الوعي السياسي والثورة .. منير درويش

الوعي السياسي والثورة
منير درويش
إذا كانت أعظم ثورة في التاريخ ، هي درجة على سلم هذا التاريخ ، فإن ثورة تونس ومصر تستحق أن توضع في أعلى درجات السلم، نظراً للفترة القصيرة التي حققت فيها أهدافها إزاء أنظمة قمعية ، امتلكت من وسائل القمع ما لم يشهد لها مثيلاً. كما أن الوعي الذي أنتجته في مراحلها المتنوعة شكل هزيمة كبرى للوعي الذي ترسخ خلال الفترة التي تلت هزيمة حزيران 1967 ، والذي كان يتناقض في كل شيء مع المسيرة الطبيعية للتاريخ بل مع مسيرة الواقع أيضاً. هذا الوعي الذي أسست له السياسات العربية بكل أطرافها وساندته الأنظمة لأنه خدم سياساتها في إخضاع الشعوب ونهب ثروة الأمة ونزع السياسة من المجتمع ، أفضى إلى تجاهل الحركة الداخلية الصامتة التي كانت تتفاعل وتغلي داخل المجتمع، وهو ما جعل هذه الثورات تنطلق بمعزل عن تلك السياسات ، حتى لو وجدت نفسها متحالفة معها.
وإذا كانت كومونة باريس عام 1871 قد أسست لأول سلطة اشتراكية في التاريخ ، فإن كومونة ميدان التحرير في القاهرة ، والمدن المصرية والتونسية الأخرى أسست لسلطة شعبية تمتلك وعياً فكرياً وحنكة سياسية ، اختلفت عن كومونة باريس في أهدافها وآليات عملها، فهي لم تكن اشتراكية على نمط الثورة الروسية ، كما أنها ابتعدت عن العنف والتخريب الذي ساد في كثير من الثورات ، و استطاعت أن تستوعب استفزاز السلطة وتحوله إلى وسيلة ضدها .
وإذا كانت هذه الثورة قد انطلقت نتيجة حدث مفاجيء أو مباغت إلا أنها لم تكن بلا مقدمات ، بل جاءت نتيجة تراكم سياسي واجتماعي واقتصادي هيأ لها الشعب وجعلها لصالحه ، لقد أسس هذا التراكم إلى خلق جيل من الشباب الصامت الذي لم يتفاعل مع السياسات القائمة أو ينخرط في ممارساتها. وهو إن بدا وكأنه غير مبالي بما يحدث ، فإن ثقل الهزيمة كان يشحنه بشحنات ثورية تنتظر لحظة الانفجار . تماماً كما حصل خلال ثورة أكتوبر بروسيا عام 1917 عندما اعتقد الكثيرون بأنها مؤجلة بمن فيهم لينين الذي انكفأ منذ شهر تموز من نفس العام لتنفجر الثورة في تشرين الأول .
إن الذين يعتقدون أن هذه الثورات حصلت بفعل الفقر والجوع والبطالة ، يتجاهلون الحقيقة ، فهي لم تكن ثورات طبقية رغم مشاركة نسبة عالية من الفقراء فيها ، بل كانت ثورات شعبية حيث شارك فيها إلى جانب الفقراء أعداد مماثلة من الأغنياء ، وأبناء الطبقة الوسطى من محامين وأطباء ومهندسين وغيرهم إلى جانب الفنانين والممثلين ، وهؤلاء لا يمكن وصفهم بالفقراء ، لذلك كانت هذه ثورة الغلابا ، ومصر معروفة بأم الغلابا ، أي المغلوبين على أمرهم ، وهم من كل فئات الشعب . وإذا كان الشعب المصري الذي ألف الفقر يستطيع أن يصبر على الجوع والحرمان لكنه لم يصبر على الظلم والذل ، خاصة عندما يتعلق الأمر بهويته كمواطن ، وكرامته كإنسان وهو على قناعة بأن ( الله يمهل ولا يهمل ) . وقد جسد الكاتب نجيب محفوظ وضع الشعب المصري في روايته ( أطفال الجلاية ) بالقول . إن المواطن المصري عندما يتعرض للإحباط ينظر إلى القصر ويقول . إنه منزل أجدادنا ولنا الحق فيه ، وأن كنا نجوع ماذا نفعل ؟ ، لذلك فالذين يرجعون هذه الثورات للحالة الاقتصادية دون غيرها من الحالات يحاولون أن يقللوا من أهميتها، وهم يعلمون أن العوامل التي أدت لانطلاقها إضافة للوضع المعيشي هي الحرية والكرامة وبناء الدولة المدنية الحديثة .
