العرب بين عقدين .. منير درويش

العرب بين عقدين
منير درويش
انقضى العقد الأول من الألفية الثالثة، وأصبح من الضروري إلقاء بعض الضوء على الحصاد العربي أوطاناً وشعوباً، وما نتج عنه خلال هذا العقد.
وأصبح من الضروري أيضاً دراسة مشاريع النهضة التي انطلقت خلال عقود القرن العشرين، لماذا وضعت ؟ ولماذا أخفقت ؟ وما هي الأسباب التي أدت إلى إخفاقها ؟
وإذا كانت أحداث الحادي عشر من أيلول 2001 في الولايات المتحدة قد شكلت أهم أحداث العقد الأول عالمياً وعربياً حيث كان لها انعكاسها المباشر على الوضع العربي ، لكننا في البداية سنشير إلى ما وقع في الشهرين الأخيرين من هذا العقد من أحداث تلقي الضوء نسبياً على الأسباب التي كان لها دور في إخفاق مشاريع النهضة ، واقصد بها حادثتي الاعتداء على كنيسة النجاة في بغداد 31 / 10 / 2010 ، وما تلاها من حوادث قتل للمسيحيين ، وتهجيرهم من مدنهم ومنازلهم إلى مناطق أكثر أمناً ، أو إلى الدول العربية والخارج . وحادثة وكنيسة القديسين في الإسكندرية التي رافقت الدقائق الأولى من العام 2011 لتدشن العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين . ولم يكن مفعول هذه الحوادث بحجمها بل بمدلولها ، إذ أن الدلالات الحقيقية لها أو لنقل نتائجها ، تدل على ما وصلت إليه المجتمعات العربية من زعزعة داخلية ، وانقسام وتوتر ، وهي تأتي في أعقاب تفجيرات مماثلة شهدتها الجوامع والحسينيات والمقامات ودور العبادة الأخرى في مختلف المدن العراقية على خلفية تصفيات طائفية أو مذهبية ، كما أنها تأتي على خلفيات تصفيات مماثلة في السودان شماله وجنوبه ووسطه ، وفي اليمن ، وتوترات في مصر ولبنان …الخ . تلك التوترات التي تفتح الباب واسعاً أمام القوى الخارجية للتدخل في شؤون الوطن العربي بحجة حماية هذه الفئة . وهو ما أشرنا إليه ونبهنا منه.
نحن لا نتجاهل الأحداث الكبرى التي مر بها الوطن العربي منذ بداية العقد ، والتي تلت أحداث الحادي عشر من أيلول ، وكان لها تأثير حاسم على المستقبل العربي ، خاصة منذ الاحتلال العدواني الأمريكي للعراق ، وبث التفرقة بين أبنائه ، وإذكاء الانقسامات الطائفية والمذهبية بين مكوناته التي كانت فيه منذ 13 قرناً وهي تعيش على أرض واحدة ومجتمع واحد دون أن تصل إلى الدرجة التي وصلت إليها من اقتتال وتناحر بعد الاحتلال . كما لا نتجاهل العدوان الإسرائيلي المستمر على الشعب الفلسطيني المدعومة أمريكياً والتي لم تهدأ طوال العقد ، أو الحرب العدوانية على لبنان عام 2006 ، والتي أدت إلى مقتل وإصابة المئات من أبنائه ، ودمرت جزءً من بناه التحتية . آو العدوان الإسرائيلي على غزة، وما خلفه من قتل وتدمير حاقد لشعب أعزل، فقط لأنه استخدم حقه بالمقاومة. بل لا نتجاهل كل ما جرى من مؤامرات واستفزازات وإساءات ضد العرب والمسلمين في الدول الغربية ، وبفعل السياسات التي تأثرت بنظرية صراع الحضارات التي صاغها صموئيل هنتنغتون ..
