قراءة نقدية في البرنامج السياسي للتيار القومي العربي في فلسطين

قراءة نقدية في “البرنامج السياسي للتيار القومي العربي في فلسطين”
جعفر الجعفري
المصدر
(نشرة “كنعان” الالكترونية ـ السنة العاشرة ـ العدد 2263)

نشرت “كنعان” (في عددها الصادر يوم 16 أيار 2010 ) بيانا بعنوان “برنامج سياسي للتيار القومي العربي في فلسطين،” خلا من اي تمهيد لتعريف بماهية “التيار” والقوى المنخرطة تحت لواءه. الا ان ما نريده هنا هو مناقشة بعض الافكار والمسلمات التي تضمنها “البرنامج،” والذي نراه محاولة غير موفقة لتجديد الولاء لنظام التجزئة العربي الراهن واستمرار المراهنة الخاطئة والعبثية لاعتبار اطار [ م ت ف ] مرجعية وطنية يجدر التمسك بها بعد ان قوضت وناقضت قيادة “المنظمة” كل ما جاء من رموز في اسمها الثلاثي. وبالتزامن مع لغة خطاب الرسميات العربية بانشاء “دولة” فلسطينية بمعزل عن تحرير الارض بكل ما يتطلبه المفهوم من حشد وتعبئة وارساء ثقافة نضالية، كرس “البرنامج” تلك المطالبة امعانا في مسايرة نظام التجزئة والتكامل مع خطاه لتكريس شرعية الكيان.
ايضا، جاء “البرنامج” خليطا من التناقضات الفكرية، لا سيما في عدم رؤيته الواضحة لمسألتي الاستراتيجية والتكتيك، اذ جاء بتحديد مهام يومية تخص ظروف شعب يرزح تحت الاحتلال واطلق على مجموعها “برنامجا” سياسيا امعانا في التضليل. والأهم ان “برنامجا سياسيا” يجري ترويجه يخلو تماما من ذكر كلمة “تحرير” كاسلوب وثقافة نضالية لاستعادة الارض وعودة اصحابها الاصليين وتعزيز هويتها العروبية وحاضنتها الاسلامية. وهي التي اتسم بها الميثاق القومي، ومن ثم الوطني، في رسم استراتيجية العودة عبر مسيرة وثقافة التحرير الشعبية.
بالنظر الى مقدمة “البرنامج،” يعتقد المرء انه امام حراك سياسي واعد لرفد حركة التحرر العربي بمجملها، يخضع التجربة الشاملة للنقد والتمحيص مستندا الى تاريخ حافل بالمنجزات والاخفاقات والانتصارات، وليضيء الطريق بدروس الماضي المستفادة ومستشرفا رؤيا للحاضر باسلوب علمي مهني خال من القفزات السياسية وحرق المراحل مرة واحدة. الا ان “البرنامج،” باستثناء ما جاء في “منطلقاته،” اخفق في تشريح الأزمة، كما وعد في عنوانه، منوّها بانه “الصيغة النهائية،” واخفق كذلك في استنباط الدروس المستفادة من تاريخنا القريب. ولا يفوتنا مراعاة صياغة ديباجة “المنطلقات” التي ارست حقائق اساسية وغاية في الاهمية لا سيما للتأكيد على المفهوم الحضاري للعروبة في اطار تفاعلي دياليكتيكي مع المكونات والمحيط؛ وتأكيده ايضا على مركزية القضية الفلسطينية في مجمل النضال التحرري العربي. إلا ان تناول “البرنامج” لتشخيص الحالة/التجربة الفلسطينية قد جاء بمجمله ليناقض تماما ما سبقه من مسلمات نضالية، وبشكل خاص في رؤية “التيار للضرورة الموضوعية الملحة لاجراء مراجعة نقدية شاملة للفكر القومي ومسيرة وحدة النضال العربي.” (التشديد مضاف). الأمر الذي يفترض ان يجري تطبيق الآليات النقدية على الحالة الفلسطينية ذاتها، وقد تم التغاضي عن ذلك! كما وان جملة “هفوات” قوضت تلك النزعة في التقييم الموضوعي، لعل اهمها رؤية “التيار” (الذي يفترض انه حراك مواكب للتطورات الجارية يستمد شرعيته من معايشة الحالة الراهنة والاستفادة منها) لما كان يوصف بـ (م ت ف) – كحاضنة نضالية ذات يوم حالت تركيبتها الطبقية وتطلعات قياداتها للتنازل والمساومة من المضي في تطوير ذاتها، بل تضخمت بنيتها ووهن هيكلها ونخر الفساد باقي جسمها أسوة برديفاتها في النظام العربي الرسمي واضحت هي والخيانة صنوان جسده العدوان الصهيوني على غزة مطلع العام الجاري. وهذه خطيئة لا تغتفر بحق الشعب العربي في فلسطين.
