تأمل في المسألة العربية … د . أحمد برقاوي

تأمل في المسألة العربية
د. أحمد برقاوي

شهد القرن العشرون في عقده الأخير حدثين بارزين راح الكثير منا يعتبرونهما ولادة عالم جديد. هذان الحدثان هما انهيار جدار برلين وزوال اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية. أخذ الحدثان بدلالة وحيدة إلا وهي نهاية الحرب الباردة ونهاية الحرب الباردة تعني فيما تعنيه انتصار عالم الرأسمالية على عالم الاشتراكية. ونهاية الأمل الإنساني في نظام اشتراكي يحقق العدالة.‏
وبالتالي غرب شعار الاشتراكية حتى صار الخطاب فيه خطاباً يمت إلى عالم قديم. ولقد تحولت زعيمة النظام الرأسمالي الولايات المتحدة الأمريكية إلى قوة تعسفية على مستوى الكوكب وقد صار هذا القول متفقاً عليه بشكل عام.‏
ونشأ قول آخر مختلف فيه إلا وهو أن المفهوم الدال على العالم الجديد هو العولمة والتي ينظر البعض إليها من زاوية تجاوز الدولة القومية لقاء تكون القرية الكونية.‏
لكن أحداً في حدود ما أعرف ـ لم يلتفت أو يكترث بنتائج الحدثين الآنفي الذكر: أقصد انهيار جدار برلين وزوال الاتحاد السوفيتي. على مستوى المسألة القومية.‏
فقبل انهيار جدار برلين كانت هناك دولتان ألمانيتان، بل أن بعض المفكرين السوفيت كانوا يتحدثون عن أمتين ألمانيتين وليس عن أمة ألمانية واحدة. مع انهيار جدار برلين وزوال النظام الاشتراكي توحدت ألمانيا اتحاداً كاملاً.‏
لم يسأل أحدٌ لماذا توحدت ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية!‏
لم يسأل أحدٌ لماذا لم يبق الألمان منفصلين في دولتين!‏
ولَم لم تقف دول الحلفاء ضد وحدة ألمانيا. بل نظر إلى الأمر على أنه تحصيل حاصل.‏
وما كان يمكن أن ينظر إلى الأمر ببساطة وعلى أنه تحصيل حاصل لو لم ينطلق الوعي الأوربي والألماني من أنه قبيل البداهة أن تكون الأمة الواحدة دولة واحدة.‏
قبل زواله كان الاتحاد السوفييتي دولة متعددة القوميات، أزيد من سبعين عاماً ظلت هذه الدولة متعددة القوميات. لقد تكونت ثقافة مشتركة، وأصبحت اللغة الروسية سائدة إلى حدٍ صارت لغة يومية مشتركة، تم التزاوج بين أبناء هذه القوميات، توحد الاقتصاد، انتقل العديد من السكان من هذه الجمهورية إلى تلك دون عوائق، وأقاموا في مدنٍ ليست مدنهم. لقد بدا أن الأمر واقع أبدي لا يمكن تصور زواله.‏
وما أن أعلن غرباتشوف البريسترويكا (إعادة البناء) حتى استيقظت الأحلام القومية لدى جميع القوميات بلا استثناء حتى لدى القومية الأكبر ـ الروسية. وما هي إلا سنوات قليلة بعد حركة غرباتشوف حتى عادت القوميات إلى سابق عهدها القديم وأسست دولها القومية.‏
لم يقف الأمر عند القوميات ذات العدد الكبير، بل قوميات لا ترى بالعين المجردة لا تفيا وأستونيا وملدافيا شكلت دولها.‏
أي عادت الدولة الأمة القومية، وانهزمت فكرة ولادة الأمة السوفييتيّة التي نظر لها أيديولوجيو النظام. كيف تأتى أن يظل الشعور القومي حاضراً في وجدان البشر بعد هذا الروح الطويل من الدولة السوفيتية؟‏
إذاً. ها نحن أمام ظاهرتين ولهما دلالة واحدة: أمة انشطرت إلى دولتين وعادت دولة ـ أمة واحدة، ودولة واحدة انشطرت إلى عدة من الدول ـ الأمم.‏