وإذا كانت هذه الأحداث قد جرت بفعل القوى الخارجية ، وبدافع من مصالحها ، لكن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة . إذ تبين هذه الأحداث أن ضحايا العنف الطائفي، والمذهبي وعلى مختلف المستويات، يفوق بمرات، ضحايا حروب الاستقلال من المحتل الأجنبي، والحروب الإقليمية والدولية، ومقاومة الاحتلال.
كما بينت إلى أين وصل الوعي العربي الاندماجي الذي ميز إلى حد ما المجتمعات العربية في القرن الماضي، ومع تصاعد المد القومي، وسيادة المشروع القومي العربي الذي احتضن أهداف الأمة ؟ وكيف انساق هذا الوعي مع تراجع هذا المشروع نحو صراعات مذهبية وعرقية ، وإنكار للآخر في عصر تقدمت فيه العلوم والتكنولوجيا تقدماً هائلاً ، وفي عصر انتشار مفاهيم الديمقراطية ، والحرية وحقوق الإنسان والمواطنة ، والتي حاولت قوىً عربية سياسية واجتماعية متعددة ملاقاتها وإدراجها في برامجها والتفاعل معها ، لكنها واجهت ممانعة شديدة من قبل الأنظمة والفئات الحاكمة التي شعرت أنها تهدد مصالحها واستمرارها في السلطة . كما واجهت الممانعة من فئات سياسية وإيديولوجية شعرت أنها ستفقد هيمنتها وسيطرتها على عقول الجماهير.
لقد واجهت القوى السلفية من مختلف المذاهب مشروع النهضة ، بمشروع الصحوة الذي كان يمكن من خلاله وبما لها من تأثير على فئات واسعة في المجتمع أن تدعم مشروع النهضة والتقدم ، لكنها بدلاً من ذلك عملت على تهميشه وإسقاطه .
إن الاندماج المجتمعي العربي كان السبيل الذي يضع العرب في طريق التقدم والنهضة ، ويؤدي إلى إضعاف هيمنة الإيديولوجيات المسيطرة ، لو أن الذين تبنوا مشروع النهضة أدركوا أهميته الفعلية وتمسكوا به .
لم يكن العقد الأول من القرن الحالي مجرد أيام وسنين مرت على الوطن العربي هكذا ، بل أن الأحداث التي شهدها أدت إلى استمرار انقسام السودان شعبياً وجغرافياً حيث شهد منذ العقد الأخير من القرن العشرين حروباً شرسة بين شماله وجنوبه ، تلتها هدنة مؤقتة اشتعلت خلالها أحداث دارفور التي استحوذت على سنوات طويلة من العقد الأول ، ليصل السودان إلى انفصال بين أطرافه لا عودة عنه يدشن بها العقد الثاني . ورغم الأزمة العامة التي يعيشها تعلن سلطته الحاكمة أنها بعد انفصال الجنوب ستطبق الشريعة الإسلامية على الشمال ليصبح دولة وحيدة اللغة والثقافة والدين ، وهذا ما يبرر للتجمعات المذهبية والعرقية طرح موضوع الانفصال آو الهجرة إلى الجنوب الذي يعلن قادة الانفصال فيه سلفاً بأن دولتهم ستكون متعددة اللغات والديانات والثقافات .
ويسير اليمن في طريق الانقسام بين جنوبه وشماله بعد وحدة دامت عشرين عاماً ، ولا زال النظام يتجاهل المطالب الشعبية بعد أن حول اليمن إلى مستودع للبطالة والفقر والفساد وبؤر للإرهاب ، وأدخله في حروب مختلفة المناحي استغرقت نصف العقد قبل أن تجري فيه تسويات مؤقتة تخدم السلطة والنظام القبلي والعشائري السائد ، وهي ليست إلا هدنة مؤقتة لحروب قادمة.
