الوضع العربي بين الانتفاضة والانفصال .. منير درويش

الوضع العربي بين الانتفاضة والانفصال
منير درويش
تشهد الأوضاع العربية في الأيام الأخيرة جملة من الأحداث ، على غاية كبيرة من الأهمية ، بل يمكن وصفها بالفريدة إلى حد ما إذا ما قيست بالزمن الماضي الذي شهد ركوداً امتد لسنوات طويلة ، خاصة ما تعلق منها بتداعيات الاعتداء على كنيسة القديسين في مصر ، واحتجاجات الشعب التونسي ، وما تلاها في مناطق أخرى . ثم في استفتاء جنوب السودان على الانفصال .
في الظاهرة الأولى خرج الشعب المصري بفئاته الشعبية وأحزابه ومؤسساته التعليمية والدينية ، مستنكراً حادثة الاعتداء على كنيسة القديسين معتبرها ، اعتداء على شعب مصر ووحدته الوطنية وليس على فئة منه ، محملاً النظام وسياساته كامل المسؤولية عنها ، بعد أن صمت عن الأحداث التي جرت في السنوات الأخيرة ، أو عجز عن معالجتها . واستباقاً لأي تحقيق ، وكما جرت العادة خرجت السلطة المصرية لتلقي بالمسؤولية على الخارج. لكن هذه الحادثة التي أحرجت النظام ، أعادت للشعب المصري بعض من وحدته ، بعد أن غلّب التاريخ على الإيديولوجيا
في الظاهرة الثانية ، قام شاب تونسي بإحراق نفسه احتجاجاً (على عدم توفير فرصة عمل له ) مما أشعل مشاعر الشعب التونسي وفجر مكنوناته السياسية والاجتماعية ومعاناته الحادة ، فخرج بكل فئاته احتجاجاً على ما يمارسه النظام من كبت للحريات وممارسة للاستبداد والنهب والفساد وحرمان للشعب من حقوقه وموارده . ، وأخفيت هذه الأحداث لأكثر من أسبوع قبل أن يلتفت لها أحد ، رغم وجود وسائل الإعلام و السفراء والقناصل العربية والأجنبية وعملاء المخابرات من كل حدب وصوب . ثم تلتها احتجاجات مماثلة في الجزائر وتململ في موريتانيا ، كما جرى تجمع لعدد من الشباب في السعودية للمطالبة أيضاً بفرص عمل كما ذكرت بعض وسائل الإعلام ، ثم طمر الخبر ولم يرد له ذكر .
وهكذا ، ولأول مرة منذ سنوات طويلة تخرج الجماهير في بلد عربي بهذا الزخم للمطالبة بحقوقها بعد أن صمتت عنها ، حتى بدت بلدان الوطن العربي أرض بلا شعب ، وهذا ما كان يثلج صدر الأنظمة والقوى الداعمة لها سياسياً وإيديولوجياً ، ويجعلها تنام في العسل ، غير مقدّرة أن للصبر حدود ، وأن نظرية نابليون ” إن الجنود تزحف على بطونها ” يمكن أن تصبح ” إن الشعوب قد تثور إذا جاعت ” لأنها لن تخسر سوى جوعها .
وإذا كانت هذه الاحتجاجات قد قامت على خلفية اجتماعية أو لتأمين فرص العمل كما تحاول أن تصورها وسائل الإعلام المتنوعة إلا أنها لا تخلو من الأهداف السياسية كإطلاق حرية الرأي والتعبير ، وحرية الإعلام وتشكيل الأحزاب ، بعد المعاناة الطويلة في هذا المجال . كما أنها ورغم ما شابها من بعض العصبيات إلا أن الأنظمة في البلدان التي انطلقت فيها اعتادت على الاستخفاف بقدرات الشعوب فلجأت للعنف ليس لوقفها بل لقمعها ، وهذا ما يدل عليه وجود القتلى والجرحى في صفوف المحتجين التونسيين والجزائريين مهما كان عددهم 10 أو 20 أو 50 . فهو عنف لا مبرر له لو أن السلطات قامت منذ البداية بالاستماع للمطالب ، والعمل على تحقيقها ، أو النظر فيها على الأقل ، قبل أن يخرج الرئيس التونسي وكما فعلت السلطة المصرية ليعلن أن الإرهابيين والمتطرفين هم الذين يقفون وراء هذه الأحداث ، مستحضراً النظرية الأمريكية حول الإرهاب . والسلطة تعلم ان الاحتجاجات ليست إلا تعبيراً عن حالة سياسية شعبية محتجزة سببتها سياسة النظام عندما سدت في وجه الشعب سبل الحرية والحياة وحرمته من الحد الأدنى من موارده .
