العرب المسيحيون من الهجرة إلى التهجير .. منير درويش

العرب المسيحيون من الهجرة إلى التهجير
منير درويش

الآن أدرك السياسيون والمثقفون العرب أن وجود المسيحيين في المجتمعات العربية أصبح في خطر ، وأن الهجرة التي شملتهم مع غيرهم بحثاً عن مستقبل اعتقدوا أنه الأفضل ، أخذت تتحول إلى عمليات تهجير متعمد ، بعد جرائم القتل التي تعرضوا لها في الفترة الأخيرة .
لقد أدى الحصار الذي فرض على العراق منذ عام 1990 إلى هجرة أعداد من المسيحيين العراقيين الذين كان عددهم وقتها حوالي 1,5 مليون مواطن ، لكن نسبة المهاجرين منهم قياساً ببقية المواطنين الذين زاد عددهم عن ثلاثة ملايين لم تزيد عن 10 % لكنها نسبة عالية . . لكن هذه الهجرة ازدادت بعد الاحتلال الأمريكي وما خلفه من مآسي للشعب العراقي بكل طوائفه ومذاهبه خاصة بعد أن تعرضت الكنائس والمنازل لاعتداءات متكررة ، إلا أن النسبة بقيت أيضاً محدودة إذا قورنت بعدد العراقيين الذين غادروا وطنهم هرباً من اعتداءات متنوعة . وأدى الاحتلال أيضاً إلى تعرض عدد من المسيحيين للاعتقال والقتل أثناء مداهمات المدن والقرى ، والمواجهات مع المقاومة ، لكنه لم يكن يعلن عن هويتهم أو مذهبهم كونهم مواطنون يتعرضون لمآسي الاحتلال وما نتج عنه كما يتعرض لها كل الشعب العراقي لكن هذه الهجرة أخذت تتحول إلى عملية تهجير واسعة من مدنهم ومنازلهم إلى مناطق داخلية أكثر أماناً أو إلى الدول المجاورة والخارج . وأصبح هدف الهجرة المحافظة على حياتهم ووجودهم بعد أن تهدد هذا الوجود . ويعبر أحد الذين نجو من جريمة كنيسة النجاة لجريدة الشرق الأوسط ، أنه لم يفكرأبداً بالهجرة من وطن أبائه وأجداده ، لكنه يخشى الآن على ابنه في المدرسة الذي يعيش هاجس الخوف المستمر بالقتل وخاصة بعد التهديد المباشر باستهداف جميع المسيحيين ،وبعد حوادث القتل في بغداد والموصل التي تلت جريمة الكنيسة
أما في مصر فقد أدت سياسة النظام على مدى العقود الأربعة الماضية إلى زرع بذور الانشقاق والتوتر داخل المجتمع المصري وحرفه عن قضاياه الوطنية والقومية مستفيداً من الوعي السائد . مما دفع بأبنائه للبحث عن حياة أفضل لهم .وكان للمسيحيين الأقباط نسبة عالية منهم .
يقول هيغل .” إن الأحداث التاريخية تكمن وراءها إرادة مخططة ، وهي ليست وليدة الصدفة ، وبالتالي فإن هذه الأحداث إذا أضيفت إلى التوترات الدينية في المجتمع المصري والربط بين المسيحيين في العراق ومصر ، ستبدو وكأنها ضمن مخطط أصبح واضحاً ويهدف إلى تفريغ المنطقة .منهم ، بافتعال الحوادث التي تجبرهم على الهجرة ، ولا أحد يستطيع أن يحزر من هم وراء هذا المخطط .