لقد تعرض الوعي العربي منذ نكبة فلسطين عام 1948 إلى مرحلتين متناقضتين وهامتين، الأولى مرحلة الشعارات الصاخبة التي تلت النكبة ودعت لتجاوزها بإسقاط الأنظمة التي ( سببتها )، لتحل محلها أنظمة عسكرية في أغلبها، ملأت الدنيا ضجيجاً وأفقدت هذه الشعارات مضامينها ومعانيها، ولأن هذه الشعارات كانت تجسد الرغبات الوطنية والقومية للأمة فقد لاقت قبولاً كبيراً، لكن الأنظمة التي استولت على السلطة، والسياسات التي رافقتها أجهضت هذه الشعارات وأفقدتها أهميتها. ثم جاءت هزيمة حزيران عام 1967 لترسم للواقع العربي وعياً مهزوماً بعد أن انكشف زيف الاستعدادات لتحقيق الآمال والطموحات. وبدلاً من مواجهة هذا الوعي وشد العزيمة وإعادة الثقة بإمكانيات الأمة ، تم تكريسه على أنه وعي تاريخي متأخر ومتجذر لا يمكن لأية نهضة أو تقدم أن تحصل دون تجاوزه ، واستطاع هذا الوعي أن يفرض وجوده على العقل العربي وخاصة عقل النخبة ، وبدا أن العرب غير قادرين حتى على مواجهة الاحتلال والاستعمار علماً أن تجارب التاريخ تبين أن مقاومة الاستعمار لم تكن تخضع لهذا الوعي، وإن كانت قد استخدمت آليات غير متقدمة في كثير من الأحيان ، وبذلك فنحن نتجاهل مقاومة الاستعمار في مصر وسورية والعراق والجزائر وبقية الأقطار العربية في تجربة لم تختلف عن تجربة فيتنام في مواجهتها للاحتلال الأمريكي، كما أننا نتجاهل مقاومة الشعب الأفغاني الذي يعتبر من أكثر شعوب الأرض تأخراً، مقاومته للغزو السوفييتي عام 1979، ودحره ثم مقاومته لقوات حلف الأطلسي الآن.
ولتبرير استمرار الهزيمة والوعي الذي أنتجته، ألقيت المسؤولية على جيل الشباب بحجة أنه غير مبالي بقضايا الوطن والأمة ، وكانت في مجملها تعطي المبرر للأنظمة في الاستمرار في سياستها التي ارتكزت بشكل أساسي على هذا الوعي ، بعد أن جعلت من نفسها مالكة للوطن والمواطن ، وهو ما عبر عنه حسني مبارك عندما قال ” بأنه يرغب المغادرة لكنه يخشى الفوضى “.
أما الحركة السياسية التي اعتبرت نفسها، الطليعة الواعية والمقاتلة من أجل الشعب وأعلى شكل من تنظيمها ، فقد صاغت برامجها وفق الواقع الذي فرضه هذا الوعي والذي بدا لها راكداً لا يتحرك، وكانت بالنتيجة تلتقي في برامجها مع برامج السلطة حتى لو اختلفت بالأسلوب لذلك بقيت منغلقة ومتآكلة ، مفتقدة لوجود الشباب فيها وتأييدهم لها أو تأطيرهم معها. أما على الصعيد السياسي ، فقد اختلفت وهي بأوضاعها تلك فيما بينها حول الشعارات الأساسية وآليات تطبيقها وهذا ما جعل الأنظمة التي اتبعت سياسة فرق تسد من تقريب هذا الفصيل وإبعاد ذاك.