ومهما تكن النتائج التي ستصل إليها هذه الاحتجاجات ، ومدى تأثيرها على النظام التونسي والأنظمة الأخرى في ظل الخلل الواسع بميزان القوى بين شعب أعزل يريد أن يحصل على حقوقه سلمياً أو بأقل الخسائر ، وبين سلطة تمتلك كل عناصر القوة وعلى استعداد لاستخدامها ، وفي ظل غياب معارضة تمتلك البرامج التي تقود هذه الاحتجاجات وأيضاً غياب دعم شعبي عربي فاعل يعززها ، فإن هذه الأحداث رغم كل ذلك فقد كسرت حاجز الخوف لدى الشعب وأظهرت أن للتاريخ وزناً ن وأن الشعوب قادرة على التضحية بالكثير في سبيل حقوقها .
لقد أجبرت هذه الاحتجاجات السلطات في البلدان التي قامت بها أو أوشكت ، على التراجع عن القرارات التي اتخذتها فيما يتعلق برفع الأسعار والبحث في البطالة وتوفير فرص العمل ، كما أجبرت النظام التونسي على إطلاق الوعود حول سلسلة من الإصلاحات السياسية ، لكن هذه الإجراءات لم تعد كافية إذا لم يتحقق الإصلاح السياسي الشامل بكل ما يحمله ، وفي المقابل ، فإن هذه السلطات قد تتوقف أيضاً عن وعودها وقد تعود لممارسة ، المزيدً من القمع والاستبداد ،وتحصد المزيد من الضحايا لكنها قد تعجز عن إعادة الأمور لما كانت عليه .
عندما تعلن الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي عن قلقها من هذه الاحتجاجات وتغلف هذا القلق بالحديث عن الضغوط المفرطة التي يمارسها النظام التونسي ضد الشعب تكون قد استشعرت بالخطر ليس على الشعب بل على النظام الذي رمى بالقضايا العربية خلف ظهره ، والذي كان يبدو في وسائل الإعلام العربية والأجنبية بأنه من الأنظمة الأكثر استقراراً ، بعد أن أوهم الغير بأنه حقق لتونس من الحرية ، ورغد العيش ما لم يحلم به أحد . لكنه الآن وحتى لو لم يفقد قوته لكنه فقد هيبته . وعليه أن يعترف بان هناك أزمة سياسية يجب حلها حلاً شاملاً .
الحدث الآخر برز في تصويت أهالي الجنوب السوداني تأييداً للانفصال عن جسدهم التاريخي ، ليشكلوا كياناً جغرافياً معزولاً عن واقعهم الذي عاشوا فيه منذ قرون ، وهم يضعون أنفسهم في المجهول ، تحت وعود أمريكية وغربية خبرتها الشعوب ولم تصدق بها يوماً رغم المصالح التي تحققت لها من خلالها دون أن تعطي شيئاً يذكر . والآن وبعد فرحتهم الوليدة والعارمة سيدرك أهل الجنوب ” بعد أن تذهب السكرة وتأتي الفكرة ” ، وهم أدرى بأمورهم ، المشاكل التي تنتظرهم والمخاطر التي تحيط بهم نتيجة الانفصال ، ومن المؤسف أن السياسات العربية لم تبذل جهداً يذكر في إقناع أهل الجنوب بالتخلي عن الانفصال بتقديم بدائل سياسية واقتصادية أو ضمانات اجتماعية لهم .