علينا أن نذكر البعض أن هذا الأمر لم يتم في عصر القوميات، ونشوء الدول ـ الأمم. أقول يجب أن نذكر البعض بهذا لأن ما أن نطرح المسألة القومية في الوطن العربي حتى ينبري لنا سرفه هياكل التجزئة لاتهامنا بأننا ننتمي إلى عصر قديم، إلى شعار عفا عليه الزمن، وأننا لا نأخذ الوقائع بعين الاعتبار. وإن تلطفوا علينا وسمونا بالطوباوية.‏
ونتساءل: لماذا شرعنّا وحدة ألمانيا القومية ونشوء الدول ـ الأمم على أنقاض الاتحاد السوفييتي.‏
ولم ننف شرعية نزوعنا نحو قيام الدولة ـ الأمة في وقت لا أحد ينفي وجود قوم لهم مقومات تشكل سبباً لوجود وعي قومي وهاجس لدولة ـ أمة؟‏
ترى لماذا لا تزال المسألة العربية دون حل؟. ماذا تعني المسألة العربية المسألة العربية مسألة شعب تجعل مساحة جغرافية تمتد من المحيط إلى الخليج ذات موقع جغرافي أُطلق عليه قلب العالم ويمتلك من الثروات وبخاصة النفط ما يجعله نظرياً قادراً على التأثير الكبير في اقتصاد العالم ونشأ وعيه القومي في وقت في نهاية القرن التاسع عشر منذ كان جزءاً من الإمبراطورية العثمانية. ومنذ قرن وأزيد من الزمان لم يستطع أن يكون الدولة ـ الأمة.‏
ومنذ القرن التاسع عشر وحتى هذه اللحظة من التاريخ ما زال موضوع هيمنة خارجية تمسك بمصير وتتدخل في شؤونه وترسم لـه الصورة التي يجب أن يكون عليها.‏
إنه لحادث خاص في تاريخ الشعوب القديمة. وحدهم من بين الشعوب التي خضعت للاستعمار المباشر لم يتحرروا حتى الآن ولم يكونوا الدولة ـ الأمة.‏
إيران وتركيا والهند والصين هي الآن دول قومية ومصدر قوتها هو هذا.‏
ويبدو لي أن الاستعمار الغربي وورثته من المستعمرين الأمريكان يتبنون سياسة لم تتغير اتجاه العرب ألا وهي الحيلولة دون قيام الدولة ـ الأمة في هذه المساحة الجغرافية التي ذكرت. أسس القضية هي الآتية:‏
يجب أن لا تكون هناك قوة إقليمية في قلب العالم بمميزاتها الجغرافية الاقتصادية والسكانية وقائل يقول: إن هذه السياسة الاستعمارية ـ في استمرارها ـ هي ضد الإسلام. وهذا وعي ساذج بالمسألة العربية.‏
فإيران أمة ـ دولة إسلامية، وكذلك تركيا، وباكستان صارت أمة ـ دولة وتمتلك الأسلحة النووية، وأندونيسيا الإسلامية دولة ـ أمة وحركة التحرر العربية هي في الأساس علمانية. فالمسألة العربية إذاً هي أن العرب يجب الآن وفي المستقبل، أن يظلوا في عالمهم الراهن من التجزئة والتخلف.‏
الغرب وقف ضد وحدة 1958 بين مصر وسوريا، وقف ضد مشروع سوريا الكبرى، وقبل ذلك حال بين محمد علي وبين تكوين دولة للناطقين بالعربية، خلقوا الكيان العنصري ـ الصهيوني في فلسطين لوضع حاجز بين مصر وبلاد الشام والعراق.‏
الجامعة العربية التي صادرت على فكرة الأمة ـ الدولة بوضعها مشروعاً بريطانياً أول بنودها عدم تدخل أية دولة في شؤون دولة أخرى أسس المستعمرون دولاً لم تكن تخطر على بال احد إطلاقاً. شرق الأردن، دولة لبنان، دولة قطر، البحرين، الإمارات، عمان وموريتانيا دول.‏
