الثورة وضرورة الاستمرار .. منير درويش

الثورة وضرورة الاستمرار
منير درويش
يعلمنا تاريخ الثورة الفرنسية وأحداثها، وهي من الثورات الكبرى في التاريخ “ بأن المحافظة على الثورة ومكاسبها أصعب بكثير من قيامها “.
تتعرض ثورة الشباب في تونس ومصر إلى محاولات من التجاذب، والاستقطاب، و وتخضع لتحليلات سياسية تعود إلى عقود الخوف والهلع والانحطاط التي عشناها في المرحلة السابقة ولا زلنا نعيشها ونتوجس منها. تلك المرحلة التي فرضت فيها على الشعوب العربية نموذجاً سياسياً أوحد، ونماذج اقتصادية عنوانها النهب والاستغلال والفساد. وكان حقاً نموذجاً فريداً بين كل دول العالم، وهو النموذج الذي لم يعش الشباب في الوطن العربي بين سن الخامسة والثلاثين وما دون غيره، سواء برؤسائه و سلطته وأحزابه المتعايشة مع هذه السلطة. وهو ما أحبط طموحات الشباب، وأغفل مشاعرهم، وتجاهل رغباتهم، و شجع الأنظمة في تونس ومصر على مواجهة الاحتجاجات الأولى بكثير من الاستخفاف، واستخدام نفس الوسيلة والأسلوب من القمع والاستبداد الذي وصل حد القتل التي عهدتها في سياستها القمعية، دون أن تدرك أن حركة التاريخ لا تتوقف عندهم وأن الشعوب التي تعمل من أجل الحصول على حريتها قادرة على دفع ثمنها مهما كان غالياً.
وهكذا فإن الثمن الذي دفعه شعب تونس ومصر هو الذي حقق الانتصار على أنظمة الظلم والطغيان بكل ما أسست لها من عناصر القوة، والتي كانت قبل شهرين من الآن تصنف على أنها أكثر الأنظمة العربية استقراراً وقوة.
لقد تحقق انتصار الثورة منذ اليوم الأول الذي انطلقت فيه تظاهرات الاحتجاج، وقبل أن يهرب بن علي ويتراجع الرئيس مبارك، عندما استطاعت أن تكسر عقدة الخوف لدى المواطن الذي تحول خلالها من ( شيطان أخرس ) صامت عن حقوقه، إلى ( مارد عملاق ) يفرض مطالبه بالقوة، دون سلاح أو انقلابات عسكرية، أو فوضى. وانتصرت أيضاً عندما كشفت هشاشة هذه الأنظمة، والخوف والهلع الذي أصابها مع انطلاق شرارات الغضب الأولى، وانتصرت عندما أجبرت السلطة ليس بالاعتراف بالمطالب، بل بالعمل على تلبيتها بعد أن تجاهلتها لعقود طويلة. وانتصرت عندما أجبرت قوى الهيمنة العالمية بالتخلي عن هذه الأنظمة بعد أن شعرت بالضعف التي هي فيه وعجزها عن مواجهة الثورة أو الاستمرار في دعم مصالحها.
ومع هذه الانتصارات لا بد من البحث عن السبل والوسائل التي تحميها وتعززها.
تعلمنا سيكولوجية الرياضة، وخاصة رياضة المصارعة، أن الخصم الذي تضعف قوته يلجأ إلى الحيلة، فيتظاهر بالعجز أمام خصمه، ويسمح له بتوجيه ضربات قوية يحاول من خلالها امتصاص قوته وانفعاله، وقد يقع على الأرض لاقتناص لحظة استراحة يستعيد بها أنفاسه ليتهيأ للانقضاض مجدداً، والنظام المصري الذي فقد هيبته يحاول الآن الاستفادة من هذه السيكولوجية، فهو لا زال يحاول أن يلعب بورقة الوقت وإنهاك الخصم، والزج بباقي الإمكانيات السياسية والاقتصادية التي يملكها، طالما أن هدفه الأساسي المحافظة على السلطة أو تحسين موقعه ومطالبه، أو للإفلات من المحاسبة والملاحقة، والضغط عليه لإعادة الأموال المنهوبة والتي تقدر بعض المصادر أن حصة عائلة الرئيس وحدها تبلغ 40 مليار دولار، أي أكثر من احتياطي البنك المركزي المصري المعلن من العملة الصعبة ب4 مليار دولار. وإن إعلان الرئيس مبارك ” أنه تعب ويود المغادرة لكنه يخشى من الفوضى “، لا يضع نفسه فوق مصلحة الشعب ويتعالى عليه وعلى جيشه وقواه السياسية ومثقفيه وشبابه الذين فجروا ثورتهم بأسلوب مدني وحضاري، بل أن إعلانه هذا يصب في تلك السيكولوجية أيضاً. في الوقت الذي فقد فرصته الثمينة لو أنه أعلن منذ البداية استعداده الاستجابة لمطالب الشعب والتنحي لكسب ثقته واحترامه، لأن الشعب يحترم المواقف الجريئة ويقدرها.
