الفساد والاستبداد

الفساد والاستبداد
مروان حبش
لا يمكن أن تجلس مع صديق أو غريب، وفي أي مكان، إلا ويتم التطرق إلى الفساد الذي انتشر، كالنار في الهشيم، في كل أجهزة الدولة ومؤسساتها دون استثناء وهو ما زال يزداد انتشاراً وما زالت الحكايات عنه بين المواطنين تزداد، أيضاً، حتى أصبحت كالحكايات عن الأفاعي، إذا بدأت لا تنتهي .
لا بد أن ظاهرة الفساد موجود ة في كل الدول والمجتمعات، وغاية مرتكبيها الإثراء غير المشروع بأي سبب وبأية وسيلة وهذا يقود إلى خلق مجتمع قوامه الظلم الاجتماعي والاقتصادي، ويؤدي إلى الكثير من الفضائع بالنسبة إلى المواطنين العاديين والجيل الناشئ، ويصبح كل شيء مالاً ويمحى الفارق بين الدخل الشرعي والسرقة.
لقد عرفت منظمة الشفافية العالمية الفساد بأنه “استغلال السلطة من أجل المنفعة الخاصة “، وحسب هذا التعريف فإن الفاسد هو من يستغل سلطته عن وعي وقصد لكي يتوصل إلى مزية شخصية ، وإلى هدف غير شرعي أو هدف شرعي يمنع المتسلط صاحبه من الوصول إليه إلا إذا قدم “المعلوم”.
إن الفساد في الدول التي ينتج شعبها سلطته الحاكمة ، أي الدول ذات النظام الديمقراطي، ظاهرة شاذة، وما أن يكشف مرتكبوها، حتى ينالون العقاب الذي يستحقون، أما الفساد في الدول ذات النظام الاستبدادي فإنه يكون ثالثة الأثافي التي يرتكز عليها النظام في استمراره في السلطة، ويصبح قيمة سائدة من بين القيم التي تحكم السلوك في علاقة المواطن بأجهزة السلطة ومؤسسات الدولة ، ولا غرابة في ذلك ، طالما أن الهمَّ الوحيد للحاكم هو استمراريته في السلطة، وهذا يتطلب الموالاة ، وأقرب طريق لتكوين موالين هو إغداق المال عليهم ولهم أن يحصلوا على الثروة بـ وبشطارتهم يسري الشر المستطير في أرض الوطن، من ناحية ، ويجب أن يصبح هؤلاء “مدانون” وبمقدار ما تكبر “ملفاتهم” يزداد ولاؤهم للحاكم، وفق منطوق الدولة الأمنية ، من الناحية الأخرى ، وخوفا من البطش يجد المواطن أن ليس في وسعه فعل شيء، ويلتزم الصمت الذي يرتفع جداره المحيط بالفساد ، رغم إدراكه ” المواطن ” بعدم اتخاذ أية إجراءات لاختراق هذا الجدار.
وبمقدار ما يعم وباء الفساد، أيضاً، تكثر التبريرات وتتكرر دائما : بأن اللجوء إلى الرشوة وإعطاء المتنفذين “بقشيشهم” أو “نصيبهم” أو “حصتهم” قد أصبح الآن تقليداً من تقاليد العالم الثالث، وأن بعض البلدان المصدرة تسانده إذْ جعلت مبالغ الرشوة المدفوعة قابلة للحسم الضريبي، وما هذا إلا عذر لتغطية حقيقة النوايا.
إذا كان الفساد في الدول الديمقراطية خاضعاً للمساءلة والمحاسبة، فهو ليس كذلك في الأنظمة الاستبدادية ، باستثناء حالة واحدة، وهي ضرورة تقديم كبش فداء بين فترة وأخرى، ويختار الحاكم هذه الضحية، وفق معاييره الخاصة ، وغير ذلك ، ينشأ عن الفساد في ظل هذه الأنظمة ظواهر خطيرة يدركها ويرددها جل المواطنين، من بينها:
أن الفساد الذي أصبح يمثل الشر الأساس في وطننا، و يكشف عن وجهه المقيت أين اتجهنا، يكمن الآن في جذور جل المشكلات ذات الأهمية أو يحول دون حلها ، على الأقل، ويحدث آثاره المدمرة في الوطن “في الاقتصاد وفي المجتمع وفي نفوس البشر” وأصبح الكثير من المواطنين يكابدون ألوان الازدراء والمعاناة، و أسارى في حزام البؤس والفقر تمارَس عليهم كل أشكال الاستغلال الوحشية المتجبرة، ويمارسون أنواع النشاطات الهامشية، ويعيشون على ما يقارب “اللاشيء”.
نشوء شبكات المافيات وعصابات الإرهاب وكثرة القنوات المظلمة وزيادة التحرر من الملاحقة، ويصبح للمتمولين “القدامى والجدد” والمتنفذين وأقربائهم نفوذا حاسماً في الدولة، و يفلت هؤلاء الأثرياء من دفع الضرائب بعملية إفساد عام للإدارة ويصبح بإمكانهم “أي رجال جدار المال” التحكم في توجيه إصدار القرارات والقوانين التي تلبي مصالحهم، وتصبح الإدارة خاضعة لرغباتهم ، كما يمكن أن يتحكموا في الحصول على مناصب لهم أو لأعوانهم ، وبذلك يستمرون في الحصول على مكاسب ووسائل تضاف إلى وسائلهم المتنامية إلى حد مفرط ، ويمكن القول أن السلطة تصبح سلطة “أوليغارشية”، أي سلطة للأقلية الغنية التي تحافظ على امتيازاتها ضد كل شيء وضد الجميع.