أما العراق فقد أمضى العقد بكامله إما تحت الحصار الجائر أو الاحتلال الغاشم ، وهو يعيش حالة من الانقسام الحاد بين مكوناته الداخلية وجراحه النازفة ، قتلاً وتدميراً وفقراً وجوعاً وعذاب ، وتهجيراً وهجرة ، وتخلى عن مهامه القومية عندما ألغى من دستوره انتماءه للأمة العربية . لقد ذهب بريمر الحاكم الأمريكي بعد الاحتلال لكن مشروعه بقي قائماً مع بفاء هذا الاحتلال . وبعد تفكيك الدولة العراقية و تفتيت المجتمع العراقي، وتفجير عمليات القتل والتهجير والفاعل دوماً مجهول. لتلقى التهم على القوى التي تقاوم الاحتلال أو التي تدعمها.
وفي حالة من العجز والتبرير يعلن جلال الطالباني تأييده لإقامة ( محمية للمسيحيين في سهل نينوى لحمايتهم ) وهذا ما يؤسس لانقسامات جغرافية ومذهبية جديدة رفضها المسيحيون لأنهم أبناء وطن كفيل بحمايتهم وليسوا أبناء محميات مبعثرة ، ويأتي تأييد الطالباني هذا بدلاً من وضع الأسس العملية للدولة المدنية التي تحمي جميع مكونات الشعب العراقي والتي تعانى جميعها وبدرجات مختلفة من ويلات الاحتلال وظلم عملائه .
وعلى طريقة قادة الانفصال في جنوب السودان تعلن القيادات الكردية أن كونفدراليتهم ستكون متعددة الأديان واللغات والثقافات خاصة بعد أن لجأت إليها بعض الفئات من وسط العراق وجنوبه هرباً من الاضطهاد . لكنهم في نفس الوقت يعملون على تهجير الفئات الأخرى من كركوك .
ويغرق لبنان منذ منتصف العقد وبعد اغتيال رئيس وزرائه رفيق الحريري عام 2005 ، في مستنقع المحكمة الدولية التي فرضها على نفسه وفرضت عليه ، وهو يعيش منذ ذلك الوقت حالة من الانقسام تحت الضغوط الدولية التي دفعت بعض القوى فيه للمطالبة بخروج القوات السورية منه وترسيم الحدود ، وإقامة علاقات دبلوماسية مع سورية لأول مرة في التاريخ بعد أن مثلت الدولتين حالة الانفتاح الوحيدة بين الدول العربية دون سفارات وقيدته بالقرارات الدولية . القرار 1559 والقرار 1701.الخ،، ولا زال يعيش تحت حالة من القلق بسبب المصير المجهول الذي ينتظره . وتعيش دول المغرب العربي بعيدة عن الهم العربي غارقة في مشاكلها الداخلية أو مع بعضها .
هل كان على النظام المصري أن ينتظر حادثة كنيسة الإسكندرية، ليعترف أن هناك مشكلة داخلية بحاجة إلى حل ؟ رغم سلسلة الأحداث التي جرت في السنوات الأخيرة ، وهو يدرك أن الصمت عنها أو تجاهلها أو التقصير في حلها سيؤدي إلى توترات وانفجارات يصعب السيطرة عليها خاصة في ظل الوعي السائد والذي لا زال يعتمد الثأر كوسيلة لتصفية الحسابات على حساب أي قانون مدني ، وفي ظل تشجيع فتاوى قاصرة ، ونظام صامت .
لا شك أن أحداث الكنائس وما بينها أدت إلى تحركات واسعة في أوساط النخب السياسية والثقافية العربية التي أدركت فجأة أن هناك مشكلة عميقة في المجتمع يجب الالتفات لها ووضعها على الطاولة لمعالجتها ،وأن تلك المشكلة أحدثت خللاً في المجتمعات العربية سببه الوعي الذي ساد على مدى العقد المنصرم وأخذ ينخر الجسد العربي . كما أدركوا أنهم شيئاً فشيئاً يفقدون جزءً من النسيج الاجتماعي بالهجرة أو التهجير ، وهو ما نبهنا له من أكثر من خمس سنوات وفي مناسبات متعددة عندما أثرنا موضوع هجرة المسيحيين من الوطن العربي ودعونا لمواجهتها ، إن تحركات النخب العربية رغم أنها جاءت متأخرة إلا أن لها أهمية كبيرة في مواجهة مشكلة الانقسامات المجتمعية إذا تمتعت بجدية الاستمرار ولم تتوقف عند نهاية الحدث .