وقفز البيان بسهولة منقطعة النظير عن مفهومه او رؤيته لاطار (م ت ف،) الذي اوسعه عناية وحماسة للمحافظة عليه، بل وجاء مضلِلا ومتجاهلا للحقائق بشأن هذا “الكيان – الاطار” الذي أتى كثمرة جهود رسمية للنظام العربي يرتكز عليه عند الحاجة ويحتكم لمجمل آلياته وتوجهاته وسياساته في استمراء التنازلات عن الحقوق العربية، ليس في فلسطين فحسب، بل في كافة انحاء الوطن العربي (بدءا من التخلي طواعية عن لواء الاسكندرونة الى التجزئة الفعلية للسودان والمطالبة الخجولة بعودة السيادة العربية لكل من سبته ومليلية (في اقصى الغرب من وطننا) واستعادة الجزر العربية الثلاث في الخليج العربي، وتنازل مملكة آل سعود عن جزر استراتيجية في البحر الاحمر للعدو الصهيوني – جزر تيران وصنافر الكبرى والصغرى.)
نسوق تلك الامثلة الساطعة للتدليل على الوشائج الوثيقة والتناغم العالي بين السياسات والتوجهات التنازلية لتلك الانظمة و”نظام” (م ت ف) الذي ساوم على الحقوق القومية قبل الوطنية عند كل محطة نضالية ومواجهة حاسمة مع العدو القومي، بل والاصطفاف الى جانبه دون خوف او وجل.
هكذا، ودون عناء فكري لوضع اطار ايديولوجي للشكل النضالي المرجو للمرحلة الراهنة، سارع “البرنامج السياسي” بتحجيم هدف النضال القومي للقضية المركزية وحصره “من أجل اقامة دولة فلسطينية …” (بند رقم 3). وحتى لا نتهم باجتزاء النص خارج سياقه نقول انه أتى على ذكر ما هو اسوأ – في اعتقادنا – من ذلك، اي ذكر دولة “على اي جزء يتم تحريره من الارض …” ومن باب التذكير، فان هذا النص بالذات هو تماما ما تم تسويقه سابقا من قبل منظمة التفريط وفصائلها المنضوية تحت لوائها لتمرير البرنامج التسووي (البرنامج المرحلي) لعام 1974، الأمر الذي افضى الى الاعتراف بشرعية اغتصاب فلسطين وعقد اتفاقيات وترتيبات اوسلو، ولعل الأهم في تلك اللغة المضلِلَة (بكسر اللام) انها مهدت طريق التنازلات السياسية للنظام الرسمي العربي بدءا بشخص انور السادات وكامب ديفيده وملحقاته ومرورا بالاصطفافات الرسمية ضد المقاومين في غزة وفضائح تقرير غولدستون والمحكمة الدولية للنظر في جرائم الحرب على غزة. ان موضوعة “التحرير” لا تأتي تلقائيا او وفق رغبات ذاتية، بل هي منظومة مكتملة من المهام والثقافة الشعبية، لها قوانينها وضوابطها وقواها ايضا. وربما خير ما فعل “البرنامج” انه لم يكلف نفسه عناء النظر المتأني الى تلك المنظومة او ينسبها لنفسه وآثر تركها لمن هم اجدر بحمل المسؤولية من أجيال وقوى أكثر ارتباطا بالارض والجماهير المسحوقة.