لا شك أن أحداثاً كثيرة جرت وتجري على خلفية حوادث فردية تكون المسؤولية فيها متساوية بين الفاعلين فيها ، وهي لا تدفع لمواجهات شاملة إذ أن الطرفين يدركان أن الذين يقومون بها لا يمثلون هذا الجانب أو ذاك ، وهي مشاكل تحصل في كل المجتمعات ، وإذا كان المسيحيون يشعرون ببعض القيود والحدود ، لكن المشكلة لم تعد الآن في إطار هذه القيود بل تحولت إلى البحث عن الوجود كما يقول الكاتب القطري عبد الحميد الأنصاري في جريدة الاتحاد 24 / 11 / 2010 . والمشكلة أن الحكومات وخاصة في مصر والعراق أصبحت عاجزة أو متخلفة عن حماية مواطنيها بالشكل الذي يجعلهم يأتمنون على مستقبلهم . كما أن الفقر والحاجة والبطالة ، والاستبداد ، ورهن القرار الوطني للخارج وغياب الفعل السياسي والعدالة والديمقراطية ، والتمسك بالسلطة ، والابتعاد عن الهم العربي هي من العوامل الأساسية التي ولدت الخلل داخل هذه المجتمعات ، خاصة في ظل فتاوى جاهلية غير مضبوطة تصدر عن الطرفين وتحرض على التفرقة وعدم المساواة بين المواطنين . والمشكلة أنها غالباً ما تصدر عن رجال لهم مكانة دينية تجعل العامة وفي ظل وعي متخلف يصدقونها دون مناقشة.
إن وجود العرب المسيحيين في الدول العربية وخاصة في مشرقه ومصر ، يختلف عن وجودهم في أفريقيا عدا الحبشة ، فهم جزء من السكان الأصليين اعتنقوا المسيحية منذ ظهورها الأول ، ولم يعتنقوها عن طريق البعثات التبشيرية أو بتأثير قوى الهيمنة الغربية . وعاشوا مع المسلمين كمواطنين لهم همومهم الوطنية في الحقوق والواجبات ، يشاركونهم أفراحهم وأحزانهم واستنكروا وأدانوا جميع الإساءات التي ظهرت في الدول الغربية ضد الإسلام والمسلمين . .
لقد أصدر بعض رجال الدين في مصر والعراق فتاوى متنوعة كالتي تحرم التعامل التجاري مع المسيحيين بيعا وشراءً كما تحرم مشاركتهم ًفي أعيادهم أو تهنئتهم بهذه الأعياد. في الجانب الآخر صدرت عن بعض المسيحيين تصريحات جاهلية واستفزازية كالتصريح الذي أطلقه الأنبا بيشوى في مصر معتبراً أنها ملك للأقباط ويطالب المسلمين بالتخلي عنها ، ولاقى هذا التصريح الاستهجان والاستنكار من جميع المعنيين مسيحيين ومسلمين . ولا تخلو هذه الفتاوى في أحيان كثيرة من تناول الطوائف في كل من الديانتين بالتحريم والتجريم. وفي هذه المعمعة تقف الحكومات أو المؤسسات الدينية متفرجة على الرغم من القوانين التي تخولها منع هذه الفتاوى لأنها جزء من التحريض المذهبي .
في رسالة وجهها بطريرك السريان الأنطاكي اغناطيوس يوسف الثالث إلى نوري المالكي رئيس وزراء العراق بعد جريمة اختطاف المطران بولس فرح رحو رئيس أساقفة الكلدان في الموصل وقتله 29 / 2 / 2008 . ( ويبدو أن وراء الجريمة مطالبة بفدية مالية ) وبعد جريمة الموصل أيلول من نفس العام التي ذهب ضحيتها ثمانية من المسحيين . يقول فيها . ” ألم يحن الوقت لكي تقوم حكومتكم في دولة القانون بمعاقبة المجرمين . إننا لا نستخلص من عجزكم سوى التواطؤ في عملية تفريغ الموصل من المسيحيين القاطنين فيها منذ قرون ” ( حسب موقع عنكاوا )
وإذا كان هذا هو شأن الحكومات فإن المؤسسات المدنية والثقافية والدينية كانت أكثر عجزاً وتجاهلاً لقضية هجرة المسيحيين وإيجاد السبل لمواجهة هذه الهجرة وهذا التهجير منذ البداية.
لقد كان من الصعب أن نعزو حادثة كنيسة بغداد وما تلاها إلى الحرص على فتاتين اعتنقتا الإسلام وسجنتا في إحدى الكنائس بمصر كما أشارت التهديدات، وهل كان الإسلام بحاجة لهمن ؟ وإذا كان من مبرر لذلك، فمن قام بعمليات القتل والاعتداء على الكنائس والمنازل بعد الاحتلال الأمريكي و التي سبقت هذه الحادثة ولماذا ؟ وهل كان من الصعب معالجة موضوع الفتاتين عن طريق القضاء المصري وبالاستناد إلى القوانين الكفيلة بحماية المواطنين من مثل هذه المخالفات، إن كان لها وجه حق ؟ بدلاً أن تضع الفئات التي تبنت عملية الكنيسة نفسها حكماً في القضية ووصية على الإسلام والمسلمين.