زيادة ظواهر “البلطجة” والجريمة والإرهاب المنظم وزيادة ملحمة السرقات ونهب الأموال واغتصابها وغسلها، عدم توجيه الرساميل وخيارات الدولة الاقتصادية نحو الاستثمارات التي تخلق فرص عمل جديدة ، وتأسيس بنية تحتية رديئة ، وتدمير البيئة ، وفرض مشاريع “غير عقلانية” على حساب المشاريع التي لها ضرورتها وعقلانيتها.
ونتيجة تحويل مبالغ طائلة من المال إلى حسابات مصرفية لصالح أصحاب القول الفصل والحكم فيما يصلح أمور المجتمع وما يلحق به من ضرر، تُتخذ قرارات خاطئة تتصل بالسياسة والاقتصاد، تعوق البرامج والمجهودات التنموية وتجعل النجاح مستحيلاً أو مشوهاً وترتفع كلفة المشاريع بشكل باهظ.
إن كل مواطن يعاني من أثار الفساد معاناة مباشرة وبدرجة تقل أو تكثر، كما أن ما يتناهى إلى أسماعنا من أصداء في الالتزام بمكافحة الفساد ما هو إلا ضجيج دون نتيجة ، يقابله الازدياد بالغ الضخامة لأُولي السلطان والبأس في ممارسة الفساد ، ونتيجة لهذا الواقع يشعر المواطن أن الأيادي تبقى مغلولة ويظن أن الأوهام تستحوذ عليه ولا فرصة للتخلص من هذا الوباء، رغم وعيه بأن الوباء يسبب الموت والوبال على الوطن والمواطن، فهو يشوه الأخلاق ويفسد القيم ويدمر قيماً هائلة من الاقتصاد القومي، ويعوق التطور، ويؤثر في سياسة الدولة ويرسخ الاستبداد، ويستغله الإجرام المنظم والإرهاب.
إذا كان الفساد وانتشاره ينطلق من المقولة “أن السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة” فإن اقتلاع الفساد “وهذه الجملة تصيب كبد الحقيقة”، ينطوي على مجازفات ويتطلب مصداقية ومواقف صارمة لا هوادة فيها ولا مراعاة ولا تواطؤ مع الحكام والطغاة من أرباب الثروة كمخرج من درك الأزمة العميقة أزمة نظام الفساد المستقر في أعماق النظام وأثاره التي أصبحت فوق الاحتمال .
إن محاربة الفساد ليست فكرة خيالية “دون كيخوتية” ، ولكن لا تقتلعه الأجهزة الأمنية أو بعض أجهزة الرقابة والتفتيش، وإذا كان استشراء هذا البلاء يقابله فقدان دولة القانون وحرية الرأي والصحافة والتعددية السياسية وجمعيات المجتمع المدني، فإن هذا كله يحتاج إلى خطة منهجية ويوجب الانطلاق من إستراتيجية عامة، تبدأ من تحويل بنية الدولة الاستبدادية إلى دولة حيادية ديمقراطية وسلطة متغيرة، وبهذا التحويل تصبح النظرة إلى الوطن وخيراته بأنها ملك لجميع المواطنين، و أن المال العام يجب أن يتوجه إلى تنمية الوطن ورفاهية المواطنين.
من هذه البداية يتأسس نظام وطني يجهد للمحافظة على الاستقامة، ومن أبرز ملامح هذا النظام الوطني : حكومات منتخبة ديمقراطياً، توزيع متكافئ للسلطات، صحافة حرة، انتخابات تمثيلية حرة، جمعيات مدنية لإيقاظ الوعي لدى عامة الناس ويفسح لها المجال للوصول إلى المعلومات الضرورية لمراقبة الفساد وفضح الفاسدين.
وإضافة إلى ذلك يمكن أن نستعير بعض الأسس من منظمة الشفافية العالمية، بأن محاربة الفساد لا يكون فقط بالتلويح بالعقوبات الجزائية أو المواعظ الأخلاقية ، بل يقتضي :
معالجة مسبباته السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وقف الاستغلال الأناني للسلطة.
تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص، لكي يصل كل مواطن إلى الفرصة التي تتوافر له.
تعاون كل المواطنين لتحقيق مصلحة القانون والعدالة والشفافية.
تأسيس فرق عمل تعمم الطرائق المؤدية إلى مكافحة الفساد ورصد ممارسة العمل.
وإلى أن يتم تحويل بنية النظام ، فلا بد من أن يعلن النظام موقفاً مناقضاً للفساد وإستراتيجية مناهضة له، وإعادة صياغة الإدارة والمؤسسات بما يتوافق مع تلك الإستراتيجية، وأن يتحلى من يتبوأ مركزاً فيها بأن يكون :
مؤمناً عميق الإيمان بأن مهمته خدمة شعبه وتنمية وطنه.
مؤمناً بأن مهمته هي المحافظة على المال العام والثروة الوطنية.
وختاماً أقول : لقد حدثني صديق بأنه أثناء انتقاء متطوعين للشرطة في إحدى المحافظات ، سئل أحد المتقدمين، لماذا تريد التطوع في سلك الشرطة وتعرف قلة الراتب وبأنه لا يكفيك لاستئجار غرفة ومصروف اللباس والطعام ؟ فأجاب المتسابق : < سيدي ، قالوا لنا في برّاني >
وبهذه الذهنية يأتي الموظف الصغير، فما أحراك بمستلمي المناصب العالية.
مروان حبش

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s