضةُ، من كل وعودها وعهودها. تُبتلى بأمراض فقر الدم على أنواعها، وهي في عنفوان شبابها وجموحها. ينهار اصطفافٌ وراء اصطفافٍ من شعارات جيل بعد آخر، كان يحلم بامتطاء أَعِنَّة الأفراس المُطَهَّمة. لكنه يلقي نفسه صريع الأرض الغبراء، متقلباً على حطام الأسِنَّة المتكسّرة، التي لم تعدْ تُعرف الأذرعُ التي حملتها.
من هنا فقد ثبت في وعي الاصلاحيين، حتى لا نقول الثوريين، أن رأس التغيير إنما يبدأ من الدولة. فكأن التغيير سياسياً هو المدخل إلى كل تغيير آخر اجتماعي اقتصادي أو ثقافي. والسياسة تنطلق من مرحلة الاستيلاء على السلطة. لذلك يمكن القول أن التاريخ السياسي لعصر النهضة المعاصر يتلخص في عنوان واحد هو الصراع على السلطة. فقد أمضى العرب خمسين عاماً من عمر الاستقلال والتنمية في خطين من حروب السلطة والحروب مع إسرائيل . فكان المجتمع نسياً منسياً، مهملاً، متروكاً لعوامله الغريزية. لم يخضع لرقابة العلم والخبرة. وإن كانت حرياته وحدها هي موضع الرصد والقمع والاضطهاد. أما مشكلاته الحيوية فلا محل لها من الملاحظة والمعالجة. حتى تلك (الطلائع) الثورية والاصلاحية التي تتابعت في قيادة الوعي المرحلي لكل حقبة سياسية، لم تقارب قضايا الواقع الإنساني لشعوبها إلا من خلال مختزلات الأقوال الخطابية فحسب والشعارات المنقولة والمستعارة من الأدلجات الغربية. فظل الواقع العربي مجهولاً حتى من أقرب المدعين لتبني همومه والانشغال بمصيره . لذلك لا يجوز القول، في لحظة المراجعة الشاملة لقضايا النهضة، أننا بلغنا مرحلة استنفاد الحلول، وأنه لم يتبق إلا الاستسلام لقانون الصدفة وحده يقودنا من نكبة إلى أخرى . وبالتالي يُترك للعامل السياسي التحكم من جديد بقانون الصدفة هذا، يقوده أو ينقاد هو به، بصورة آلية عمياء.
ليس هناك حلول جاهزة ما دام استنقاع التخلف يمنع كل تدخل علمي أو معرفي في إنارة أزمة اجتماعية قد تنقلب إلى آفة حقيقية مزمنة لا علاج لها. كل مشكلة تنبت وتترعرع في تربة الاهمال واللامبالاة . وربما لم تكن في بدايتها أكثر من مجرد نقص أو انحراف أو خطأ عارض. لكن الجهل وتوأمه التجاهل يحولان التقصير العفوي إلى مواقف تتعمد الإيذاء والإضرار. إذ يصبح الضرر منتجاً لأصحابه. يراكم أنواعاً مرضية من الرأسمال الرمزي السلبي، كبديل طاغ، عن الرمزية الإيجابية التي يتم عزلها وتهميشها بالنسبة للقيم المضادة السائدة والفعالة. فلا تلبث هذه (القيم) المضادة أن تصير أشبه بالخصال المستوطنة ، كما لو كانت من طبائع المجتمعات ذات المصائر السائبة؛ إنها تسلب إنسانها الحد الأدنى من القدرة على المبادأة أو المبادرة بالفعل المسؤول. تغدو الآفات العامة الكبيرة مالكة لحريتها المطلقة في النشوء والتوالد الذاتي والتفرع. ففي المجتمعات المقبوض عليها سياسوياً سلطوياً، تبقى الآفات هي (الكائنات) الوحيدة المتمتعة بحريتها. فلا رقيب على نشرها وانتشارها، ولا حسيب على عواقبها المتمادية.
المجتمع الفاسد هو صنو المجتمع المقموع . كلاهما وجهان لما يسمى بالتقدم المعكوس؛ أي ذلك التقدم المنقلب على ذاته، على أفكاره ورهاناته (الحضارية) البائدة، مفسحاً المجال بذلك لانبعاث آفات المجتمع القديمة، متحالفة مع إحباطات الحاضر المغدور. فأيلولة المجتمع إلى حال تنمية الفساد الشامل ليست هي سوى تجسيد الحرية المطلقة لمنطق الآفة المستشرية في كل مجال حيوي. يصير الفساد هو اللاعب الرئيسي الذي يحول أفعال الجماعة كلها إلى صيغ الصفقات المعقودة من ما وراء ظهرها، ولكن بعلمها ومعرفتها. فهذا العلم بالأمر الواقع يصير جزءاً منه؛ لا نفع ولا تأثير له.
كأنما بات فساد المجتمع العربي يهزأ من فضائحه اليومية. إنها تتولى عنه نشر دعاياته، بما يؤكد حضوره المستديم. يجعله أمراً عادياً ومألوفاً. ويكاد تفتح أمامه المزيد من الأبواب المغلقة التي كانت ترفضه وتطارده . فإن تعميم الفساد ليس هو العنوان الأكبر لما يعنيه استبداد الآفة واستعصاء الحلول فحسب. لكنه هو المحصلة الأخيرة لدولة القمع التي تحمي قمعها بتعميم لا أخلاقية المواطن، في سعيها الخبيث إلى تشريك العدد الأكبر من المواطنين في أفعال الخطيئة المعممة، كل حسب مستواه وفي مجاله الخاص . فالفساد هو الإفساد المتنامي، في حركة تأثيم للكل من أجل رفع المسؤولية عن الآثمين الكبار، بل من أجل نسيان ثقافة المسؤولية أصلاً ومحوها من الوجدان العام.
لكن المجتمع بالمقابل يرفض أن يغدو مداناً بآثام كباره أو حكامه. فإذا كان الفساد بات أمضى سلاح لتدمير البنيان الاجتماعي من داخله، وهو الآفة النموذجية المطلقة الحرية وحدها لمغالبة بقية الناس الصامدين عند حدود المناعة الأخلاقية، فإنه لم يعد ثمة معنى للممانعة السياسية بدون هذا الوازع الأخلاقي. فليس ثمة شعار ثوري أو إصلاحي قادر على ملء فراغ أخلاقي في عمق الشخصية المتزعمة أو المناضلة. فحين الكلام عن الهزائم السياسية ينبغي الكلام كذلك عن الهزيمة الأخلاقية. هنالك، وفي هذا العمق من شخصية الفرد والمجتمع ينبغي أن ينطلق منه سؤال الحقيقية عند مراجعة كل فصل رمادي أو مظلم من كتاب النهضة العربية المغدورة برجالها قبل شعاراتها.

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s