الأمن القومي أولاً

الأمن القومي أولاً

د. عبدالاله بلقزيز

للعرب مشكلات حقيقية، موروثة، تتحدى وجودهم ووجود كياناتهم، بينما هم لا يفعلون حيالها شيئاً، فيما يلتهون عنها باصطناع مشكلات زائفة لا تَجُرّ عليهم سوى الصدام الداخلي . والمشكلات هذه عديدة متنوعة،

تبدأ بالأمن – الداخلي والقومي – ولا تنتهي بالخبز .

للعرب، اليوم، مشكلة عويصة لم يُفلحوا في حلّها اسمها الأراضي المغتصبة، والمحتلة، وهذه لا حصر لها، وهي تتوزع جغرافياً من الماء إلى الماء: من أقصى المغرب إلى أقصى الخليج مروراً بالقلب (المشرق العربي)، ما يعني أن ثغرات متعددة مفتوحة في جسم الوطن الكبير أمام الاستباحات الأجنبية، وأن أجزاء واسعة من الأرض وأقساماً هائلة من المواطنين العرب، ترزح تحت نيْر المحتل ولاسيادة للأمة عليها .

هذا ليس تفصيلاً عادياً في حياتنا، إنه نقضٌ لوجودنا، شرعية الدولة، أي دولة، تبدأ من سيادتها على أراضيها وشعبها، وهي إن فقدت تلك السيادة على بعض أراضيها، في ظروف لم تكن تستطيع صونها والدفاع عنها، يصبح من موجبات شرعيتها أن تستعيد سيادتها المصادرة: بالحرب أو بالوسائل السلمية . . يحدث هذا في أقطار العالم كافة، ولكن لا شيء منه عندنا . فدولنا تتعايش مع ظاهرة الاحتلال وكأنها ظاهرة عادية، وكأن المحتل شريك في الوطن . وتكاد أن لا تنتبه إليه في سياساتها انتباهها إلى ما دونه من أخطار .

ومن المسلم به أن الدول العربية لا تستطيع، منفردةً، أن تستعيد أراضيها المغتصبة بإمكاناتها الذاتية، بسبب الفارق في القوة بينها وبين “إسرائيل” وتركيا وإسبانيا وإيران . ولذلك، فهي في حاجة إلى سائر الدول العربية، وإلى قدراتها (العسكرية والسياسية والمالية والاقتصادية) . . قصد تحصيل حقوقها المهضومة . ومن واجب البلاد العربية كافة أن تناصرها في مسعاها إلى استعادة أراضيها المحتلة، بوصفه واجباً قومياً لا سبيل إلى الازورار عنه:

 

هو واجب قومي لأن هذه الأراضي المحتلة أراضٍ عربية، في المقام الأول، وإن هي حملتْ نعتاً وطنياً مقروناً بهذه الدولة أو تلك، وعلى الأمة جميعها – ممثلة بدولها – واجب افتكاكها من الأسر .

وهو واجب قومي بمقتضى “ميثاق” جامعة الدول العربية، وبموجب “اتفاقية الدفاع المشترك” التي تقضي أحكامها بوجوب العمل الجماعي لحماية الأمن القومي، والدفاع عن أي دولة عربية تعرضت سيادتها للانتهاك . وهو، هنا، أكثر من واجب أخلاقي قد يقتضيه الانتماء، إنه واجب سياسي ومؤسسي تفرضه المواثيق والاتفاقات الموقعَة .

ثم إنه واجب قومي لأن التلكؤ في النهوض به سيعود بأوخم العواقب على مَن لم ينهض به، فالأمن القومي واحدٌ لا يتجزأ، ومن يعتقد أنه يستطيع التهرب من مسؤوليته، بدعوى أن بلاده لم تتعرض لاحتلال أي جزء منها، واهم قطعاً، لأن المحتل من أراضي أشقائه قد يصبح قاعدة ضد أمنه “الوطني”، إذ لا أمن وطنياً من دون أمنٍ قومي، وليس من دولة تقوى على حفظ أمنها منفردة، خاصة في منطقة – مثل المنطقة العربية – هي عقدة التناقضات الدولية والإقليمية، وحيث “إسرائيل” والنفط والغاز و”الإسلام الجهادي” . . تفرض نفسها عناوين رئيسية لتلك التناقضات والمنازعات في داخل المنطقة وجوارها .

