ملامح الأزمة العامة في مصر …. منير درويش

ملامح الأزمة العامة في مصر
منير درويش

تشكل مصر مع تركيا وإيران ، الدول الأساسية في منطقة الشرق الأوسط ، نظراً لتماثلها في قضايا كثيرة ، كالدين ، وعدد السكان ، والمساحة ، والتاريخ ، والنشاط الاقتصادي . والتأثير السياسي والاجتماعي.
وإذا كانت تركيا وإيران دولاً خلفتها إمبراطوريات تاريخية قديمة ، توسعت وتقلصت ، فإن الحدود الجغرافية لهاتين الدولتين أصبحت نهائية ، وليس لهما امتدادات قومية خارج حدودهما ، بخلاف مصر التي بقيت مركز الثقل لإمبراطورية عربية لا زالت تحلم بإعادة وحدتها القومية وجمع شملها الذي شتته القوى الاستعمارية والاستعمار الاستيطاني . وهو ما يلقي عليها مسؤولية لا يمكنها تغافلها أو تجاوزها . إذ أن في تجاوزها يكمن الأساس لكل المشاكل التي تواجهها..
لقد أعطى التاريخ الحديث لمصر ومنذ بداية القرن الثامن عشر دور المركز ليس في القضايا العربية فقط ، بل في محيطها الإقليمي ، وخاصة في أفريقيا ، وامتدادها الدولي ، عندما جعل منها محمد علي ولاية مستقلة عن الدولة العثمانية ، وحاول إعادة وحدتها مع الدول العربية الأخرى ، رغم أنه لم يكن عربياً لكنه يدرك أن مصلحته الحقيقية ، ومواجهة المخاطر ، ودعم سلطته لن يكون إلا إذا اتجه نحو المشرق العربي والسودان ليعزز بها مشروعه الاستقلالي والنهضوي .
وقد شعر الغرب الاستعماري بخطورة هذا المشروع فعمل بالتحالف مع الدولة العثمانية على مواجهته وإجهاضه .، وبقي يراقب بحذر أي نمو أو نشاط لهذا المشروع إذا انطلق من مصر. ، ورغم تعرضها للاحتلال الفرنسي والانكليزي ، فقد بقيت مصر مركزاً للنضال العربي والداعم الأساسي لحركات التحرر ، وحلقة الوصل الجيوسياسي لأسيا وأفريقيا . .
لقد كانت فكرة العروبة هي الدافع للشعب المصري في تحرره من الاستعمار والتبعية ، ولذلك عندما طرح عبد الناصر مشروعه القومي ، وجد له صدىً واسعاً في مصر مدعوماً من كل القوى القومية العربية ، واستطاع مع هذه القوى وعلى رأسها حزب البعث من تحقيق أول وحدة في التاريخ العربي الحديث بين مصر وسورية عام 1958 . وكانت قوة مصر تتعزز كلما تعززت فكرة العروبة ، وكلما تصاعد المشروع القومي العربي الذي احتضن أهداف الأمة في تحرير أراضيها وإعادة نهضتها والوقوف بحزم ضد عمليات النهب والاستغلال والهيمنة التي تمارسها قوى الهيمنة والإمبريالية ، و تعززت مكانة الدول العربية الأخرى التي تبنت هذا المشروع واحتضنته ، سورية والعراق وفلسطين …الخ . كما أن المجتمع المصري بدا أكثر تماسكاً واندماجاً مع تصاعد فكرة العروبة والقومية ، وهو متمسك بدينه وحريص عليه ، وهو أيضاً صاحب شعار ” الدين لله والوطن للجميع ” هذا الشعار الذي جعل المجتمع المصري يتجه بصراعاته نحو مقاومة الاستعمار من جهة وتعزيز الدور السياسي لمصر من جهة أخرى .