إن احتلال العراق أظهر على نحو واضح هشاشة الواقع العربي والنظام العربي الذي وقف عاجزاً أو مرعوباً ، وليس أمامه إلا تأييد الاحتلال بحجة لا عقلانية النظام السابق ، حماية لذاته .
أما القوى التي عارضت الاحتلال فقد تلقت تهديدات انتقامية وفرضت عليها قوانين المحاسبة والمقاطعة والحصار من قبل الولايات المتحدة وحلفاؤها قسراً .
لقد فرضت أحداث أيلول حصاراً على الوضع العربي بسبب هشاشته ، خاصة بعد أن انتقلت الإدارة الأمريكية من سياسة الدبلوماسية في معالجة القضايا العالمية إلى سياسة القوة واستخدام الحروب الاستباقية بحجة محاربة ( الإرهاب ) ، وتبرير احتلالها لأفغانستان والعراق ، وإتباع سياسة عدوانية تجاه العرب وقضاياهم وخاصة تجاه التيار القومي العربي والوحدة العربية وحتى التضامن العربي .
وكان على العرب وفي مواجهة هذه السياسة ، ولتعزيز وجودهم الالتفات إلى وحدتهم ، ودولتهم القومية ، لكنهم بدلاً من ذلك لجأوا إلى الدعوة لتعزيز الدولة الوطنية التي تكرس التجزئة في عصر التكتلات الكبرى والعولمة وثورة الاتصالات ، ولكن العجز العربي وقوة الضغط الغربي جعل الدولة الوطنية هذه عاجزة عن حماية نفسها وحدودها وسيادتها . وأصبح ممكناً تقسيمها بعد بث الفرقة بين أبنائها وفرزهم عمودياً وفق مكوناتها بدل الفرز الأفقي أي الاقتصادي والطبقي .
إن الدعوة لتعزيز مفهوم الدولة الوطنية على حساب الدولة الأمة كان له دور في فقدان هذه الدولة لهويتها القومية ودفعت مواطنيها للبحث عن انتماءات خارج الانتماء للأمة وعلى حسابها .
ومع أحداث 11 أوالهيمنة.ت أيضاً أحلام المثقفين العرب الذين حلموا بتحقيق فسحة ديمقراطية إما بضغط القوى الخارجية على الأنظمة ، أو برغبة هذه الأنظمة بإبداء حسن النية تجاه تلك القوى ، لكن السياسات الغربية التي فضلت مصالحها على كل الأخلاق السياسية التي نادت بها ووجدت في الأنظمة خير من يحقق لها هذه المصالح أعطت المبرر للأنظمة لتتهرب من هذا الاستحقاق وتضرب تلك الأحلام ، فذابت مشاريع الديمقراطية وحقوق الإنسان في بوتقة تلك المصالح .وعمليات النهب والهيمنة.
أما المعارضة التي عجزت عن صياغة مشروعاً سياسياً فاعلاً ، وحشد التأييد الشعبي لها وفي ظل الخلل بميزان القوى بينها وبين الأنظمة الحاكمة فقد اتجه بعضها إلى الانكماش على نفسه لتجنب استبداد تلك الأنظمة ، واكتفت بالخطاب الكلامي لمواجهتها ، بينما لجأ بعض منها نحو الخارج والاستقواء به دولياً كان أم إقليمياً ، وهو ما فعلته أطراف من المعارضة العراقية التي ركبت الدبابات الأمريكية لإسقاط النظام السابق ، وأدى ما أدى بالعراق من مآسي ، ودفع أيضاً أطراف من المعارضة السودانية واليمنية إلى توجه مماثل ، بينما بقيت أطراف أخرى مؤيدة لهذا الأسلوب أو صامتة عنه .
