الانتفاضة والثورة .. محمد سعيد طالب

الانتفاضة والثورة
محمد سعيد طالب
هذا الذي جرى في تونس في 14كانون الثاني، وأدى إلى هروب رئيس الجمهورية زين العابدين بن علي من تونس في 21 كانون الثاني أي بعد أسبوع من بدء المظاهرات التي انطلقت من بلدة سيدي بو زيد الصغيرة في جنوب تونس بعد انتحار الشاب بعزيزي احتجاجاً على البطالة وكبت الحريات ونهب وسرقة ثروة البلاد من الرئيس وبطانته وعائلته. وما جرى في مصر منذ الخامس والعشرين من كانون الثاني 2011م والذي دعا إليه وقاده من سموا أنفسهم شباب 25يناير و آخرون من أقرانهم (شباب 6 أبريل، ومجموعات شبابية أخرى جعلت أسماءها تخليداً لشهدائها، واتخذت من الإنترنت وسيلة للتواصل والتوافق على التحرك والمطالبة بإسقاط النظام. وانضم إليهم شخصيات وطنية ليبرالية وأحزاب معارضة-الإخوان المسلمون وحزب الوفد وحركة كفاية وجمعية العمل من أجل التغيير، وأحزاب ناصرية- وتوجت بتنحي حسني مبارك عن منصب رئاسة الجمهورية الذي شغله لمدة ثلاثين عاماً متواصلة في 11/2/2011م.
ورث حسني مبارك منصب الرئاسة وثورة 1952م والنظام الذي أسسه قائد الثورة جمال عبد الناصر. لم يكن حسني مبارك من الجيل الذي شارك في هذه الثورة. وكان محسوباً على الردة التي قادها السادات ضد الناصرية، منحازاً إلى وتابعاً للسياسة الأمريكية. النظام الذي حكم مصر منذ ثورة تموز 1952م بعد إسقاط الملكية وإعلان قيام الجمهورية والقضاء على الإقطاعية ونظام الباشوات والبكوات والأعيان والتجار الكومبرادور، واستكمال تحرير مصر من الاحتلال البريطاني وجلاء أخر جندي بريطاني من الأراضي المصرية1956م. هذا النظام الشعبي الجماهيري استند إلى تحالف البرجوازية المتوسطة والصغيرة والعمال والفلاحين والنخب المهنية والمثقفة من التكنوقراط وضباط الجيش. ظل جمهورياً وديموقراطيا بالاسم فقط، وكان شمولياً في الجوهر لأنه ألغى الأحزاب السياسية، ووضع قيوداً شديدة على حريات الإنسان الأساسية( التعبير والرأي والتفكير، والنشاط السياسي) وأخضعها لمتطلبات الأمن. وكان نظاماً ثورياً بكل المقاييس في سياساته الداخلية والخارجية وقومياً عربياً طيلة عهد مؤسسه جمال عبد الناصر، وقد حدثت فيه خلال هذه الفترة انقطاعات، سببتها الهزائم التي أصابت حركة التحرر العربية التي كان يقودها في مقدمتها فشله في مواجهة العدو الصهيوني، وتحرير فلسطين منذ عام 1955م ثم 1956م، وكان أشدها مرارة هزيمة حزيران 1967م، وانفصال الجمهورية العربية المتحدة إلى دولتين سوريا ومصر1961م بعد اتحادهما 1958م مما أجهض الحركة الوحدوية العربية والثورة الثانية. ورثه أنور السادات بعد موت الرئيس عبد الناصر في أيلول 1970م فأجرى أكبر انعطافة في تاريخ القطر المصري العربي الحديث بإبرام معاهدة الصلح مع العدو الصهيوني على حساب القضية الفلسطينية والشعب العربي الفلسطيني، وعلى حساب حركة التحرر العربي. لتغطية هذا الانحراف أعلن ما سماه بالديموقراطية الموجهة بإعطائه هامشاً محدوداً للتعبير عن الرأي وتأسيس المنابر السياسية ثم تأسيس الأحزاب السياسية، وفق شروط تعيق عودة الحياة السياسية الطبيعية إلى البلاد ثم قام بتأسيس الحزب الوطني الديموقراطي حزب الرئيس كغطاء لتمويه هوية هذه الديموقراطية والسلطات الواسعة التي يتمتع بها