لقد انفصل الجنوب قبل التصويت الذي بدت نتائجه معروفة سواء كان تصويتاً حراً أو خضعت نتائجه للتزوير لأن هذا الانفصال ، لم يكن بفعل أهل الجنوب وتصويتهم فقط بل وأيضاً بسبب ممارسات السلطة السودانية التي دفعت به وعلى كل الأصعدة إلى هذا الطريق ً ، وكذلك مواقف المعارضة بيمينها ويسارها التي كانت تشجع على الانفصال أو تسكت عنه ، وكل منها له أهدافه المختلفة ، بعضها لا يخلو من عملية انتقامية ضد النظام ، وبعضها الآخر يبحث عن قوى سودانية تدعمها خارج سلطة هذا النظام ، حيث أن الجنوب كان على مدى العقود الماضية الملجأ الآمن لهذه المعارضة ، تلجأ إليه هرباً من الاستبداد ، وهكذا فإن جميع العناصر الداخلية تجمعت تأييداً للانفصال ،
منذ اتفاق نيفاشا عام 2005 كان واضحاً أن الجنوب يسير في هذا الطريق بينما وقفت الأنظمة العربية حيال ذلك متفرجة او عاجزة ،ً ولكي تبرر تهربها وكما جرت العادة فقد ألقت بمسؤولية الانفصال على إسرائيل ، في الوقت الذي تجاهلت أوضاع السودان وأحجمت عن تقديم الدعم الاقتصادي والسياسي لإصلاح أوضاعه المتدهورة ، وإقامة مشاريع تنموية في الشمال والجنوب تعزز الوحدة ، وتوفر فرص عمل ومعيشة لأبنائه ، كما أنها بقيت متفرجة على الحروب التي اندلعت فيه على مدى العقدين الماضيين ، وأسندت مهمة معالجتها للدول الأفريقية المجاورة ، والمدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل .
نحن لا نقلل من الدور الإسرائيلي لكننا لا نبرر لأنفسنا . فالسياسة مصالح . و لو أن بعضاً من الأموال العربية التي صرفت ( هنا وهناك ) قد تم تحويلها للسودان من أجل دعم اقتصاد الجنوب ، دون استغلال لاختلف وضعه بدرجة كبيرة ولما ألقينا باللوم عل إسرائيل .
أما المعارضة العربية عموماً ، وخاصة في مصر وليبيا والمعنية مباشرة بالملف السوداني ، فقد بقيت بعيدة عن همومه ومشاكل جنوبه ووسطه ، وكادت تغيب هذه القضية من برامجها ، واكتفت بما تبنته المعارضة السودانية في هذا المجال .
بينما عملت الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي على هذا الملف منذ اتفاق نيفاشا الذي نص على تقرير المصير بالاستفتاء ورمت بثقلها السياسي والإعلامي في خدمة الانفصال بعد أن أوقعت السودان في مشاكل أنهكته ومنها مشكلة دار فور ثم آبيي التي لا زالت بلا حل بانتظار الانفصال ، وحرصت على أن يأتي الاستفتاء في وقته وأن يكون لصالح هذا الانفصال مستخدمة الترهيب والترغيب ، إذ أعلنت أنها سترفع السودان من قائمة الدول الداعمة للإرهاب إذا كانت نتيجة التصويت بالانفصال وإلا ستفرض عليه عقوبات صارمة ، وهكذا اتبعت سياسة اليزيد بن معاوية ” بهذا ، أو بهذا ” . لقد أرسلت وقبل بدء الاستفتاء كل من رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس ، والممثل الشخصي لمراقبة الاستفتاء والوقوف على النتيجة بينما بقيت الجامعة العربية ورئيسها والنظام العربي مسلّمين بالواقع الذي سيجلب الخراب على الأمة .
إن خيار أهل الجنوب هو خيار شعب اختار مصيره ، مهما كان موقفنا من هذا الاختيار خاصة وأنه يأتي عير صناديق الاقتراع ، وتلك هي أهم مزايا المشروع القومي العربي الذي حرص دوماً على حق تقرير المصير ضمن الشروط المناسبة ، لكن لماذا اختار الجنوب السوداني قطع حبل السرة مع السودان ؟ .
هل تساءل العقلاء من الجنوب . ماذا تخطط لهم السياسة الأمريكية ؟، ولماذا تتحمل عبء انفصالهم ؟ أم أن أصوات هؤلاء خمدت تحت قرع طبول الانفصال التي تقرعها المخابرات المركزية ؟
لماذا كل هذا الضجيج السياسي والإعلامي والتهديدات والوعود الغربية ؟ ولماذا الإصرار على تشكيل دولة مستقلة ؟ ، والكل يدرك أنها وبسبب الواقع الاجتماعي حيث نقص الاندماج المجتمعي وسيادة النهج القبلي المتصارع ،والصراعات التي ستنشأ بين القبائل عند تقاسم السلطة والنفوذ والموارد ، وفي غياب البنى التحتية فإن هذه الدولة ستكون عبئاً على السياسات الغربية ، لكن الأهداف الحقيقية لهذه السياسة هي أبعد من ذلك بكثير.