بل دعونا ندقق النظر مرة اخرى في تلك الجملة، خاصة لناحية ذكر مفردة “تحرير” اي جزء من الارض المحتلة – ولو ضمنيا. المسألة المسلم بها اذن هي ان يتم التحرير أولا ومن ثم “تقرير المصير.” أليس هذا تماما ما يسعى “البرنامج السياسي،” الذي بين ايدينا، لتجاهله خاصة اذا اخذنا بعين الاعتبار ان “البرنامج” لا يذكر كلمة “تحرير” الا مرة واحدة – المشار اليها اعلاه، كما ويخلو ايضا من ذكر المقاومة والكفاح المسلح مناقضا وعده بالتمسك بالميثاق بصيغتيه القومية والوطنية. ومن حق أمتنا التساؤل عن حقيقة وجهة التيار الذي يدعي التزامه بالقومية العربية ويحجم عن ذكر تحرير الارض العربية، وهل التزامه لا يعدو شكليا بالالفاظ خالية المضمون. وتجدر الاشارة الى ان اللغة الرسمية التي تلتزم بها عموم الرسميات العربية والشريحة المسيطرة على هيكل (م ت ف) البائد تتجاهل متعمدة ذكر تحرير الارض – ولو من باب التنويه – واستبداله بلغة المحافظين العرب الجدد بالسعي للنضال السلمي غير العنفي (اقرأوا مواسم تظاهرات بلعين وتشتيت وعي شعبنا وقواه الداعمة داخليا وخارجيا.) واستطرادا، هل يستخدم عدونا اسلوبا غير العنف والقسوة والاستيلاء على الاراضي بغير القوة العسكرية. هذا تنازل مجاني، بل خياني، من شرائح تتدعي المحافظة على وحدة الوطن والهوية. وعليه، يصبح منطقيا لاصحاب “البرنامج” التسليم بشرعية (م ت ف) المفقودة والمطالبة بـ “اعادة بناءها… لتمارس رقابتها على سلطة الحكم الذاتي … ” وبالمجمل، يشكل برنامج “التيار” طرحا موغلا في سذاجته السياسية – في افضل حالاته – او متواطأ مع آليات نظم التجزئة. والنتيجة واحدة – التشبث بالقوى الراهنة، من أطر وخونة ومستسلمين، حفاظا على استمرارية تدفق الامتيازات الذاتية آنيا على حساب مصلحة الأمة العربية برمتها.
وفي هذا السياق، وقع برنامج “التيار” في تناقض منهجي ومغالطة سياسية كبرى ذات شقين: الاول، رؤيته القاصرة لاطار (م ت ف) ومطالبته الساذجة بالتمسك بها. ان تحليل ظاهرة [ م ت ف] علميا ينبغي ان يقود الى الاستنتاج بان وجودها كان ضرورة موضوعية اوجدها النظام الرسمي العربي لتأطير قوى حركة التحرر الوطني وقولبتها في اطار رسمي ليس بوسعه الخروج عن ارادة النظام الأم. وتثبت الايام ان ذلك الاطار لم يكن غرض انشاءه كأداة للتحرير، على نقيض شعاره “وحدة وطنية، تعبئة قومية، تحرير.” فالتحرير له أطره ومتطلباته ومتسحقاته وآلياته التي ينبغي ان تنطلق من رفض حاسم لواقع التجزئة، وهو كذلك نقيض الوضع الرسمي الراهن بكل مكوناته وتلوناته، وشديد الوضوح بمكونات معسكر اصدقاءه ومعسكر اعداءه على نقيض سياسة “اللعم،” وترسيخ مفهوم الاعتماد على الذات بدل الارتهان للخارج تحت مسميات موغلة في التضليل مثل “الدول المانحة” و”اعطاء اميركا مزيدا من الفرص.”
ونعود لنتساءل هل حقق برنامج التيار غرضه من “اجراء مراجعة نقدية شاملة للفكر القومي …” كما وعد في “المنطلقات.” لنقرأ سويا كيف يترجم التيار تلك الاقوال:
ففي البند رقم 8 يطالب بانشاء “جبهة وطنية … تكون ذراعا من أذرع م ت ف …” مرة اخرى، يعمد البرنامج الى الخلط وتسطيح مفهوم الجبهة الوطنية الضرورية في مرحلة التحرر الوطني، ويعطفها على اطار فاشل بل متآمر. اي باختصار بعد تجربة طويلة امتدت لأربعة عقود ونيف، لم يحظى الشعب العربي في كل من فلسطين والاردن ولبنان بانجاز ذو قيمة من ذاك “الذراع” وقواه المكونة، بل رافقته الهزائم والمجازر والاحباطات وترتيبات مع اعدائه على حساب مصلحته العامة والخاصة. ومن الثابت ان ما كان يعرف بـ (م ت ف) قد تم اجهاض اطاره النضالي واولوياته في التحرير والعودة، ولم يجر “استبداله” باطار الحكم الذاتي كما يزعم البرنامج في اكثر من موقع بل كان القابلة التي استولدت سلطة اوسلو وامدتها بالشرعية في المحافل الدولية. وللتذكير، فان (م ت ف) بكامل قواها المنخرطة قد وقعّت طواعية على التنازل عن 78 بالمائة من ارض فلسطين التاريخية تحت مظلة مسرحية “اعلان الدولة الفلسطينية” في الجزائر عام 1988. وهي ذات القوى والاطار الذي وقّع على كافة الاتفاقيات والترتيبات اللاحقة مع العدو وحلفاءه من المارينز العرب؛ وبفضل بركاته تم استخراج أو استيلاد سلطة الحكم الذاتي. فمن يريد ان يوهم نفسه بأنه يعارض تلك السلطة لكنه يتمسك تطهرا بالاطار الأم فهو ساذج، ولن تنطلي تلك اللعبة على اي طفل يعشق رمي الحجارة والصواريخ “العبثية.”