كحاكم شبه مطلق في الدستور الذي أُعلِن 1971م والتعديلات التي أُجريت عليه لتزيد من هذه السلطات وبخاصة بعد أن تسلم حسني مبارك السلطة بعد مقتل السادات 1981م بحيث صار الدستور مفصلاً على مقاسه كبيروقراطي عسكري. اتسمت السنوات الثلاثون التي تولى فيها منصب الرئيس بين 1981و2011م بأنها سنوات التغييرات العاصفة على المستوى العالمي وفي مقدمتها اختفاء الاتحاد السوفييتي القطب الموازي والمنافس للسيادة الأمريكية على العالم. وبالتالي تواري الشيوعية كأيديولوجيا ثورية لتغيير العالم وانهيار الأحزاب الشيوعية كمؤسسات ثورية لقيادة الطبقة العاملة في دول العالم الرأسمالية من أجل التحول إلى الاشتراكية والعدالة الاجتماعية ودمار الإمبريالية ومؤسساتها العسكرية والاقتصادية التي تنهب العالم المتخلف وتهيمن على مقدراته وتنشر الفقر والجوع والبطالة والتخلف في دوله والتي كانت السبب فيما يعانيه من فوضى وحروب أهلية. ونتج عن هذه التغييرات بروز نظام عالمي جديد بقيادة أمريكية إمبريالية ومساندة من الدول الرأسمالية الست الأكثر تقدماً في العالم لنشر الرأسمالية وتعميم القيم والمعايير الثقافية الأمريكية وأيديولوجيا الديموقراطية الأمريكية وبسط هيمنة الإمبراطورية الأمريكية على العالم مما أنعش النظام الإقليمي العربي وزاد من بطشه للشعب العربي وقواه القومية والوطنية الثورية وسهل انتشار الرأسمالية الطفيلية الجديدة الممولة من تزايد أسعار النفط، بينما كانت سنوات الجمود والمحافظة والتقليد والتفتيت والفساد وهدر الإمكانيات على المستوى الداخلي باسم الحفاظ على الوحدة الوطنية في مواجهة الجماعات الأصولية المسلحة.
استعاد النظام الإقليمي العربي علاقاته مع نظام مبارك في خضم الحرب العراقية الإيرانية التي عمل مبارك من خلالها في إطار السياسة الأمريكية وأبدى حماساً وتأييداً للعراق في حربه ضد إيران، فنال ثناء رئيسه صدام حسين الذي سعى بحزم لإعادة مصر إلى الجامعة العربية وأعاد الجامعة إليها. لكن حسني مبارك سرعان ما قاد الحلف العربي لمحاربة العراق تحت قيادة أمريكية لتحرير الكويت من الجيش العراقي، وساهم في حصار العراق منذ 1990م واحتلاله 2003م بتقديم كل الدعم للمجهود العسكري الأمريكي لتدمير العراق جيشاً ونظاماً ودولة، وشن الحروب الأمريكية على ما سمي بالإرهاب العربي والإسلامي بعد11 أيلول 2001م والهجوم الذي دمر برجي التجارة العالميين في نيويورك. وعمل بكل إخلاص لتنفيذ معاهدة الصلح مع الدولة الصهيونية في فلسطين لقاء مساعدة مالية أمريكية سنوية تقدر بأكثر من ثلاثة مليارات دولار. تمتع حسني مبارك بدعم أمريكي وإسرائيلي سياسي ومالي وإعلامي، وهذا ما جعل عمل المعارضة الوطنية والقومية العربية والإسلامية في مصر صعباً ومتعسراً، وقد بالغ مبارك في استخدام أجهزة الأمن المتعددة وقانون الطوارئ تحت ذريعة محاربة الإرهاب الأصولي الإسلامي لتصفية المعارضة والحجر على حركتها ومظاهراتها وصحفها لقمع نشاطها السياسي والتنظيمي والثقافي. وتصرف كحاكم مستبد وأجرى التعديلات الدستورية التي تسمح له بالترشيح للرئاسة حتى الممات وسولت نفسه له أن يورث المنصب لابنه وأخذ يعد العدة لذلك. لم يلتفت رعاته الأمريكيون إلى ما يجري في مصر من استقطاب طبقي، طالما أن مبارك ينفذ ما تطلبه منه