المناطق التي كان يمكن أن تقوم بها دول حالوا بينها وبين ذلك. شبه الجزيرة العربية هي الآن دول سبع. بلاد الشام والعراق هي الآن دول خمس، وادي النيل دولتان، المغرب العربي دول أربع.‏
المنطقة الوحيدة في العالم التي أسس فيها المستعمرون دولة إجلائية ـ احتلالية غربية الوجه واليد واللسان وما زالت محمية أوربياً وأمريكياً هي المنطقة العربية. فالبيض حكموا بعض مناطق إفريقيا وكونوا دولاً زال حكم البيض وظلّ الأفارقة في أوطانهم.‏
حشدت أمريكا العالم الغربي كله وكثير من الحكومات العربية لشن حرب على العراق حين ضم الكويت بالقوة العسكرية.‏
المعنى القابع وراء شن الحرب على العراق واضح: هذه الحدود التي رسمناها لكم مقدسة بالنسبة لنا. واستخدام القوة في إلغاء هذه الحدود خط أحمر. عليكم أن لا تتجاوزوه.‏
إسرائيل بالنسبة لهم أيضاً خط أحمر وحرب 73 شاهد على ذلك.‏
كل الحدود السياسية في العالم تأسست استناداً إلى العامل القومي، مع انزياحات بسيطة هنا وهناك.‏
حدود اليابان حدود شعب اليابان. وحدود الصين حدود الشعب الصيني.‏
كل الحدود السياسية التي تأسست في المنطقة العربية لا تملك أي سبب معقول لها، ليس هناك في العالم حدود كخطوط مستقيمة لا تعرج فيها كما الحدود بين أكثر دويلات العرب. حدود رسمت بالقلم لأول مرة في التاريخ الإنساني ترسم حدود بالقلم من الآخر.‏
ورب معترض يقول: هذا ما فعله الاستعمار وما يفرزه الاستعمار الجديد ولكن مسؤولية السلطات في الوطن العربي لا تقل في استمرار التجزئة عن مسؤولية الغرب. وهذا حق وسأتناول هذه النقطة فيما بعد.‏
أعود للمسألة العربية، لأزيد من فضها. عبر مفهوم آخر هو مفهوم الهوية. الهوية تجريداً هي الشعور بالتمايز، أنا لست الآخر.‏
لنبدأ بالبسيط.. ليست هناك من هوية لا تتعين بالشعور بالانتماء، والشعور بالانتماء لا يتعين إلا بالجنسية، والشعور بالجنسية لا يتعين إلا بالدولة.‏
العرب إتنية هذا ما يعترف به ابن المنطقة كما يعترف به الآخرون.‏
صفة العربي نلقاها في ظواهر متعددة. جامعة الدول العربية، جمهورية مصر العربية، الجمهورية العربية السورية، الإمارات العربية المتحدة في الدساتير سنجد فقرات تقول: الدولة جزء من الأمة العربية.‏
في خطاب المفكر ـ المثقف، السياسي، تتردد كلمة العربي.‏
يكتب عبد الله العروي الأيدولوجيا العربية المعاصرة، ويكتب الجابري بنية العقل العربي وتكوين العقل العربي، يكتب زكي نجيب محمود تجديد الفكر العربي ويكتب حسن صعب تجديد العقل العربي. ويكتب حافظ الجمالي عربي يفكر، وتنتشر أيديولوجيات قومية عربية.‏
يندر أن تجد مفكراً على امتداد الوطن العربي يفكر في عقله الضيق.‏
أسماء مجلات: الفكر العربي، العربي، أخبار العرب، محطة فضائية، اسمها العربية.‏
في تعريف الفرد بنفسه لا يجد بداً من القول أنا عربي وخاصة حين يغادر إلى الخارج.‏
إذاً نحن أمام هوية تظهر على أنحاء مختلفة، بوصفها شعوراً ذاتياً غير مصطنع. هوية تظهر باللغة من حيث هي أصلية، لغة الحياة اليومية ولغة الأدب والعلم رغم الفروق الضئيلة بين اللهجات. مع ظهور الحدود السياسية ونشوء الدويلات، أخذت الدويلات أسماءها، وتكنت الجنسيات بأسماء الدويلات. فحصل العربي على هوية جديدة حاضرة في جواز سفره في بطاقته الشخصية. لكنها هوية خالية من أي صفة جوهرية للهوية، هوية ناتجة من اسم المكان سواء كان الاسم قديماً أو حديثاً. هذه الهوية الناتجة عن اسم ومكان سرعان ما تنهار أمام هوية الأصل، وعلاقات القرابة القائمة بين الحاملين الهوية المكانية ـ القطرية.‏