ومع تقديرنا لجميع الحركات السياسية المعارضة في مصر وتضحياتها الكبيرة، إلا أن الواقع السياسي والاجتماعي، الذي عاشته، وأسلوب المواجهة يختلف إلى حد كبير عن حركة الشباب القائمة الآن، وهو ما يجب الانتباه له كي لا تقع الثورة في المطب الذي وقعت فيه حركة التحرير الفلسطينية، عندما طرحت شعار ثورة حتى النصر، وانتهت إلى مساومات سياسية، وضعت القضية الفلسطينية برمتها في دهاليز مظلمة.
إن البرامج السياسية للمعارضة والتي خبرناها على مدى السنوات الطويلة لا تختلف كثيراً عن برامج السلطة، كما أن أسليب المواجهة كانت مختلفة، وخضعت في كثير من الأحيان إلى إثبات الوجود وتحسين الموقف لتحقيق بعض المكاسب الانتخابية أو السياسية كتأكيد لوجودها في الساحة السياسية بعد أن مارس النظام أعتى أشكال القمع ضدها.
إن هناك فرقاً زمنياً بعيداً يفصل بين تفكير الشباب ووعيهم ومطالبهم، وبين المعارضة التي يفتقد أغلبها لوجود الشباب في صفوفها، فكل منهم له خصوصيته الإيديولوجية والسياسية، وحاجاته اليومية، وإن كانا يلتقيان على مصلحة واحدة هي مصلحة الوطن والأمة، وهذا ليس عيباً بل أن الأسرة الواحدة ينشأ فيها جيلان أحداهما يتمسك بعاداته وتقاليده واليات تحقيق مصلحة الأسرة من خلالها، والآخر ينظر إليها وفق متطلبات العصر والمستقبل والوصول إليها بطرق مختلفة.
إن هذا لا يعني الفصل بين ثورة الشباب ومطالبهم وبين حركة المعارضة بل بالتحالف معها والاستفادة من خبرتها، ففي الوقت الذي لا زالت ( حركة ميدان التحرير ) تمثل السلطة الشعبية وتجسد الشعارات الوطنية والقومية لمصر والأمة بعفوية، ومتأثرة بنشوة الانتصار، لا زال الشارع السياسي والاجتماعي في الأطراف الأخرى محملاً بكثير من التناقضات والخلافات فالحركة السياسية وهي تعارض النظام وتؤيد حركة الشباب تتمسك في نفس الوقت ببرامجها القديمة التي تختلف في جوانب عديدة مع هذه الحركة فهي تدخل في الحوار مع السلطة برموزها الأساسية مدعية أنها قبلت بشروط الثورة رغم أنها لا زالت ترفض الشرط الرئيسي وهو رحيل الرئيس، بينما تقف المؤسسات الدينية، وخاصة الأزهر والكنيسة موقفاً متناقضاً مع موقف الشباب المسلمين والمسيحيين المتواجدين وسط الثورة يجسدون أجمل صور الوحدة الوطنية التي أفقدها النظام بريقها.
لا أحد ضد الحوار طالما أنه يحقق المصلحة الوطنية، لكن هذا الحوار يجب أن تديره مؤسسة منبثقة عن الشباب الذين فجروا الثورة وبمساعدة المعارضة ولأنه من غير الممكن بقاء الجماهير متظاهرة في الميادين إلى ما لا نهاية فهذا يتطلب تشكيل حزب جديد ينبثق عن هذه الثورة يجسد مطالب الشباب وطموحهم، ويعزز استمرار الثورة، إن ممارسة السياسة بشكلها المباشر يختلف كثيراً عن إطلاق الشعارات أو التظاهر في الميادين، لأنها ستتطلب وضع البرامج والآليات التي تعزز هذه المطالب وتحققها، إن الحزب المطلوب يجب أن يضم في صفوفه جميع ألوان الطيف المصري دون تمييز سياسي أو ديني أو إيديولوجي بمن فيهم شباب أحزاب المعارضة أنفسهم، وقادراً على صياغة برنامج يلبي مطالب الشعب المصري بكافة فئاته، واجتياز المرحلة الانتقالية بنجاح ليقطع الطريق على المتخوفين منها، خاصة وأن القوى العربية والدولية المعادية قد تلجأ إلى إقامة حلف بينها لمواجهة نجاح الثورة أو الالتفاف على ثورات مماثلة تهدد مصالحها كما فعل ملوك أوربا وأباطرتها عندما عقدوا حلفهم عام 1793 بعد نجاح الثورة الفرنسية التي قامت عام 1789 ومواجهة تداعياتها.
إن تشكيل هذا الحزب ونجاحه سيقطع الطريق على المشككين الذين يجعلون منها مؤامرة ضد الإسلام، أو أن للولايات المتحدة يد فيها عبر تسريبات المخابرات الأمريكية التي اتهمت بالتقصير لعدم قدرتها على توقع هذه الثورة، وقطع الطريق على التكهنات الغريبة التي خرجت بها الصحف الروسية مؤخراً لتقول أن نجاح الثورة سيفضي لتحقيق مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي دعت له كوندا ليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، هذا المشروع الذي تمت صياغته بالاتفاق مع الأنظمة بينما ترفضه الشعوب العربية برمتها.
منير درويش
دمشق 8 / 2 / 2011

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s