الإدارة الأمريكية، وتنفيذ شروط معاهدة السلام بالتطبيع مع العدو الإسرائيلي على حساب دور مصر العربي. غير أن تعاظم المد الأصولي الإسلامي في مصر والوطن العربي ضد السياسات الأمريكية وبخاصة المواقف الأمريكية المنحازة والتأييد المطلق لدولة الصهاينة ضد عرب فلسطين. وإعلان جورج بوش الابن حروبه الاستباقية على الإرهاب منظمات ودول، واستراتيجية الشرق الأوسط الجديد المؤسسة على الفوضى البناءة لإعادة رسم خريطة الوطن العربي. وما تضمنته من ضرورة التغيير نحو الديموقراطية الأمريكية كثقافة سياسية للنخب الجديدة في مواجهة ثقافة الأصوليين التكفيرية والعقائدية، جعل حلفاء أمريكا العرب وفي مقدمتهم مبارك في أزمة. فهم غير قادرين على السير في هذا الطريق الذي سيؤدي بهم إلى فقدان سلطاتهم وامتيازاتهم، من جهة، ويضع القوى الأصولية المعبأة والمستعدة لتكون بديلة لهذه الأنظمة الشائخة، من جهة ثانية. تلكأوا وبالغوا في قوة تلك القوى وهيمنتها على الشارع في بلادهم إذا نفذوا الإصلاحات المطلوبة أمريكياً مما سيزرع الفوضى غير البناءة كما زعموا. فتحصنوا خلف هذه المزاعم وزادوا من بطشهم ومحاصرتهم لأي معارضة مهما كانت ومن أي جهة أتت. فاضطر رعاتهم الأمريكان إلى تجاوزهم, و بدأوا حواراً معمقاً مع تلك القوى، وشجعوا حركتها وتبنوا مطالبها، ومدوا لها يد العون المعنوي والمادي والتكنولوجي. الحوار مع الإخوان المسلمين عبر تنظيمهم العالمي الذي مركزه في أوروبا، ومع فئات المعارضة الليبرالية بأطيافها المختلفة منذ عام 2004 كما ذكرت الصحف الأمريكية. زاد تحدي نظام مبارك لهذه السياسات ظناً منه أنه الأقوى وأن الأمريكيين لا يمكنهم تجاوزه، ولم يبالِ بنقدهم العلني لمبالغته باستخدام القمع ضد معارضي، وعدم رضاهم عن أداء حكومته والفساد الذي استشرى في إدارته، ولخطته بتوريث ابنه جمال على خلفية مرضه العضال. وأرهقت سياساته الاقتصادية الشعب العربي المصري بكل طبقاته وفئاته، ماعدا أولئك اللصوص الذين أطلق عليهم اسم رجال الأعمال الذين انتظموا في الحزب الوطني حزب مبارك وصاروا قادته ونوابه في البرلمان وعصبة ابنه من أجل وراثته الذين تغلغلوا في مسام الاقتصاد الجديد واشتروا مؤسسات القطاع العام بالتواطؤ مع كبار رجال دولته. ترهلت مؤسسات الدولة والحكومات المتعاقبة، والبيروقراطية ونخرها الفساد مع تقدم مبارك في السن وتطاول مدة حكمه، وأدت ممارساتها القمعية وإقصاء العناصر النظيفة والكفؤة والتعتيم وعدم الشفافية إلى موت الفكر والسياسة والثقافة. غاب الدور الاستراتيجي لمصر في قضايا الأمة العربية، والمركز الرائد والقيادي الذي حملت أعباءه سواء في حقبة الملكية والبرجوازية أيام الوفد، أو في حقبة الثورة بقيادة الرئيس عبد الناصر لدرجة أن إمارة قطر الصغيرة بمساحتها وسكانها صار لها من الأهمية في هذه القضايا أكبر بكثير من دور مصرالثورة ذات الثمانين مليوناً. نتج عن هذا الخلل في الدور القائد لشعب مصر ودولته إضعاف الأمة العربية وتوهين قوتها الدولية والإقليمية مما أفسح المجال أمام إسرائيل وغيرها من دول الجوار لتملأ الفراغ الذي نجم عن غياب الدور العربي المصري. وهذا ما أرادته الدولة الصهيونية في فلسطين وراعيتها الولايات المتحدة الأمريكية من معاهدة الصلح الساداتية عام 1979م .