وعلى ذلك فقد سبقت مصر دول العالم الثالث في أسيا وأفريقيا بالتأسيس لبناء دولة حديثة ، وسبقت هذه الدول في العلم وتأهيل الكوادر من الرجال والنساء ، كما امتلكت تقاليد راسخة بالتسامح والمشاركة الاجتماعية ، بحكم تداخل الأديان مع بعضها وخاصة في الريف والصعيد الذي كان يصعب فيه تمييز الأفراد على أساس انتمائهم الديني ، وكان لمصر ممارسات ديمقراطية سبقت بها تلك الدول ولعبت دوراً في حياة المواطنين إبان مواجهتم للاستعمار الانكليزي وعملاءه في الداخل . وكان كثير من السياسيين والمثقفين العرب يلجئون إليها هرباً من الملاحقة والاضطهاد السياسي في بلدانهم .
وبلغ تمسك المصريين بمصر واعتزازهم بها بأن سموها أرض الكنانة ” مصر كنانة الله في أرضه من أرادها بسوء قصمه الله ” ومصر أم الدنيا.
أما اليوم فإن مصر تعيش أزمات حادة، على الصعيد الوطني والقومي، وعلى الصعيد الإقليمي والدولي، وعزلة عربية وإسلامية. .
منذ ثورة عام 1952 عرفت مصر ثلاثة رؤساء ، توفي منهم عبد الناصر الذي أعاد لمصر دورها القومي وعزز مكانتها في العالم ، وقتل السادات ، ولا زال الرئيس حسني مبارك على رأس السلطة منذ عام 1981 دون أن يكون هناك مؤسسات وأحزاب سياسية منبثقة عن إرادة شعبية ، وتتولى الحكم عن طريق صناديق اقتراع نزيهة ، وبقي الحزب الوطني الحالم يقود السلطة منذ تأسيسه عام 1974 ، وأوصل مصر إلى ما هي عليه اليوم .
إن مقارنة هذا الوضع مع تركيا وإيران يلقي ضوءاً على الواقع السياسي في مصر ، لقد توالى على الرئاسة في تركيا منذ كمال أتاتورك عددأ من الرؤساء جاء أغلبهم عن طريق الانتخاب ، والسلطة الحقيقية كان يمثلها الحزب الفائز في الانتخابات البرلمانية ، دون أن نلغي دور الجيش من بعيد في الحياة السياسية ، وفي إيران بعد الثورة ورغم تمسكها بالشريعة فإن فترة الرئاسة محددة بفترة زمنية لا تزيد عن دورتين كل منها أربع سنوات مع مجلس برلماني منتخب ، وإن كان من الصحيح أيضاً أن المرشحين يخضعون لموافقة المرشد أو المؤسسات الدينية .
لقد وقعت مصر في أزمات خانقة بسبب سلطتها السياسية ، وأصبح الحزب الحاكم عاجزاً عن إدارة سياسة الدولة التي فقدت كثيراً من مقوماتها وأصبحت محكومة بقوانين المصلحة الشخصية في كثير من جوانبها . فقد فشل في تحقيق التنمية التي ترفع من المستوى المعيشي للمواطن المصري ، وأصبح هذا المستوى في الحضيض ، وازداد عدد الأغنياء الذين كونوا ثروتهم عن طريق الفساد والمحسوبية والتحايل على القوانين ، وبيع القطاع العام ، وزيادة البطالة والأمية ، وارتفع عدد المواطنين الذين يعجزون عن تأمين مأوى لهم حتى في المقابر .
أما على الصعيد الوطني . فقد ازدادت أزمة مصر الوطنية والتي تعتبر من أخطر الأزمات التي واجهتها قي تاريخها الحديث، وهي الحوادث المتكررة بين المسلمين والأقباط والتي تشير جميع الدراسات أنها ناتجة عن السياسة العامة للسلطة. خاصة في ظل تراجع الدور القومي وغياب الديمقراطية .