بل إن الهوية الناتجة عن الأصل ذات حضور أقوى بما لا يقاس من هوية المكان كحالة شعورية. وعلاقات القرابة أقوى من العلاقات الناشئة من الحدود السياسية الجديدة.‏
والملفت للنظر أن وعي هوية الأصل العائلي ـ القبلي ليست حاضرة في المجتمعات البدوية أو القروية فحسب، بل وفي مجتمع المدينة. بل أن شجرة النسب حاضرة في المدينة وليست ظاهرة فلاحية أو بدوية. ويجب أن نشير أن البداوة آيلة إلى زوال.‏
وما حضور هوية الأصل الناتجة عن الشعور بالقرابة إلا رفض ضمني ولا شعوري أحياناً للتقسيم السياسي. فاللقاء بين أقرباء ينتمون إلى دويلات متعددة سرعان ما يخلق حالة من نسيان الحدود. ومع سهولة وسائل التواصل بقيت من جديد حالات البحث عن علاقات القرابة.‏
غير أن هناك عاملاً أهم لبعث الهوية القائمة على قرابة الدم والأصل ألا وهو غياب السياسة كحالة مجتمعية في معظم مناطق العرب. فالانتماء السياسي حالة مدنية حديثة. وليس صحيحاً أن الانتماءات ما قبل السياسية هي التي هزمت السياسية بل العكس صحيح. فالسياسية كحالة مجتمعية تصنع الولاءات الطبقة والمهنية والحزبية والأيديولوجية وهذا أمر حالت السلطة من وجوده. لأن السلطة بالأساس وجدت في العصبيات غير السياسية مصدراً لقوتها. وبالتالي أعادت إنتاج العصبيات ـ على مستوى المجتمع ـ إلى بناها القديمة.‏
وإلا كيف نفهم ظاهرة غريبة حدثت منذ شهور، الحادثة هي اختيار أمريكا وبريطانيا لرئيس عراقي ينتمي إلى قبيلة شمر.‏
لم تلتفت القبيلة الممتدة عبر سوريا والعراق وشبه الجزيرة العربية إلى مضمون هذه الظاهرة. بل أخذت طابعها القبلي فعمت الفرحة هذه المناطق، لم ينظر إلى الرئيس من حيث هو ثمرة الاحتلال، كما لم ينظر إليه بوصفه عراقياً. بل نظر إليه بوصفه شمرياً. وشمر هذه لم تعد قبيلة بدوية، بل حضرية بامتياز. لكن شمر بافتخارها أيضاً بأنها قبيلة عربية بامتياز افتخارها هذا افتخار بالأصل.‏
وهكذا اتحدت هويتها القائمة على رابطة الدم مع هويتها القائمة على رابطة الانتساب الأصلي الأوسع.‏
هذه الظاهرة وما شابهها تدل على هزيمة السلطة وهزيمة الحدود الدولية وهزيمة الحداثة وهزيمة السياسية.‏
وبالمقابل نجد هوية دينية حاضرة في الوعي العام تتقاسم الانتماءات، وفاعلة في السلوك ولها نخبها المعبرة عنها أيدولوجياً.‏
فالقول: أنا مسلم أو أنا مسيحي، أو أنا مسلم سني أو مسلم شيعي قول يحدد هوية متعايشة مع الهويات الأخرى وغير متناقضة معها أو لا يجد من يعيها تناقضاً بين هوياته السابقة وهويته الدينية.‏
باستطاعة المسيحي أن يعلن أنه مسيحي عربي ولا يجد أي تناقض في ذلك، وإذا أراد أن يؤكد انتماءه العربي قال نحن غساسنة أو مناذرة أو تغالبة. وكذا المسلم بكل تنويعاته، يميل إلى تأكيد انتسابه العربي عبر تأكيد انتسابه إلى الأصول.‏