أطلق نظام مبارك الوعود والآمال بثورة اقتصادية شاملة على خطى معلمه السادات المقتول، تجعل من مصر قوة اقتصادية دولية وإقليمية بعد السلام المزعوم مع إسرائيل والمساعدات الأمريكية والتحول من الاشتراكية إلى الرأسمالية وتصفية القطاع العام. فإذا بهذه الثورة سراب خادع قطف ثماره القطط السمان شركاء النظام في السلطة والثروة، وتحول أكثر من نصف الشعب العربي المصري إلى ما تحت خط الفقر. فاجتمعت المظالم والبطالة والفساد الإداري إلى مصادرة الحريات باسم الأمن وقانون الطوارئ، لتشكل نظاماً سياسياً متهالكاً حول المجتمع إلى قطائع تتحكم به أجهزة المخابرات وأمن الدولة وأجهزة الأمن الأخرى وعصابات المافيا التي تضم كبار رجال الأعمال تحت شعار حماية المجتمع من إرهاب الحركة الأصولية الإسلامية التي شنت حرباً ضروساً لتدمير مرتكزات النظام مستغلة نتيجة هذه المنظومة من السياسات المعادية لتطلعات الشعب بالصلح مع الصهاينة والفساد الإداري والمالي الذي استنزف ثروات الشعب وقوة عمله لصالح طغمة من السماسرة والمضاربين والبيروقراطيين الذين كان همهم تلبية رغبات هذا الحاكم الذي ورث الحكم في ظروف ملتبسة جعلته يصدق نفسه ويخدع الآخرين أنه إذا تخلى عن الحكم فستخرب مصر. شأن كل ديكتاتور صغيراً كان أم كبيراً ظن بأنه مبعوث إلهي يتمتع بصفات غير متوفرة بغيره من أبناء شعبه أهلته ليكون المنقذ، وما هو بمنقذ إن هو إلا مريض مهووس بالسلطة تأصل لديه مرضه مع تماديه في استغلال موقعه كحاكم شبه مطلق ليصنع لنفسه كاريزما وهيبة وسطوة كي تصبح أيديولوجيا تفرض على شعبه، بينما هو في الحقيقة والواقع أضعف فرد في مجتمعه أسير أوهامه حول عبقريته. وقد فاجأته ثورة الشباب بالملايين التي نزلت تنادي ارحل، ارحل ارحل، فتبين ولات حين مندم أنه ليس سوى رجل بلا مواهب حين ضاعت سلطته التي كان يظهر بها قواه الخارقة المزعومة ضد شعبه في ممارستها إلى أقصى الحدود، فلما ثار شعبه لم تعد سلطته وأجهزته الأمنية تنفعه، فإذا هو منبوذ مرفوض مطارد تهدده دماء الشهداء وعذابات السجناء ولعنات الفقراء.
