بعض اشارات الألق التونسي .. د . علي محمد فخرو

بعض اشارات الألق التونسي
د . علي محمد فخرو
لنقرأ اليوم بدايات المشهد المبهر الذي تكحًّلت به عينا الأمة العربية عبر شهر من الزمن من خلال فهم ما وراء تجلٍّياته التي تلاحقت على أرض تونس العربية كفصول في ملحمة تكاد أن تكون أسطورية لا تصدًّق.
1. شاب مفجوع وغاضب ويائس يشعل في جسمه الجائع المتمرد في ساحة، في مدينة مغمورة، أمام جمهور قلبه الظلم والاستبداد إلى جمهور خائف متفرٍّج، فينجح في أن يكون عود الكبريت الذي يمكن أن يشعل غابة كاملة. هذا الشاب أثبت أن قهر الطغيان يبدأ بوجود فرد أو مجموعة ممًّن يتبرًّعون بأن يكونوا أول ضحايا مقاومة ذلك الطغيان. كل الشعوب في مسيرة صعودها الإنساني ضدًّ الاستبداد وغياب العدالة ستحتاج أولاً إلى تلك الضحية المأساة الأولى، إلى تلك البطولة الخارقة التي لا تملكها إلاً القلًّة، إلى ذلك العنفوان الوجودي الذي يشعل أول عود كبريت وهو لا يدري إن كان سينجح في إشعال الغابة أم ستطفئه الرياح العاتية لتبقي الغابة في سكونها المملٍّ الآسن.
2. أول ردٍ فعل للطُّغاة أن يحاولوا توزيع الإتهامات وتشوية السُّمعة. ولذلك، ما إن بدأت النار بالاشتعال وبدأت الأرض بالاهتزاز، حتى أطلًّ ذلك الوجه المترف المتخم المنشًّى في صالونات الكوافير ليلوم الضحيًّة أولاً، ثم بعد حين ليلوم ويعاقب بعض أعوانه وأزلامه، ثم بعد حين ليلوم بلادته وقلًّة فهمه. وكانت التعابير وحركات الجسم تتبدًّل حسب تغيُّر حجم لهيب الثورة ومدى اهتزاز الأرض من تحت أقدام المستبد إلى أن تصل الخطابات التلفزيونية إلى هلوسة تلتف حول رقبة صاحبها. وهل هناك هلوسة أكثر من قول صاحب السلطة المطلقة بأنه قد بدأ يفهم ما يريد شعبه بعد حكم اقترب من الربع قرن؟ أهو حكم على الذات بالبلاهة والبلادة أم أنه طفولة خائفة رعناء توحي بأن صاحبها لا ينتمي إلى عالم الكبار الناضجين القادرين على تحمُّل المسؤولية؟ ويصل الرًّفض الطفولي السًّاذج لتحمُّل المسؤولية عند لحظة الهرب المخجل الذًّليل وترك النار مشتعلة دون المساهمة الشريفة الرجولية في إطفائها.
3. من قال ان التاريخ لا يعيد نفسه وأن العبر لا تتكرًّر؟ لقد رأينا فيما مضى كيف رفضت الولايات المتحدة الأمريكية استقبال عبدها الذليل المهزوم المريض شاه إيران، بعد أن خدمها عبر عقود، ورمته كليمونة جافة في طرقات المنافي، وفعلت الأمر نفسه مع أجيرها المطيع ماركوس الفليبيني. وهكذا رأينا الطاغية وهو في طائرة فراره يسمع التقريع والشًّماتة من عواصم الدول الاستعمارية التي خدمها ووقف ذليلاً من قبل أمام أبواب حكوماتها، يتوجًّه مضطراً، ويا لسخرية القدر، نحو أرض الرسالة السماوية التي طالما تهكًّم على وحارب معتنقيها وممارسيها بضراوة ولؤم خرجت عن كل ما هو مألوف أو مقبول حتى في عالم مماحكات السياسة. ولاندري إن كان أمثاله من المستقوين بالخارج، المتسلٍّطين على الداخل، سيتعلمون الدرس هذه المرة ليفهموا أن الإستزلام والنًّخاسة في السُّوق السياسية الدولية لم ولن تحمي عبداً طاغية من غضب وانتقام شعبه.
4. كالفئران التي تعرف أنها ما ان تضعف أو تمرض أو تحشر في زاوية حتى تنقضًّ عليها بقية الفئران، رأينا بعض عواصم العرب وهي تسارع مذعورة مشوَّشة للإعلان عن إجراءات بهلوانية لتجنب وصول اللًّهيب أرضها ومؤسسات حكمها. فهذا يأمر بتجميد قرارات رفع الأسعار التي كان سيثقل بها كالعادة كاهل الفقراء من شعبه، وذاك يسمح بالمسيرات السلمية للتنفيس عن مشاعر غضب ويأس شعبه، وآخر يهذي كالعادة بمرثية هزلية للطاغية الهارب، وآخر يوصي جيشه أن يحسُّن تنسيقه مع قوى الأمن الداخلي حتى لا يتكرر مشهد الجيش التونسي البطل الشريف وهو يرفض الانحياز لقوى الأمن الفاسدة. والدافع واحد: فالطغاة يعلمون بأنه مثلما ينتشر الخوف والذل مثل الوباء في المجتمعات، فان مشاعر الإنتصار للكرامة الوطنية والتوق للحريًّة والرًّفض للتهميش تنتشر هي الأخرى كالوباء. والذين يعتقدون بأن كانتونات الاستبداد والظلم والإستزلام والتجويع والاستباحة التي أوجدوها في مختلف بقاع العرب.. ستكون في منأى عن الطوفان من اللهيب الذي لا محالة قادم لا يعرفون شيئاً عن دروس التاريخ وطبائع الأمور في حياة البشر. ولقد سقط الطغاة دائماً على وجوههم وبقيت الشُّعوب التي تحمل على الدًّوم في أحشائها نوعاً مميزاً من الأجنة الطاهرة المستعدة في يوم ما، في المستقبل القريب أو البعيد، أن تكون الضحيًّة المأساة الأولى في نضالات شعوبها المستمرة نحو انتزاع العدالة والحرية والمساواة من يد الأقلية الجشعة الأنانية التي تصُّر على أن تحرم المواطنين منها.
5. الألق التونسي سُيصارُ إلى حرفه وتغطية وهجه ومنع إنتشاره، بل وامتصاصه، من قبل قوى مخابراتية إعلامية ـ مالية شيطانية في بعض عواصم الغرب بالتنسيق مع بعض عواصم بلاد العرب مع طغاة عاصمـة تونس. مثلما تجمًّعت ضباع الخارج والداخل ونهشت في كبد كل ثورة عربية قامت من قبل، فإنها ستحاول الأمر نفسه مع ثورة انبلاج الألق التونسي، فالمعركة ستكون طويلة. هذا الألق التونسي يحتاج لأكثر من مقالة لفهم كل إشاراته.

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s