الشق الثاني يتعلق بخطورة تسليم “برنامج التيار” بشرعية التنازلات المدمرة التي أتت بها اوسلو ومشتقاتها على مجمل القضية الوطنية والقضايا القومية الاخرى عبر تمسكه بما يسمى السلطة الفلسطينية. ان تدمير العراق واحتلاله كانا ثمرة هذا اللغو السياسي العربي واحدى حلقات ترسيخ نظام التجزئة والتبعية المطواع والاتهان للأجنبي. وبفضل السلطة العميلة وحاضنتها الأم لما تجرأ ذلك النظام بمجمله للتنازل عن فلسطين، الارض والهوية، في طرحه البائس لما سمي المبادرة العربية وهرولة قوى [ م ت ف ] سريعا نحو التنازلات المذّلة والمجانية، وعلى رأسها حق العودة الذي لن يتحقق بمعزل عن اطار التحرير للارض من مغتصبيها وحلفائهم، عربا ومارينز وآخرين.
ان “برنامجا سياسيا” يخلو من بديهيات المكونات السياسية والمفاهيم المشتركة، خاصة لناحية تحديد معسكر الاصدقاء ومعسكر الاعداء، ويتماهى مع النظام الرسمي بحجة “التمسك بـ م ت ف” لا يستحق هذا المسمى السامي. اما التدثر بعباءة (م ت ف) المهترئة للغمز من بوابة سلطة اوسلو لا يرتقي لما وعد به من تقديم مراجعة نقدية شاملة، خاصة وانه خلا من ذكر اي دروس مستفادة وركز عوضا عن ذلك على المهام الحياتية اليومية لشعب يئن من قسوة الاحتلال وتآمر بعض ابناء جلدته عليه.
مرة اخرى، كيف يجيز هكذا “برنامج سياسي” لنفسه تجاهل ذكر مسألة تحرير الارض، اذ كان الاجدر به ان يحترم الوعي الشعبي وتراكماته النضالية بدل التنظير لنقيضه؛ علاوة على خلوّه من ابجديات البرامج السياسية التي ترسم استراتيجية نضالية باهداف واضحة تؤطرها في برامج ومهام يومية من اجل الوصول الى الهدف الرئيسي. ان قلب الحقائق بهذا الاسلوب المبتذل والتكلس الفكري الذي لازم غياب وضوح الرؤيا يخدم الاطراف المعادية، حتما، وعلى رأسها هيكلية أنظمة التجزئة. وخلاصة “البرنامج” انه يعد نسخة معدلة لـ “المبادرة العربية” للتنازل عن فلسطين، ارضا وتاريخا وحضارة. فهل هناك اية روابط مشتركة بين هذه المحاولة المبتذلة وبين الكم الهائل من هدف انشاء منظمات الأنجزة في فلسطين المحتلة؟ تلك المنظمات التي تسارع استيلادها كالفطر من اجل الانشغال بهموم ظاهرها بريء وباطنها يخدم استراتيجة القوى الممولة والمتآمرة لترسيخ وهم عبثية النضال الجمعي اذ اثبتت الجماهير ان اعتمادها على امكاتنياتها الذاتية، ولوبدائية في بعض الاحيان، قد اثمرت تحديا جماعيا وتماسكا اجتماعيا بدأ ينذر بتقويض الاحتلال والمحتلين والداعمين له من انظمة العرب.
فـ”البرنامج” المطروح يحمل في طياته واقصاءاته واسقاطاته كمًا من الاجابة الواضحة على ذلك، بالرغم من خلوه من اساسيات تشكيل البرامج والمهام وممارسته التضليل الفكري. هو برنامج لخدمة النظام العربي والتزاماته في التبعية وتحسين صورته المنهارة امام الجماهير، وليس برنامجا يؤسس لمرحلة نضالية من اجل التحرير والعودة.

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s