وإذا أضفنا لذلك أن كثير من قيادات الحركات السياسية مارست السلطة بشكل ما، وأن كثير من شعاراتها جاءت بعد أن هجرت هذه السلطة ، تكتمل لدينا الأسباب التي دفعت بالشباب إلى إطلاق ثورتهم بمعزل عن الطرفين، السلطة والمعارضة.
ثم أن صياغة الوعي العام للشعوب العربية وفق مفهوم التأخر التاريخي الذي قطع الاحتمالات عن انفجار شعبي مباغت ومع تراجع التيار القومي العربي، أدى إلى صعود التيارات الدينية السلفية التي هجرت المستقبل وتمسكت بالماضي، واستطاعت نتيجة الفراغ السياسي أن تستقطب أعداد كبيرة من الشباب، لكن تطور العلوم وثورة الاتصالات والتواصل مع العالم من خلال هذه الثورة ساهمت في الحد من تصاعد هذه التيارات ، من هنا قلنا ونقول إن وعي الشباب الذين ساهموا في صنع الثورة أعلى بكثير من الوعي الذي كان سائداً قبلها خاصة إذا ما جسدت هذا الوعي بإنشاء حزب سياسي يحمي الثورة.
لقد اختلفت الحركة السياسية العربية على مفاهيم ومعاني الشعارات التي رفعتها قبل تحقيقها، فعلى صعيد الديمقراطية، كان هناك اختلافات واضحة تجاهها، البعض كان يرى أن التأخر العربي يحول دون استحقاق العرب لهذا المفهوم ، علماً أن دولاً عربية عدة مارستها فعلياً من خلال البرلمانات التي قامت على صناديق الاقتراع في مصر وسورية والعراق ولبنان…الخ قبل أن تجرفها الانقلابات العسكرية ، وتتصدى لها الثقافة العربية باعتبارها تجربة ( برجوازية )، ودعت إلى ديمقراطية شعبية ، تبنتها الحركات القومية والعلمانية و أسست لأسوأ أنواع الاستبداد، بينما تمسكت الأحزاب الشيوعية بدكتاتورية البروليتاريا المستوحاة من التجربة السوفييتية ، أما التيارات الإسلامية التي نظرت إليها كوافد غربي يمكن أن تفقدها قاعدتها فقد استبدلتها بمفهوم الشورى كنموذج إسلامي في الحكم.
على صعيد التطبيق، أجهضت جميع التجارب الديمقراطية التي جاءت عن طريق صندوق الاقتراع وأبرز أمثلتها فوز الجبهة الإسلامية في الجزائر بانتخابات المجالس البلدية لكن جميع القوى التي شاركتها صندوق الاقتراع رفضت النتيجة وأجهضت التجربة. وهذا إن دل على شيء فهو يدل على الفرق الكبير بين الشعارات وممارستها أو تطبيقها . كما يدل على أن القصور كان في الوعي السياسي وليس الشعبي . وإلا كيف أدرك المواطنون في لحظة الثورة أنهم يد واحدة بعد أن فرقتهم الإيديولوجيات والانتماءات المختلفة ؟ بل كيف أدركوا أن الوطن مساحة واسعة خضراء تتسع للجميع ليعمل ويبنى للمستقبل بثقة بعد أن ضاق بهم ؟
إننا الآن في مفترق طرق مليئة بالأشواك والعقبات، لكن التمسك بثوابت الثورة وبالوعي الذي أفرزته يتطلب وضع برامج عملية واضحة وشفافة هي الكفيلة بنجاح الثورة وتحقيق أهدافها، وبناء الدولة المدنية الحديثة.
يقول مكسيك رودنسون ” إن نجاح الثورة، يتطلب ثورة جديدة “.
منير درويش
دمشق 19 / 2 / 2011

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s