إن الإدانة والاستنكار لهذه الجرائم لا تكفي للتعبير عن الحزن والأسى بل والخسائر المعنوية التي أصابت العرب المسيحيين، والمسلمين.الذين تلصق بهم هذه الأفعال ، والجميع يعلم أن الأيدي التي ترتكبها هي أكبر من الأيدي التي ادعت أنها نفذتها وهي نفس الأيدي التي فجرت المساجد والحسينيات ودور العبادة لمختلف المذاهب والطوائف لزرع الفتنة بين أبناء الوطن الواحد وأدت منذ الاحتلال الأمريكي إلى مئات الآلاف من الضحايا الأبرياء وهي أيدي خارجية لها مصالحها في هذه الفتنة .
يذكر السيد علاء الدين حمدي من مصر أن رسالة وصلته على بريده من الدكتور ليون برخو وهو قسيس مسيحي و أستاذ بعلم اللغة والإعلام في إحدى جامعات السويد حول مأساة كنيسة بغداد ، يحمل المسؤولية فيها للمخابرات الإسرائيلية والأمريكية ، ويؤكد أن اتهام العرب والمسلمين هو محاولة لتبرئة المسببين من الغزاة والأشرار ، وإن الربط بين مسيحيي العراق ومصر على هذا النحو لا يفكر فيه سوى الدهاة من تلك المخابرات …الخ (المقالة منشورة في موقع صوت العروبة بعنوان من يقتل مسيحيي العراق ) .ولا ننسى ما قاله أحد الناجين من جريمة الكنيسة وهو يخرج منها ملطخاً بدماء أقربائه ، في دلالة عن شعوره باتهام أمريكا ” لقد فعلتها أمريكا وشكراً لها ” لكن السؤال هو كيف يمكن لهذه الفتن أن تأخذ طريقها للنجاح إلا في ظل وعي جاهلي مستعد لقبولها ، وكان أولى بالجهات التي صدر باسمها البيان أن تنفيها أو تعتذر عنها .
لقد أوحت الجرائم الأخيرة وما أثير حولها ، أن مخطط هجرة أو تهجير العرب المسيحيين من الوطن العربي بدأ يأخذ طريقه للنجاح خاصة بعد أن أعلنت ألمانيا أنها على استعداد لاستقبال أعداد من المسيحيين العراقيين كلاجئين على أراضيها ، وكذلك فرنسا ، وعرضت بعض الدول الأوربية أن تكون هجرة المسيحيين في مقابل هجرة المسلمين إليها ، وكأن السياسة الغربية تريد أن تخلق صراعاً جديداً ، وهو ما يجب أن ندركه ونحذر منه ونقف في وجهه ، فلا الإسلام مسؤول عن هذه الهجرة ولا المسلمين في أوربا على علاقة بهذه الأحداث .
إن هذه السياسات تسعى أن تعيدنا من جديد إلى المسألة الشرقية وإلى عام 1850 عندما قامت بالتدخل في شؤون المنطقة بحجة حماية المسيحيين، وتبنت كل منها طائفة معينة كانت نتيجتها الاقتتال المذهبي الذي حصل بين الأعوام 1854 – 1860.
إننا أمام فاجعة اجتماعية وسياسية عربية وكارثة إنسانية ، إذ ليس من السهل اقتلاع مواطناً من وطنه وعلى ذلك يجب أن نبقى نعمل من أجل وقف هذه الهجرة بكل ما يتاح لنا من مجال وندعو المؤسسات المختلفة إلى بذل كل الجهود لوقفها .وقناعتي أن الحقيقة التي كررتها ولا أزال ويجب أن أكررها ، هي أن هذه القضية هي سياسية بالدرجة الأولى وأن عودة المشروع النهضوي العربي وتحقيق الديمقراطية والتنمية الحقيقية في المجتمعات العربية هو الكفيل بإعادة الوحدة لهذه المجتمعات بعد أن فقدتها وتفقدها وإلا فإن المصير العربي كله مهدد بالانهيار وإن غياب هذه الحقيقة .هي التي ستعطي المجال للقوى الأخرى أن تتدخل في تحديد هذا المصير .

دمشق 28 / 11 / 2010 منير درويش

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s