فإلى جانب مساحة الجنوب الواسعة ( 640 ألف كم2 ) قسماً كبيراً منها صالحاً للزراعة ، والرعي يتوقع وجود كميات كبيرة من النفط والمعادن ، وفضلاً عما سيوفره الجنوب من النفوذ السياسي في القارة ، فإن السودان الموحد بموارده يشكل سلة الغذاء للوطن العربي ( في الجنوب وحده يوجد مليون رأس من الأبقار لعدد من السكان لا يزيد عن 9 ملايين نسمة ) إضافة للأغنام والماعز ، لو استثمرت على صعيد وطني وقومي ، ولو توفرت لها الاستثمارات العربية التي تمولها وتديرها ، وإن تنمية هذه الموارد سيؤدي إلى الاستغناء عن استيراد قسماً كبيراً من المواد الغذائية التي تصل قيمتها سنوياً لعشرات المليارات من الدولارات ، وهذا سيشكل ضربة كبيرة للموارد الغذائية الغربية التي تعاني من كسادها بسبب ارتفاع أسعارها . إن تقسيم السودان سيجعله يفقد هذه الميزة ، ويبقى يعيش في فقره . تلك قضية يجب أن ندركها كأحد أهداف السياسة الغربية تجاه هذا البلد . أما الهدف الآخر فهو الضغط على مصر وشمال السودان من أجل مياه النيل الذي يصبح الجنوب ممراً له ومتحكما بالكميات التي تصل إليهما وهذه أزمة كبرى في ظل الحاجة الماسة للماء . فضلاً عن إعلان قادة الانفصال بأن المشاريع الاقتصادية الممنوحة للشركات الصينية واليابانية والروسية ستحول إلى الشركات الأمريكية والغربية وهذا هو بيت القصيد .
إن انفصال الجنوب أصبح أمراً واقعاً ، ومع ذلك فعلى الدول العربية أن تتعامل مع هذا الواقع بعقلانية وبلا ردة فعل التي تعتبر موقفا سيئاً في السياسة ‘ علينا أن نكسب صداقته بدل عداوته ، وأن لا نلقي به في أحضان الغير ، كي لا نكرر تجربة إريتريا التي تجاهلناها بعد الاستقلال فخسرناها .
ولأن هذا الانفصال وضع السودان والوضع العربي في مهب الريح أصبح من الضروري التفكير بصورة عقلانية حماية للمصلحة العربية ، وفي اعتقادي بأن السودان كي يستمر لا بد له أن يفكر جدياً بالعودة للاتحاد مع مصر ، وتعزيز وحدة وادي النيل من جديد . هذا المشروع يمكن تحقيقه من خلال المسؤولية القومية لحماية مصالح الأمة ، وليس على خلفية ما كان يطرح سابقاً من وجود / حقوق لمصر في السودان / . ولا ننسى أن السودان سبق وتبنى هذا المشروع عندما كان يضعف ، وكانت وحدة وادي النيل هي شعاره المركزي ، لكن هذا الشعار الآن يجب أن يكون على أساس التكافؤ والتساوي في الحقوق بين الشعبين ، وأن يتوفر في البلدين النظام السياسي الذي يحمل مسؤولية هذا الاتحاد .
لم تكن أهمية ( الاحتلال المصري للسودان ) في القرن الثامن عشر 1821 – 1885 مقتصراً على إيجاد مركزية موحدة استقطبت بالتوحيد مختلف أصقاع السودان ، بل حمته من سيطرة القوى الأوربية ، والآن قد يعيد التاريخ نفسه .
لقد كان لوحدة وادي النيل بين مصر و السودان ، دوراً حاسماً في الحفاظ على شخصية السودان المعاصرة ، وتحديد معالمه السياسية ، وتوحيد شتاته ، ورسم حدوده الحالية . هذا ما يقوله السودانيون أنفسهم ( أنظر محمد أبو القاسم حاج محمد ، في كتابه – السودان . المأزق التاريخي وآفاق المستقبل ) .
منير درويش
دمشق 14 / 1 / 2011

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s