وأسمعت كلماتي من به صمم .. مروان حبش

وأسمعت كلماتي من به صمم
مروان حبش
من غير المسموح به بعد ثورتي تونس ومصر المظفرتين، وثورة ليبيا المتأججة، أن يطرح حكام النظام العربي شعارات ويدّعون أنها لاقت إجماعاً شعبياً.
ومن غير المقبول، أيضاً الادّعاء بأن هذا الحاكم أو ذاك محبوباً من شعبه، لأن الأمر يتعدى هذه العاطفة، إلى ضرورة مشاركة جيل الشباب في تحديد مستقبلهم ورسم سياسة وطنهم.
أبرزت ثورات الشباب على ساحة الوطن العربي أن التململ لم يعدْ صامتاً أو محصوراً في دوائر محدودة من المجتمع، أو بين المثقفين من أفراده.
ما تم اكتشافه في جيل الشباب أنه مخبر أفكار خالقة للمشاعر العامة ولوعي سياسي ولأفكار تغييرية تطرح أزمة المجتمع العربي بمجموع مشاكله السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتسير به نحو الحرية والديمقراطية والعلمانية، وتكون له مرتعاً خصباً يخلصه من رعاية الأنظمة الاستبدادية وينزع عنها قدسيتها لأنها غدت رعاية منافية للعقل وتتغذى من قوى القمع والكبت والإذلال الاجتماعي والإفقار الفكري والمعيشي، وتنطفئ فيها أية نزعة إصلاحية، لأنها أنظمة مدفوعة بالضرورة نفسها، تحتكر لأولادها أكثر من أي وقت مضى كبار المغانم والمناصب، وتغلق الأبواب أكثر فأكثر أمام شباب محروم وبلا مستقبل.
هذا التقدم الزائف الذي تقدم فيه أنظمة الاستبداد أرقاماً مسيّسة وتجبر الرعية، رغم المفارقة على تصديقها،رغم التقهقرات المعاشة من بطالة وإفقار واستبعاد ولا نماء ورغم مواضع بؤس العيش الكئيبة ومواضع عيش الكفاف.
رغم هذا الواقع من عجز الأنظمة أمام المآزق، وأمام أخطار واستحقاقات يجب أن تواجَه، وأمام هشاشة ما سموه منجزات، وأمام عدم مصداقية المعالم التي توجه المسيرات الحياتية للمستقبل، رغم هذا الواقع الذي دفع بالشباب إلى التحالف من أجل الثورة، نجد أن أنظمة الاستبداد تهرب على الأمام، وهو هروب لم يعدْ يجدي أو ينطلي على أحد، وأخذ القائمون عليها لا يعتبرون بنية أنظمتهم مشكلة سياسية خاضعة لاحتمالات استشارة المواطنين في أقطارهم، بل حولوها إلى أنظمة من نتاج الحق الإلهي تنتقل بالضرورة، وليس عليهم تقديم حساب للرعية، كما تؤسس فئة من الأعيان لها نصيب من الامتيازات: المراتب الرفيعة والثروة.
إن الرجوع إلى الماضي لا يُسعف كثيراً في فهم ما يحدث في هذا الزمن، فهناك مواضع وأحداث وأوقات تجد المغامرة الإنسانية نفسها فيها ملتزمة على نحو آخر، خاصة أمام الحالة المفجعة والمأساوية،
وأمام التجاوز الفاحش للسلطة، وأمام نهب الثروة واستنزافها والاستئثار بالخيرات على يد فئة، من الأقارب والمحاسيب، متعطشة إلى التسلط وقابلة للفساد ومنفصلة عن الشعب الذي تدعي أنها خادمة له.
إن السلبي في هذه الأنظمة هو من الثقل بحيث أنه يجر إلى الإنكار الإجمالي لما أُنجز إنجازاً إيجابياً، وولّد خيبة أمل كبيرة، وكان بمثابة عقيدة مولدة لحماس جيل الشباب ولتضامنات شعبية ضخمة ولآمال فيها كثير من الشجاعة لبناء حياة جديدة تغدو فيها الحرية قضية مظفرة.
إن مهمة العقيدة المولدة لثورة الشباب من أجل قضية الحرية التي تكتم أنفاسها أنظمة الاستبداد، هي مهمة تعمل على تحقيق حلول لتهميشهم كل ذلك الزمن.
لشد ما حبَس الباستيل في رمزه، ولكثرة ما أنشأ حكام النظام العربي من سجون كرمز لطغيانهم،
حكام أنظمة، كالنعامة، لا يريدون الإقرار بأن القرب عبر وسائل الاتصال والإعلام يقيم شكلاً جديداً لحضور الآخر، فهو يكشف ليس فقط ما يجعل شبيهاً، وحتى مرغوباً فيه، وما يكوِّن منه مانحاً لموارد ثقافية، وملهماً أساليب وجودٍ تضع الآخر ضمن زاوية الرؤية المزدوجة، ولا يريدون الاعتراف بأن مرحلة الحق الإلهي التي فرضوها على شعوبهم قد انتهت، وأنهم يعجزون عن التوصل إلى فهم مسار الصيرورة التاريخية التي تحتم إطلاق الحريات من خلال أنظمة ديمقراطية علمانية تخرج فيها الرعية إلى حق المواطنة، ويمنح فيها للمواطن وللفاعل الاجتماعي القدر الأكبر من الإمكانيات.
من سمع ابن دراكولا ليبيا ونيرونها، ومن بعده الأب نفسه، التهديدات التي أطلقها، والأوصاف التي نعت بها ثوار ليبيا، يشعر بالخزي أمام نفسه، من أن يكون حاكماً بهذه الدونية قهر الشعب لمدة اثنين وأربعين عاماً، ولا يريد هذا المجنون السفاح، المتعطش لدماء شعب ليبيا وهادرِ ثرواته وماله العام دون رقابة، قبول أية مراجعة أو تصويب لنظامه المستبد المهترئ المستعبد للشعب كله أو أن يعترف بأن جيل الشباب يقول له: ( وأسمعت كلماتي من به صمم)، وأنه جيل عقد العزم على اقتلاع حكم الطغاة الذي ولّى زمانه، وأنه جيل ينحى نحو التغيير الجذري بعقد اجتماعي جديد يؤسس لنظام ديمقراطي علماني يكون في خدمة العقل والتقدم، وتكون للغة السياسة سلطة مؤسسة على فن الإقناع، والسلطة لا تشريفاً، بل تكليف خاضع للمحاسبة،
مروان حبش
23 شباط 2011

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s