حالت سياساته الإقصاء والقمع المنهجي لقوى المعارضة دون ظهور قيادات سياسية وأحزاب معارضة ذات جماهير ومؤسسات قادرة على إدارة الحياة السياسية والتأثير على أداء الحكومة والحد من تجاوزاتها والفساد الذي تأصل فيها. إذ منعت وحظرت وصادرت الآراء المخالفة، وفرضت الرقابة الصارمة على الصحافة ووسائل الرأي العام وحددت الهامش الذي يستطيع أي حزب معارض التحرك فيه ثقافياً وإعلامياً وسياسياً وأيديولوجياً، وكل من يتجاوز هذه الحدود يطبق عليه قانون الطوارئ، أو تخترع له قضية فساد تمس بالشرف أو الأمانة أو…..فيتعرض للسجن أو الإقصاء أو الحل. تهم متنوعة برعت أجهزة مخابراته في إخراجها. مما سبب فراغاً سياسياً سمح لفئات كبيرة من الشباب للتواصل عبر شبكة الإنترنت ومواقع الفيس بوكface book لترفع راية المواجهة مع النظام في إطار شعارات محددة هي: التغيير، وكفاية استبداد، ولا للتوريث وحكم الفرد، ضد الفساد ومصادرة الحريات العامة، وبخاصة حرية الرأي والتعبير، وإلغاء قانون الطوارئ، ثم رفعت شعارات لا للتمديد، وضرورة تنحي مبارك وإسقاط النظام السياسي الشمولي الذي ما زال مهيمناً منذ عهد السادات، وتغيير الدستور والتحول إلى الديموقراطية البرلمانية وبناء دولة ديموقراطية تستجيب لتطلعات وطموحات الشعب وحماية الحريات العامة وحقوق الإنسان الأساسية، وتؤمن الحياة الحرة الكريمة لكل مواطن في العمل والسكن والتعليم والضمان الصحي والاجتماعي. استجابت الجماهير لدعوة هؤلاء الشباب وشعاراتهم الواضحة التي تترجم معاناتها بشكل حقيقي وواقعي. التي خلت من السياسات القومية والوطنية والاقتصادية، ثورة بلا برامج ولا أيديولوجيا، انتفاضة قد تصبح ثورة بنتائجها وبما تسببه من تطورات وتحويلات سياسية وثقافية.
درجت الأدبيات الثورية للقرنين التاسع عشر والعشرين على إطلاق اسم الثورة على العمل المنهجي الفكري والثقافي والتنظيمي والأيديولوجي الذي يقوده حزب أو مجموعة أحزاب في جبهة متحدة لقلب نظام حكم طغياني طبقي ملكي أو جمهوري وإقامة نظام بديل برجوازي ديموقراطي ليبرالي- برلماني، أو عمالي(بروليتاري) ديموقراطي شعبي. تغيير هوية وثقافة وسياسة وفكر، وانقلاب في الاقتصاد والأخلاق، وانحياز إلى أيديولوجيا. بينما صنفت الحركات الجماهيرية الشعبية التي تدعو إلى الإصلاح وتحقيق مطالب محددة فئوية أو طبقية سياسية- اجتماعية- اقتصادية أو ثقافية، تحت اسم انتفاضة جماهيرية، وهي التي لا يكون لها في الغالب أيديولوجيا أو برامج سياسية أو اقتصادية مكتوبة ومعلنة. فهل ما حدث ويحدث هو ثورة أم انتفاضة؟ سنترك الإجابة على ذلك للتاريخ وللممارسة والنتائج التي ستنجم عن هذه الانتفاضات.