وتعيش مصر أيضاً أزمة على الصعيد القومي العربي بسبب تراجع وانحسار دورها في القضايا العربية ، فعلى صعيد الصراع العربي الإسرائيلي ، تقوم السياسة المصرية بدور الوسيط بين الفلسطينيين وإسرائيل بدلاً من دعمها للمقاومة ومساندتها في المحافظة على الثوابت العربية المتمثلة في تحرير الأرض وعودة اللاجئين إلى وطنهم ، إن قيام السياسة المصرية بدور الوساطة هو إهانة لدور مصر ومكانتها من جهة وللتضحيات التي قدمها الشعب المصري في هذا الصراع . من جهة أخرى . كما أن تراجع الدور المصري هو الذي أفسح المجال أمام السياسة الإيرانية والتركية لمليء هذا الفراغ.مهما كانت أهدافهما .
ووضعت السياسة المصرية نفسها في موقع الحياد تجاه قضايا السودان الخاصرة الجنوبية لها وهي تشهد تقسيم هذا البلد وتفتته دون أن تكترث للنتائج والمسؤوليات التي تقع عليها مستقبلاً من هذا التقسيم . وأغفلت أي دور لها في العراق بعد الاحتلال الأمريكي له وتركته عرضة لتدخلات إيران وتركيا . كما فقدت أي دور لها في اليمن الذي يفقد شيئاً فشيئاً وحدته. ، أما في الخليج العربي فلا يبدو أن لها أي دور يذكر في الوقت الذي تلعب فيه إيران دوراً بارزاً رغم أنه الخط الأحمر للمصالح الأمريكية.
وفي أفريقيا، تعاني السياسة المصرية من أزمة حادة تطال مصر في الصميم، نتيجة مطالبة الدول الأفريقية لها بحصة كبيرة من مياه النيل الشريان الحيوي لها عبر التاريخ بحيث وصفت بأنها ” هبة النيل ”
لقد لعبت مصر دوراً بارزاً في دعم حركات التحرر الأفريقية لكن دورها الآن يتراجع لتحل محله إسرائيل التي تلعب دوراً محرضاً للأنظمة الأفريقية ضد مصر
لا شك أن أوضاع المعارضة ليست بأفضل حال من وضع السلطة وخاصة المعارضة الديمقراطية، فهي معزولة ومفتتة، وعاجزة عن.صياغة مشروعاً وطنياً وقومياً يعيد للشعب المصري عزنه، ولعروبة مصر مكانتها، عندما تدرك أن المشروع القومي مهما توسع وانتشر فلن يحقق انتصاره إلا إذا تعزز في مصر.
إن من حق أي مواطن مصري أن يكون رئيساً لمصر إذا توفرت فيه الشروط التي يقرها الدستور، ولكن أي دستور ؟ بالتأكيد ليس الدستور الذي صاغته السلطة وحزبها الحاكم ، بل الدستور الذي تصيغه مجمل الحركة السياسية بطيفها الواسع دون إقصاء أحد ، ويحظى بموافقة أغلبية المواطنين وممثليهم من الأحزاب السياسية بعد أن تعطى لهم حرية العمل السياسي والنشاط والمشاركة الحقيقية في الحياة السياسية .
إن السياسة العالمية الآن تديرها القوة، وقوة مصر الحقيقية هي في انتمائها العربي وقدرتها للعودة من جديد لتلعب دوراً عربياً مركزياً. هذا الانتماء وتعزيزه هو الذي يمكنها من التغلب على جميع المشاكل والأزمات، وإن التغافل عن هذا الانتماء أو تجاوزه سيجعل هذه الأزمات تتفاقم ولن تصيبها وحدها بل جميع أجزاء الأمة. ،
إن التاريخ لن يرحم الضعفاء والذين يضعون مصالحهم الخاصة فوق مصلحة الشعب ويقيمون عرس التجزئة في مأتم الأمة. .

دمشق 24 / 11 / 2010 منير درويش

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s