وإذا كان الإسلام السياسي يسعى لجعل الهوية الدينية هي الهوية المنتصرة فإن الإسلام الشعبي أو المسيحية الشعبية ما زالت تنطوي على ما ذكرت. وهنا تبرز المشكلة ـ التي أطلقت عليها المسألة العربية ـ في أحد وجوهها. غياب أي معادل سياسي لأية هوية من الهويات التي ذكرت والمعادل السياسي هي الدولة.‏
فلم يحقق العرب دولة عربية، ولا دولة دينية، ولا دولة قبلية ولا دولة في حدودها الحالية، النتيجة المترتبة على ذلك: العرب قوم ما قبل الدولة.‏
سأطرح الفرضية التالية: الدولة الحديثة هي دولة قومية. والتاريخ لم يأت على الدولة القومية، الدولة القومية هي دولة الأمة. كل سلطة تقوم في حالة ما قبل الأمة حالة قديمة وليست دولة.‏
والدولة القومية هي وحدة الهوية والدولة.‏
إذاً: لا يمكن نظرياً قيام دولة دينية ولا دولة قبلية ولا دولة مناطقية في الوطن العربي. بل السلطة ضد الدولة.‏
ما هي هذه السلطة الماقبل الدولة؟‏
في المستوى الشكلي هناك دول في الوطن العربي حدود، اعتراف، علم، نشيد وطني، رئيس، ملك، أمير، وزارات، جيش، شرطة، مؤسسات… الخ.‏
هذا المستوى الشكلي يقع في تناقض مع المجتمع، مع البشر، مع الشعور لها بضرورة الدولة ـ الأمة، مع المصالح العميقة للبشر، مع السيادة كمفهوم مقوّم لأية دولة. أساس هذا التناقض تناقض السلطة مع المجتمع.‏
لنأخذ السيادة والدولة الذي لا تقوم الدولة إلا بترابط هذين المفهومين.‏
الدويلات القائمة خلو من مفهوم السيادة. السيادة هي قدرة الدولة على اتخاذ قرار وفق مصالحها، على حماية حدودها، على حماية ثرواتها على تحقيق أمن مواطنها.‏
الدويلة: تابعة في قراراتها لسلطة خارجية، ثرواتها عرضة للنهب الخارجي، السلطة تحصر المصلحة في شروط استمرارها، حدودها مستباحة، صفة العربية التي تحملها لا تتعين بأي سلوك وخاصة بالعلاقة مع العدوان.‏
التطابق بين السلطة والدويلة يلزم الدويلة لقاء استمرار السلطة لنأخذ ثلاثة شواهد على قرار الدويلة المستلب الخلو من السيادة. قضية فلسطين، العراق، ليبيا.‏
العربي ـ الإنسان يعتبر القضية الفلسطينية قضيته، يعتبر إسرائيل عدواً قومياً، يطلب من سلطته أن تفرج عن إرادته ليساهم في الكفاح، السلطة: أما انفردت في ترتيب شروط استمرارها دون النظر إلى القضية، أو أقامت علاقات مع إسرائيل علنية، أو علاقات سرية. السلطة إذاً لا تعكس إجماع المجتمع، ولا تعكس مفهوم السيادة. السلطات تترك لأمريكا شأن إيجاد حل للقضية.‏
السلطة في تناقض مع الأمة إذاً مع مفهوم السيادة.‏
العراق، الجيوش الأمريكية، استخدمت الأرض العربية والمياه العربية والثروات العربية لاحتلال العراق، ناهيك عن التأييد العلني لهذا الاحتلال. المجتمع ضد احتلال العراق، مع الكفاح المسلح ضد الاحتلال. قرار السلطة ليس قرارها إنه قرار الآخر.‏
حوصرت ليبيا: جميع الدويلات العربية التزمت بالحصار، لم يكن بمقدورها أن تقول لا، لأن العلاقة مع أمريكا هي نعم، خذ فكرة الأمن: السلطة المعبرة عن السيادة هاجسها الأمن الداخلي للمواطن، السلطة الراهنة الأمن بالنسبة لها. أمن السلطة، أمن يقع في تناقض مع المجتمع، فتحقيق أمن السلطة رهن بزوال أمن المجتمع، وهكذا تتحول بعض الأشكال الخارجية للدولة، الجيش الأمن القضاء إلى عوامل نزع أمن الإنسان، لأن الخطر من وجهة نظر السلطة هو خطر داخلي.‏