أما ما يحدث في ليبيا منذ 17 /2/2011 فهو مغاير ومختلف إنه ثورة ضد نظام لا هوية له ولا إطار ولا دستور يقوده شخص يدعي لنفسه صفات، وأفكاراً وتصورات فوق بشرية، ويصدق أوهامه بأنه واحد من العظماء التاريخيين في العالم الحديث. وهو على التحقيق قائد فوضوي بكل السمات والصفات فرض نفسه بالإرهاب الدموي على الشعب العربي الليبي، واستخدم ثروات ليبيا النفطية وعائداتها الترليونية من الدولارات ليشتري له موقعاً عالمياً زائفاً. الانتفاضة الليبية هي ثورة بكل المقاييس لإسقاط الفوضى والاستبداد النيروني، وبناء دولة جديدة ديموقراطية برلمانية ووضع دستور وبناء مؤسسات لدولة حديثة. إنها ثورة شعب خضع لسلطة استبدادية قمعية منذ أكثر من أربعة عقود يريد استرداد هويته العربية التي ضيعها هذا الديكتاتور بين هوية إفريقية وهوية إسلامية، واستعادة حريته من حكم عائلة تدعي ملكية كل شيء في ليبيا التي ضحت بنصف سكانها في مقاومة الاستعمار الإيطالي من أجل السيادة والتحرر الوطني، ثورة استعادة الثقافة التي شوهها هذا الدعي بكتابه الأخضر الذي فرضه عقيدة جديدة على شعب عربي حر مؤمن بسيادته وقوميته. معمر القذافي يخاطب الليبيين اليوم وهم في غمرة ثورتهم أريد أن أحكمكم وإن لم تقبلوا فسأقتلكم، وهو لذلك يوجه ما تبقى له من قوة لقتل أكثر ما يمكن من هؤلاء الشباب الثائرين لإرهابهم ظناً منه أنهم سيخافون منه، ولم يعقل بعد أنهم لم يعد يرهبونه، وسيتخلصون من حكمه وإلى الأبد. الشعب الليبي بكل طبقاته ونخبه السياسية والدبلوماسية والعسكرية والثقافية انضمت إلى ثورة الشباب وأيدت مطالبها وعمقت من ممارساتها للخلاص من معمر القذافي وعائلته وإلى الأبد.
حكم العسكريون العرب القسم الأكبر من الأقطار العربية منذ الخمسينات من القرن الماضي عن طريق الانقلابات العسكرية التي قاموا بها وسموها ثورات وأقاموا ديكتاتوريات متفاوتة الشمولية بين قطر وآخر وكانت شعاراتها القومية والوطنية تعلن تصميمها على التحرر من الاستعمار وتحرير فلسطين من الصهاينة وتحقيق المجتمع الاشتراكي. صحيح أنهم أنجزوا بعض المنجزات الاقتصادية على صعيد التنمية والتحديث الصناعي والخطوات الملموسة في مستويات نشر وتحديث التعليم والإعلام، واستثمار الثروات الطبيعية وجعلها في خدمة النهوض بالمجتمع. لكنهم لم يستطيعوا الحفاظ على وحدة أراضي هذا القطر أو ذاك وفشلت الأنظمة التي توارثها من بدلوا هوياتهم مستجيبين للسياسات الإمبريالية في تنفيذ الوعود التي كانوا قد قطعوها عند قيام الانقلابات. لقد دمروا الطبقات الاجتماعية التي حملت عبء النهضة (الطبقة الوسطى والطبقة العاملة والنخب المثقفة) فدب الفساد في هياكلها وبنيتها وأجهزتها لتتحول إلى عبء كبير وعقبات مانعة على طريق التطور السياسي والاجتماعي. بعد أن حولتها الصراعات الدموية والأيديولوجية بين أجنحتها الثورية والمحافظة إلى أنظمة حكم محافظة مستغلة تدافع عن مصالحها الاقتصادية وامتيازاتها وثرواتها التي جمعتها بطرق غير مشروعة، مستخدمة السلطة التي استولت عليها بعنف مبالغ فيه، متمترسة في مواقعها لإرهاب جماهير الشعب التي حولتها إلى قطعان من الجياع والفقراء والعاطلين عن العمل. لقد امتهن دورها وأصبحت خارج التاريخ لا بد من تغييرها كي تستعيد الأمة العربية حركتها النهضوية نحو أهدافها في الوحدة والتحرر والتقدم الصناعي والاقتصادي. لقد انتهى دوركم أيها العسكريون العرب وعليكم أن تساعدوا مجتمعاتكم في التحول إلى الديموقراطية. كما حدث في بلدان أمريكا اللاتينية منذ نهاية القرن العشرين. وجاء دور جيل الشباب الذي تعلم التكنولوجيا الجديدة للاتصالات من خلال شبكة الإنترنت، فأفلت من رقابة الأجهزة الأمنية، ليكون القوة الاجتماعية المحركة لانتفاضة الشعب العربي في مصر وتونس وليبيا في مواجهة الشمولية والطغيان، ومن أجل التجديد والتحديث والديموقراطية.

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s