إلا أن ذلك لم يلغي أو يتجاهل الدور النضالي للفئات والأحزاب العديدة التي وقفت بحزم في وجه المواقف الداعمة أو المؤيدة والصامتة عن دعم الخارج ، أو في تبنيها لمطالب الشعب ومواجهة استبداد السلطات ، وقدمت في هذا المجال تضحيات كبيرة ، إلا أن الواقع كان اكبر منها .
وفي مواجهة المعارضة ومطالبها ، أطلقت السلطات نظرية الأمن مقابل الديمقراطية ، أي حماية أمن المواطن في مواجهة الديمقراطية والمطالب الشعبية وحقوقها ، وبدلاً من تطبيق النظرية على عمليات النهب والاستغلال والفساد والسرقة ، والاعتداء على مال الغير وخرق القوانين ، اتجهت نحو إلغاء الحياة السياسية والمطالبة بالحقوق و كم الأفواه وتقييد حرية الرأي والفكر والتعبير ، باعتبار أصحابها ( مخلين بالأمن ) .
لا شك أن هذه النظرية يمكن العمل بها في فترات معينة أثناء الحروب والكوارث ‘ أو الإخلال بالأمن عن طريق عمليات الإرهاب ، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو : كيف يمكن حماية أمن المواطن إذا لم يساهم الشعب في حماية القوانين التي تشرع لحمايته أو دون أن يساهم في صياغة هذه القوانين .
لقد أثبتت التجارب التاريخية أن حماية أمن المواطن لن يتحقق إلا من خلال الانفتاح عليه وإشراكه في صياغة القوانين التي تحميه ومن خلال تعزيز الحياة السياسية والمساواة في الحقوق والواجبات، وتعزيز دور الدولة المدنية التي تكفل حماية مواطنيها. كما أثبتت أن اختلال التوازن في الدخل وتوزيع الثروة، بين أقلية تستولي على كل شيء، وأغلبية ساحقة لا تحصل على شيء، هو خرق فاضح للأمن.
وأصبحت قضية فلسطين كرة تتقاذفها الخلافات الفلسطينية السياسية والإيديولوجية بعد أن كانت القضية المركزية بالنسبة للعرب ، وانحدر الصراع العربي الإسرائيلي ، من صراع تاريخي حول الأرض والوطن وحق العودة ، وصراع وجود ، إلى مجرد نزاع حول وقف الاستيطان ، وطبيعة المفاوضات مباشرة أم غير مباشرة . لكن الشيء المحزن هو أن مصر الدولة الأكبر في الوطن العربي وعليها يقع عبء القضية دخل نظامها كوسيط بين العدو المغتصب والضحية الفلسطينية وهو ما شكل أكبر إهانة للشعب المصري.
في المجال الاقتصادي ، عانت الدول العربية وطوال العقد من أوضاع اقتصادية حرجة ، بسبب عمليات النهب والفساد و بعد أن اعتمدت في اقتصادها على الخدمات والسياحة بينما بقيت النشاطات الأخرى كالزراعة والصناعة بعيدة عن المساهمة في هذا الاقتصاد . .
لقد اكتشفت البلاد العربية التي تقع على مساحة 14 ألف كم2 أنها تفتقد للأراضي الزراعية التي يمكن زراعتها والمياه لسقايتها ، وأصبح الإنتاج الزراعي متدنياً بعد أن تحولت المزارع والبساتين إلى مساكن وقصور و منشآت سياحية ومقصورات للسهر والرقص وأحواض السباحة ، على حساب الأشجار والخضار ، وأصبح الوطن العربي يستورد جل احتياجاته الغذائية من الخارج ، وبقيت الصناعة محصورة في بعض الصناعات التحويلية أو الهامشية ، وبفي النفط في الدول النفطية المصدر الأساسي لتوفير المال دون أن يدخل بفعالية في الدورة الاقتصادية المتقدمة . فازدادت البطالة ووصلت إلى مستويات عالية وارتفعت نسبة الأمية ارتفاعاً مخيفاً، كما ازدادت الهجرة من الوطن العربي وشملت أعداداً كبيرة من الكفاءات والفنيين. ، بعد أن عجزت تلك الدول وبينها دول النفط التي استفادت من زيادة أسعاره من تأمين احتياجاتهم، والحياة المستقرة لهم.