أضيف أن السلطة في الوطن العربي ليست سلطة قطرية. سلطة مادون ذلك بكثير. إنها سلطة جزء لمن يملكون القوة للسيطرة وذات هاجس ذاتي فقط. لو كانت السلطات قطرية معبرة عن أجماع القطر لسارت في طريق الوحدة القومية لأنها ستكون معبرة عن مصالح سكان القطر.‏
السلطة ـ سلطة أي دولة هو تحقيق الأمن الاقتصادي للمواطن والسلطة في بلاد العرب سلطة نهب، إذاً هي سلطة خارجية.‏
النتيجة: السلطة في الوطن العربي سلطة احتلال خارجي في صورة احتلال داخلي. هذا هو جوهر المسألة العربية داخلياً.‏
لنتقدم خطوة أخرى في تحليل المسألة العربية من زاوية أنها مسألة خارجية، مسألة آخر غربي ـ أمريكي يحاول جاهداً ترتيب هذه المنطقة على هذه.‏
أوربا وأمريكا تنظر إلى المسألة العربية من الزوايا التالية:‏
1 ـ الحيلولة دون قيام أي شكل من أشكال الدولة ـ الأمة في الوطن العربي تصل حد السيادة.‏
2 ـ الوقوف ضد أي نزعات رديكالة قومية أو دينية للتحرر.‏
3ـ استمرار نهب الثروة النفطية والتحكم بها مداً وجزراً.‏
4 ـ حماية إسرائيل، وتحقيق أمنها الدائم، واستقرارها وقوتها ورفاهها.‏
5ـ استمرار سلطات تابعة تبعية مطلقة بحجة التحالف مع الأصدقاء العرب، إذ لكي يتحقق هذا كله لا بد من سلطات على هذا النحو.‏
المسألة العربية إذا هي خارجية منذ القرن التاسع عشر وحتى الآن.‏
العرب موضوع هيمنته، هذا هو جوهر المسألة العربية خارجياً.‏
و لقد ظن أن تعامل الغرب عموماً وأمريكا على وجه الخصوص مع العرب لن يصل حد استخدام القوة.‏
بعد ستين عقداً من زوال الاحتلال المباشر. يعود الاحتلال المباشر وغير المباشر. بعد مرور خمسة عقود من الزمن على آخر استخدام للقوة ضد مصر ـ العدوان الثلاثي ـ ها نحن نشهد استخدام القوة العسكرية من قبل الدولة التي وقفت موقفاً متحفظاً من العدوان الثلاثي.‏
الجزيرة العربية هي الآن محتلة من عمان حتى الموصل. وإذا أخذنا بالرأي الذي يقول أن الجزيرة العربية هي آسيا العربية، فإن سوريا الراهنة، البلد الوحيد غير المحتل ولكنه خاضع للتهديد العسكري وغير العسكري.‏
يضاف إلى ذلك أن المسألة العربية اليوم خارجياً تخضع لإملاءات الإصلاح الغربية والأمريكية.‏
الإصلاح غربياً أمريكياً أشبه بالإصلاح الأوربي الذي أملاه الغرب على الدولة العثمانية نهاية القرن التاسع عشر.‏
لنتوقف قليلاً عند تعيين المسألة العربية خارجياً لزيادة في الإيضاح.‏
مظاهر المسألة العربية خارجياً ثلاثة، وهي بمثابة الأساليب في التعامل على هذه المسألة:‏
اـ احتلال وقواعد تحكم بالثروة النفطية.‏
2ـ فرض تسوية للقضية الفلسطينية.‏
3ـ مشروعا الإصلاح الأوربي والأمريكي للمنطقة.‏
الأسلوب الأول حاصل واقعياً لا يحتاج إلى مزيد من القول وخارطة الطريق سقف التسوية والذي ظاهره تعايش دولتين فلسطينية ويهودية.‏