لا مهرب، والحال هذه، من الذهاب إلى خيارين اثنين متضافرين: إلى حسبان الأمن القومي العربي أمّ المسائل في السياسة العربية، والأولوية الكبرى التي لا تعلوها أولوية، ثم إلى اجتراح استراتيجية عمل أمنية ودفاعية جماعية مشتركة لمواجهة مصدرين رئيسيين من مصادر الخطر على الأمن القومي: الاحتلال والإرهاب، والخياران معاً يحتاج تكريسهما في السياسة العربية، بوصفهما استراتيجية عليا، إلى إعادة نظر في مجمل السياسات المتبعة داخل النظام الإقليمي العربي، منذ نهاية حرب أكتوبر (1973)، وخاصة منذ “مؤتمر مدريد”، (1991)، وإلى إعادة مراجعة أوضاع جامعة الدول العربية، وتصحيح مسارها وخياراتها، وتحريرها من وهم “الوكيل الاقليمي” لمجلس الأمن والبيت الأبيض، الذي تنامى لديها منذ بداية موسم “الفوضى الخلاقة” المسماة بـ “الربيع العربي”، قصد إعادة تأهيلها لتكون ذلك الإطار المناسب لإنتاج استراتيجية الأمن القومي المطلوبة . وقد يكون خروج مصر معافاة من تجربة مرحلتها الانتقالية الصعبة، واستعادتها بعض دورها، الريادي والقيادي، في محيطها العربي مدخلاً إلى تصحيح تلك الأوضاع السيئة، في النظام الإقليمي العربي، وإلى توفير الظروف المناسبة لإطلاق هذه الاستراتيجية الجديدة – المطلوبة – حول الأمن القومي العربي .

 

Advertisements

استعمالات السياسة والدين والإعلام لتمزيق الأمة

استعمالات السياسة والدين والإعلام لتمزيق الأمة

د. علي محمد فخرو

كنا في الماضي نعتقد أن هناك جهتين تؤججان الاختلافات المفتعلة، ومن ثم الصراعات العبثية، بين مكونات أمة العرب. الأولى كانت تتمثل في رجالات السياسة. فإذا كانوا في الحكم كان تأجيج الاختلافات والصراعات يهدف إلى المحافظة على بقائهم في الحكم كحلّ وسط يمنع تسلط فئة مجتمعية على فئة أخرى.

والنتيجة هي بقاء الامتيازات المادية والمعنوية حكراً على رجالات الحكم، يوزعون الفتات منها على الأقارب والأزلام والموالين ويحيلونها إلى ثروات هائلة يتوارثونها جيلاً بعد جيل. هكذا وجد مجتمع الراعي والرعية المبني على أسطورة الأب المستبد الحكيم الذي من دونه يتصارع الأبناء والذي تحتاجه الأمة لحلّ صراعات مكوناتها.

الجهة الثانية تمثلت في رجالات الدين. هؤلاء ساهم الكثيرون منهم في تأجيج الخلافات والصراعات المجتمعية من خلال طريقين. الطريق الأول بني على ادعاء بأن قراءة معاني الدين وفهم مقاصده وتفصيلات تطبيقاته في الواقع يجب أن تكون حكراً عليهم، إذ هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟ سؤال حق أجاب البعض عنه بالباطل. وكان الباطل هو ممارسة البعض لقراءات خيالية عرفانية باطنية غير عقلانية لهذه الآية أو تلك من آيات القرآن الكريم، أو ممارسة وضع وتحريف لألوف الأحاديث النبوية، وذلك كلّه من أجل دعم مطالب وطموحات هذه الجماعة أو تلك. وكان الباطل هو إلباس الفقه، وهو فهم إنساني للرسالة الإلهية، لباس القدسية ووضع أقنعة تخلف وتزمت وضيق صدر من قبل بعض الفقهاء، وهكذا مزقت الأمة إلى جماعات متناحرة باسم القرآن والسنة والفقه.

أما الطريق الثاني فكان استعمال الدين لتبرير ودعم قباحات السياسة، لإقناع الناس بالطاعة العمياء لولي الأمر خوفاً من الفتنة المتوهمة، لدعم سياسات هذه السلطة الحاكمة أو تلك، وذلك كله من أجل المال أو الجاه في بلاطات السلاطين. بعض رجالات الدين، بوعي أو من دون وعي، مارسوا، إذاً، ما فعله بعض رجالات السياسة من تأجيج الخلافات والصراعات بصور انتهازية لا حصر لها ولا عد عبر تاريخ هذه الأمة.

اليوم، تنضمُ إلى تلك الجهتين السابقتين جهة ثالثة تتمثل في بعض رجالات الإعلام. إنها جهة تمتاز بانتشار وسائلها الواسعة، بعمق وقوة وخطورة وتنوع تأثيراتها في عقول وقلوب وأرواح الناس، وبالتالي بالأضرار الهائلة التي يمكن أن تلحقها بكيان مجتمعات الأمة.

في الماضي، كان وجود رجالات الإعلام يتركز في وسائل الإعلام المحتكرة إلى حد كبير من قبل سلطات الحكم. لقد كانت مهمتهم تكاد تقتصر على تلميع صورة الحكم وكيل المديح لسياساته وذمّ أعدائه. وكنا نشتكي من قلة وسائل الإعلام غير الحكومية.