وتفيد المعلومات أن الشباب في السعودية وهي أكبر مصدر للنفط يقومون بالادخار لمدة عشرين عاماً كي يستطيعون الحصول على مساحة من أجل السكن لا تزيد عن ( 8 أمتار ) في الأبنية المتكاملة ، بينما أصبح 80 % من الشباب في دول الخليج مدينون للبنوك بأكثر من نصف دخولهم ولسنوات طويلة ، إضافة لزيادة عدد السكان التي لم تعد تتناسب مع الموارد المتاحة . (وفق الكاتب السعودي سيف الإسلام بن سعود بن عبد العزيز، جريدة الاتحاد 27 / 12 / 2010). وتعاني هذه المجتمعات من حالة العنوسة التي وصلت قريباً من 50 % من الشباب في سن الزواج . فإذا كانت هذه هي حال الدول العربية الغنية فما هو حال الدول الأخرى ؟ . هذا إلى جانب ما تعانيه دول الخليج من مشكلة شديدة التفاقم وهي مشكلة الهوية ، حيث تشير التقديرات أن السكان الأصليين لن يشكلوا مع عام 2025 أكثر من 2 % من عدد السكان وإن الصمت عنها سيجعلها تتحول إلى مشكلة دولية إذا ما طالب أبناء الجنسيات الأخرى بحقوقهم . .
ويتصاعد الغنى والفقر في الدول العربية في غياب بنية بحثية تمتلك وعياً اقتصادياً متقدماً تؤسس لمشاريع اقتصادية قادرة على مواجهة احتمالات نضوب النفط أو توفر بدائل له . .
ومع كل هذه الأوضاع فإن هناك أحداثاً أخرى لا يمكن تجاهلها ، حيث أظهرت الفئات النيرة في هذا الوطن أنها قادرة على المقاومة والتضحية من أجل الحقوق ، هكذا كان الأمر في العراق إذ توجهت المقاومة الحقيقية فيه نحو الاحتلال كهدف استراتيجي ولم تنخرط في الصراعات المذهبية والطائفية التي حاولت تشويه صورتها ، وكذلك المقاومة الوطنية في لبنان وفلسطين واليمن والسودان والتي تواجه الأنظمة من جهة وعمليات الانفصال من جهة أخرى ، وفوق ذلك صمود مجموعات من المعارضة الوطنية والقومية في وجه الاستبداد والقمع الذي مارسته السلطات ضد المواطنين طوال هذا العقد ، هذا الاستبداد كان جزءً من المشروع التاريخي المسمى بالاستبداد الشرقي ، بعد أن تفننت الأنظمة في ممارسته .
ولا يسعنا إلا أن نذكر بفخر ما قام به الشعب التونسي من مواجهة جريئة ضد الواقع الذي فرضه عليه النظام بدءاً من قرية أبو زيد وامتداداً لكل المدن التونسية والتي عبرت عن الاحتقان السياسي والاجتماعي الذي وصلت إليها الأمور ، كما نشيد بالتحرك الذي قام به الشباب في الجزائر البلد النفطي والثروة الكبيرة بعد أن عجزوا عن توفير احتياجاتهم ، وهذا ما يدلل على أن القوى الحية في الواقع العربي لا زالت موجودة لكنها محتجزة .
كما يدل على أن الشعب ومهما كان الوعي السائد في أوساطه لا بد أن ينهض للمطالبة بحقوقه مخلفاً الإيديولوجية خلفه.
إن على العرب وهم يدخلون العقد الثاني من القرن الحالي أن ينظروا للعالم بعقل مفتوح مدركين مصلحتهم الوطنية والقومية ،آخذين بالمثل الصيني الذي يقول ( افتح نافذتك للشرق والغرب لكنك لا تسمح للريح أن تقتلعك من جذورك ) .
منير درويش .
دمشق 7 / 1 / 2011

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s