الدولة اليهودية حاصلة وأمرها لا يحتاج إلى خارطة هذه الدولة تحتل كل فلسطين والمتبقي من فلسطين غزة والضفة الغربية. خارطة الطريق لا تحدد الحل بانسحاب الدولة اليهودية إلى حدود 67 ومساحة الدولة الفلسطينية في خارطة الطريق تركت لما تقرره الدولة اليهودية. الدولة اليهودية حددت سلفاً خارطة الطريق. انسحاب من غزة، بقاء المستوطنات في الضفة الغربية، لا إنسحاب من القدس، الجدار العنصري الذي يقتلع 40% من أرض الضفة الغربية ويحولها إلى تونتوثات يأسر فيه الفلسطينيون.‏
العرب يضعون مشاريع لا قيمة علمية لها، التسوية إذن هي تسوية وفق التصور اليهودي للحل، إذاً لا حل إلا الحل الذي يفرض على الفلسطينيين وعلى العرب عموماً.‏
دواعي خارطة الطريق أمريكا صادر عن اعتبار قضية فلسطين تحول دون استقرار المنطقة بالمعنى الأمريكي، ومصدر للإرهاب كما يتصورون، وبالتالي إخراج العامل الفلسطيني.‏
من الأسباب التي تخلق العداء والتوتر والإرهاب، فلا لا ينظر إلى المشكلة من زاوية الحق.‏
أما قضية الإصلاح الذي بتصوره الغربي وأمريكا للمنطقة والتي يجب أن تحقق الأنظمة السياسية القائمة يجيب على سؤال خارجي ولا يصدر على الاهتمام بمصير المنطقة كما يتصوره أبناء المنطقة.‏
هذا السؤال هو ما حاجة الغرب وأمريكا للإصلاح العربي؟ وليس ما حاجة أهل المنطقة للإصلاح.‏
حدود الإصلاح أمريكياً وأوربياً هو استمرار التبعية ونزع بعض شروط ظهور الحركات الراديكالية القومية والإسلامية.‏
وبالتالي فإن حدود الإصلاح المطلوب لا تتجاوز تحسين الوضع المعاشي وتحسين الوضع السياسي دون أن تغير كيفي للمنطقة.‏
والسلطة العربية، لا تجد ما يتناقض في سياستها إذا ما التزمت بالإصلاح الأمريكي مع الإصلاح أمريكياً إذا كان الإصلاح لا يأتي عليها، لأن سؤالها حول الإصلاح متشابه إلى حد كبير مع السؤال الأمريكي: كيف تنجز إصلاحاً يحول دون ظهور حركات راديكالية وتحافظ على السلطة كملكية.‏
السؤال الأمريكي والسؤال السلطوي متناقض تناقضاً كلياً مع سؤال الإصلاح مجتمعياً.‏
فالإصلاح الشعبي ـ إن صح التعبير ـ يطرح كل المشكلات التي تحول دون أن يتحول إلى فاعل تاريخي لكي يتحول إلى فاعل تاريخي.‏
الإصلاح الذي ينهض بتغيير حقيقي في بنية السلطة وبنية المجتمع ويجد حلاً للمسألة العربية. في وطن حر ديمقراطي يتخذ شكلاً من الأمة ـ الدولة.‏
الإصلاح أمريكياً وسلطوياً يبقي المسألة العربية دون حل. الإصلاح المجتمعي يؤسس لحل المسألة العربية.‏
في وطن حر ديمقراطي يتخذ شكلاً من الأمة الدولة.‏
هذه ليست أوتوبيا أبداً.‏
هل هناك إمكانية لمثل هذا الأمر؟‏
نعم، وإلا ظلت المسألة العربية خارجية وظلت السلطة عقبة كأداء أمام الحل.‏
المسألة العربية في أسسها الأعمق مسألة سياسية، لا يمكن لأمريكا وأوربا أن تظلا ممسكتين بالمصير العربي دون سلطات ممسكة برسن متين وثناياه بيد الغرب.‏
الثورة الصامتة على امتداد الوطن العربي لا نتيجة لها دون فعل سياسي.‏
وبالتالي السؤال المطروح أمامنا هو كيف يكتسب المجتمع العربي سلطة سياسية، قادرة على تحويل السياسية إلى فعل تاريخي؟‏
دون أتاوه تدفعها للتاريخ لا أمل في الخلاص!‏

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s