اليوم انقلبت الصورة، إذ ليست الشكوى فقط من كثرتها وتوفرها في يد كل سوقي ودجّال وصاحب مصلحة خاصة، وإنما أصبحت الشكوى مضاعفة بسبب عدم اقتصار أغلبها على مدح الحكم وتلميع صورته، ففي ذلك مضار مجتمعية محدودة، وإنما لأن بعضها أصبح أيضاً أحد أهم وسائل تمزيق المجتمعات وتفتيتها من خلال تأجيج الخلافات والصراعات بوسائل وكلمات وترميزات وإيحاءات شيطانية مملوءة بالحقارات والابتذال.

بعد محنة بعض رجالات السياسة والدين نواجه اليوم محنة بعض رجالات الإعلام. إنها محنة انخراطهم اليومي، من دون عقل أو ضمير، في تأجيج صراع مذهبي سنّي – شيعي عبثي من أجل توازنات إقليمية ومصالح سياسية لهذه الجماعة وتلك. إنها محنة قبولهم لأن يكونوا أدوات حملات إقصاء أو اجتثاث أو تشويه ظالم لهذه الجماعة أو لتلك الشخصية، وذلك من أجل تبرير ممارسات غير ديمقراطية وغير عادلة ترتكبها هذه السلطة أو تلك. إنها في محنة السير، بقصد أو من دون قصد، في ركاب المشاريع الصهيونية- الإمبريالية لتمزيق هذه الأمة على أسس عرقية ودينية ومذهبية من جهة، وللتشكيك في رابطة العروبة الموحّدة وفي إمكانية الوحدة العربية حتى تبقى أمتنا أمة مجزأة ضعيفة غير قابلة للنهوض الحضاري، من جهة أخرى، وفي فترة الربيع العربي الأخيرة في تشويه وحرف الثورات والحراكات وإلصاق التهم بشبابها وذلك من أجل منع أي تغيير مجتمعي جاد.

وفي سبيل إنجاح أهداف التمزيق وإذكاء الصراعات الفرعية وتشوية الثورات والحراكات تلك تستعمل أساليب إعلامية ملتوية. فهناك أسلوب طمس الكلمات، إذ تصبح الثورات شغباً والمطالب العادلة شروطاً غير واقعية وتعجيزية والتظاهرات السلمية عنفاً، والدفاع عن النفس إرهاباً، والوحدة العربية مراهقة سياسية والعدالة الاجتماعية مؤامرة على الاقتصاد وطرداً للاستثمارات.

وهناك البرامج الحوارية التي تدفع بالمشاهد أو السامع لأن يختار بين أن يكون مع أو “ضد” وإقناعه باستحالة التوافق بين وجهات النظر. وهناك أسلوب انتقاء الأحداث وتضخيمها واستعمالها بانتهازية للتدليل على أن هذه الأمة مصابة بأمراض الاختلافات والصراعات الدائمة، وبالتالي لا تستطيع ممارسة الديمقراطية. وهناك بناء مشاعر الهروب من المشكلات والاستسلام من مثل عبثية الصراع العربي- الصهيوني، وعدم القدرة على الخروج من النفوذ الأجنبي وهزلية كل تفكير وفعل توحيدي لهذه الأمة. وهناك أيضاً إدخال المواطن في عوالم التسلية البليدة والثقافة المسطحة من أجل نسيان كل ثوابت الأمة وكل مطالب الناس العادلة.

من خلال استعمال فاحش ومقيت للسياسة والدين والإعلام يريد البعض إبقاء هذه الأمة في جحيم الضعف والتخلف.

نحو حلول عملية للتغلب على العقبات في سبيل الوحدة العربية

نحو حلول عملية للتغلب على العقبات في سبيل الوحدة العربية

د . قسطنطين زريق

-1-

لابد قبل الخوض في هذا الموضوع الذي طُلب مني أن أعالجه ، من إبداء ملاحظة مبدئية حول صيغة عنوانه . فإن هذه الصيغة قد توحي بأن الوحدة العربية سهلة التحقيق قريبة المنال ، وان ما يحتاج إليه المجتمع العربي هو بعض حلول ” عملية للتغلب على العقبات القائمة في وجهها . فكأنما ثمة حلول جاهزة يمكن استخراجها من مخبئها أو استعارتها من الغير والأخذ بتطبيقها فتؤتي ثمارها بيسر وسرعة ، أو كأنما نستطيع أن نستنبط حلولاً جديدة ذات فاعلية أكيدة . والواقع أن الأمر أكثر تعقداً وأشد خطراً مما قد يبدو لأول وهلة من عنوان هذا الموضوع …  

النص الكامل